جريدة الاسبوع الادبي العدد 1096 تاريخ 22/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

إديث بياف أسطورة الغناء الفرنسي في "الصبية: الحياة بلونها الوردي" ـــ محمد عبيدو

كما كان متوقعا فازت ماريون كوتيار بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في الفيلم الفرنسي "الصبية: الحياة بلونها الوردي" La Mome: La Vie En Rose, واقتنصت الجائزة من طابور من الممثلات الكبريات الموهوبات. وحصل الفيلم على جائزة أفضل ماكياج وذهبت لديديه لافرين ويان أرشيبالد.‏

وتعتبر 2007 و2008 سنتي السعد على كوتيار التي حصلت على جائزة أفضل ممثلة في العديد من المهرجات الدولية أبرزها كان (الفرنسي، وبافتا البريطاني، وغولدن غلوب الأميركي) وسيزار الفرنسي وآخرها الأوسكار).‏

عندما تشاهد ماريون كوتيار تؤدي دور إديث بياف ـ هو بحدّ ذاته تجربة درامية تتطلّب منك كمشاهد أكثر من التعاطف أو التفاعل مع بطلة الفيلم، وقد تخرج من الصالة مصاباً بشيءٍ من الإرهاق، وبالكثير من الألم والحسرة، على تلك القامة الهزيلة التي وسع صوتها الدنيا، ذلك العصفور الصغير الذي غنّى للجميع، إلا لنفسه.لا تدري أهي كوتيار أم بياف، تلك المتألمة المسحوقة، تلك المتمردة التي تعبّ لحظات حياتها القصيرة عباً، وتسكر بعبادة الجمهور لها، وتظلّ تغنّي حتى تسقط، ثم تقف لتغنّي من جديد. ماريون كوتيار تعلمت الغناء والتحكم في النفس الطويل وتشبعت تماماً بشخصية بياف . وتدور أحداث الفيلم, الذي أخرجه 'أوليفيه دهان' , في فترة الأربعينات وسيعرض قصة حياتها في مراحلها العمرية المختلفة حتى وفاتها في عام 1963 عن عمر 47 عاماً إثر اصابتها بالسرطان، التي بدأتها مع العناء في شوارع باريس وهي صغيرة وكان عمرها 15 عاماً .. هذا الفيلم "الحياة الوردية" يبدو عنوانه وكأنه يسخر من تلك الحياة لبطلته التي بدأت أمامنا وعمرها سنوات خمس تعيش في بار تخفيها أمها مغنية الحانات عن الزبائن حتى تنهي عملها لكن الأب ينتزعها ليسلمها لأمه صاحبة منزل الرذيلة حيث عاشت سنوات أخرى في رعاية فتيات المنزل ووجدت من بينهن من أحبتها كالأم وأكثر لدرجة أرادت فيها أن تترك المهنة لرعايتها لكن الجدة رفضت بعنف بالطبع ثم عاد الأب من الحرب العالمية الاولى التي التحق بها , ليأخذها وكانت قد أصبحت مراهقة لتصحبه في عمله كبهلوان في سيرك متجول بين الحواري والأحياء وبدأ الأب يطالبها بالمشاركة حتى تحصل على لقمتها وبعد فترة بسيطة اكتشف صوتها الذهبي بدون قصد منه فصار يدفع بها لتغني مقاطع من أي أغنية أو نشيد حتى يجمع النقود من الفقراء المتحلقين حوله في الشوارع.. بعدها استغلت إديث قدراتها في الغناء على النواصي بطريقة عشوائية بمصاحبة واحدة من صديقات الشوارع وكانت قد تركت الأب ورفضت العودة للأم أو مساعدتها وبدأت تعمل لحسابها.. وفي المساء.. حين تجمع نقود النواصي تذهب مع صديقها لتنفقها في الطعام والشراب حتى الثمالة ومن هذا الموقع البائس رآها واكتشفها "لويس ليبلييه"، جيرارد ديباردو مثل شخصية مدير الملهي الليلي الذي التقط بياف من الشارع لتقديمها لجمهور مسرحه و ليضعها على طريق الشهرة ، والذي اتُهمت لاحقاً، وخطأً، بالمشاركة في اغتياله. المخرج أوليفييه دهان اهتم في فيلمه بـ(إديث بياف) الإنسانة التي عرفت المعاناة أكثر من الفنانة التي بهرت العالم..... ولدت في بيلفيل الفقيرة، شرق باريس، حيث صبّت، وما تزال، قوافل المهاجرين البائسين الآتين من مستعمرات فرنسا. ويتابع الفيلم مسيرتها الفنية وحياتها الخاصة والمواقف المؤثرة التي تعرضت لها في الحياة . الكحول والحزن هما الشريكان الأهم لحياة بياف المأسوية؛ طفلها الذي تفقده إثر إصابته بالتهاب السحايا؛ علاقاتها الفاشلة مع الرجال؛ شخصيتها المضطربة؛ وعصبيتها ومزاجيتها؛ نجاحاتها الفنية؛ و لعل خير مثال على ذلك، هو علاقتها الغرامية مع الملاكم مارسيل سردان، (الجزائري الأصل)، الذي تلتقيه في أميركا، وموته الدرامي بعد ذلك في حادث تحطم طائرته القادمة من باريس عندما كان قادماً لرؤيتها؛ وتحت تأثير هذا الحادث الأليم تخرج بياف أغنية (نشيد للحب) إلى الوجود والتي تقول كلماتها: إذا خطفتكَ الحياة مني * أو إذا متَّ أو كنت بعيداً عني * لا يهم، إذا كنت تحبني * لأنني،أنا بدوري سأموت يوماً ما.‏

ونرى في الفيلم هذيانها؛ ذاك أن بياف فقدت، كذلك، طفلتها الوحيدة التي أنجبها حبّها الأوّل. وتعرّضها لحادث سير أدى إلى كسور في جسدها جعل منها مدمنة على المورفين الذين كان يستخدمه أطباؤها لتسكين أوجاعها... ، فحين رأيناها في المصحّ، وهي في الرابعة والأربعين، بدت كأنها الموت مشخّصاً. وأخيراً إصابتها بتشمع الكبد وشللها الجسدي والنفسي والعقلي ووفاتها ولم تكن قد بلغت الثامنة والأربعين..وخلال هذه الهزات التي عصفت بحياتها،ستلتقي بياف بالعديد من الفنانين الكبار أمثال شارل ازنافور وكذلك بكاتب يدعى بيلس،هذا الأخير سيكون زوجها، إلا أن زواجهما لن يستمر أكثر من أربع سنوات،وكأن لعنة الانفصال ترافق بياف طيلة حياتها.‏

يقول دهان: إن السبب الأول الذي دعاه إلى إخراج فيلمه عن إديث بياف هو أن يعرض بأمانة الإجابة على تساؤل: ما هو السبب الحقيقي الذي يقود حياة الفنان، والجواب قد يكون ببساطة أن الألم هو الذي يصنع الفنان الحقيقي وهو الرباط الحقيقي بين العبقري وفنه، حيث يقدم لنا ـ في بعض لقطات فيلمه ـ إديث بياف في قمة ألمها مجروحة المشاعر ضائعة، وهي تزحف زحفا عائدة إلى المسرح لتعطي كل ما عندها وتحول ألمها إلى عطاء لجمهورها.‏

على هامش "الصبية: الحياة بلونها الوردي"نقول: إنه من البديهي أن يتحمس السينمائيون والمسرحيون لتقديم أفلام ومسرحيات عن المغنية الراحلة فحياتها الصاخبة أشبه بسيناريو خيإلى حقّاً ألهم العديد من المخرجين. لعل أبرز الأفلام عن حياتها فيلم «إديث ومارسيل» لمخرجه كلود لولوش الذي أنجزه في 1983 وركّز فيه على علاقة الحبّ العاصفة التي جمعت بياف ونجم الملاكمة مارسيل سيردان في أوج تألقهما عهد ذاك. ولا يقتصر الأمر على السينما ففي المسرح قدمت الكاتبة الريطانية بام جيمس(واحدة من أبرز الكاتبات في ميدان الدراما النسوية البريطانية المعاصرة) مسرحية « بياف» عبر قصة رومنطقية حزينة عن حياة هذه الفنانة. نالت جان لابويتر في ذاك العام جائزة أفضل ممثلة ومغنية بريطانية. أما العرض الذي أخرجه بيتر هول فأدت دور بياف فيه الممثلة البريطانية إيلين بيج. وأخيراً وليس آخراً فيلم «الصبية» لمخرجه أوليفييه دهان‏

سيرة ماريون كوتيار:‏

نجح المخرج أوليفييه دهان في اختيار الممثلة التي تتقمص شخصية إديث بياف.. وهو مخرج موفق في اختياره لنجمات حققن الشهرة فعلاً مثل ايمانويل برات ذات التاريخ العريض في السينما الفرنسية أو الصاعدة الحسناء أودري تاتو التي شاركت النجم الأمريكي الكبير توم هانكس بطولة الفيلم الذي أثار ضجة عالمية «دافنشي كود».. لكنه اختار الممثلة الفرنسية الجميلة ماريون كوتيار التي ظهرت لأول مرة في دور مؤثر وهي تلعب دور «ملاك الانتقام» ونجحت في الفوز بإحدى جوائز مسابقة «سيزار» ـ الأوسكار الفرنسي ـ وكانت تمثل أمام راسل كرو في فيلم ريدلي سكوت الأخير «سنة جيدة» في الريف الفرنسي عندما ذهب إليها أوليفييه داهان ليعلن لها اختياره النهائي لكي تمثل الشخصية التي تصبو إلى تمثيلها أي نجمة في العالم، فضلاً عن فرنسا، شخصية إديث بياف‏

وقالت الممثلة لدى تسلمها جائزتها في حفل توزيع جوائز الأوسكار متوجهة إلى مخرج الفيلم أوليفييه دهان: «شكراً جزيلاً أوليفييه لقد قلبت حياتي رأساً على عقب فعلاً».‏

وأضافت وقد غلب عليها التأثر: «لا أجد الكلام.. إنني أشكر الحياة على نعمها، وأشكر الحب، وصحيح أن في هذه المدينة ملائكة» في إشارة إلى مدينة لوس انجلوس ومعنى اسمها الملائكة.‏

وسبق لكوتيار أن فازت بجائزة «غولدن غلوب»، وجائزة بافتا البريطانية، وسيزار أفضل ممثلة في باريس. وأصبحت ثاني ممثلة فرنسية بعد سيمون سينوريه تفوز بأعرق جائزة في الفن السابع بعد سيمون سينوريه. وقد فازت الممثلة الفرنسية جولييت بينوش بجائزة أفضل ممثلة في دور ثان العام1997 عن دورها في فيلم (المريض الانجليزي).‏

وقالت الممثلة عند عرض فيلم "الصبية: الحياة بلونها الوردي": «لم أكن مطلعة جيداً على حياة المغنية إديث بياف وبدأت اكتشفها وانغمس فيها. شاهدت الأفلام كلها شاركت فيها بياف كممثلة واستمعت كثيراً إلى أغنياتها. ومن ثم كان ينبغي على أن أجد المساحة داخلي للتعايش بين شخصين انا وهي». وقد تقمصت ماريون كوتيار عملياً دور بياف الذي شمل مراحل حياة المغنية كلها، وتمكنت من تقليد حركاتها بشكل ملفت. وشددت كوتيار على أنها احتاجت إلى «أسابيع عدة» للعودة إلى طبيعتها بعد انتهاء تصوير "الصبية "، وأوضحت قائلة: «لقد احتجت إلى بعض الوقت، فالشخصية معقدة ومركبة، وخلال أربعة أشهر لم يكن الصوت صوتي، ولا التصرف تصرفي».‏

ولدت كوتيار في 30 سبتمبر 1975 في باريس، وانغمست منذ طفولتها في عالم المسرح، لأن والديها جان كلود كوتيار ونسيمة تييو مخرجان وممثلان. ربّيا بحبّ مواهب ابنتهم الإبداعيّة و شجّعاها أن تتابع مهنتها في المسرح و الشّاشة .‏

وحصلت الشابة على الجائزة الكبرى للتمثيل من كونسرفاتوار أورليان العام 1994 للسنة التي مثلت فيها أول فيلم طويل لها (قصة صبي يريد ان نقبله) للمخرج فيليب هاريل.‏

وقد انطلقت حياتها الفنية فعلاً مع فيلم «تاكسي» للمخرج جيرار بيريس العام 1998 تلت في الجزأين الثاني والثالث من الفيلم الذي لاقى نجاحاً كبيراً وهو من إخراج لوك بيسون.‏

وقد مثلت كذلك في فيلم الأمور الجميلة 2001، حيث رشحت للفوز بسيزار أفضل نجمة صاعدة.وفي العام 2003 شاركت في فيلم (ألعاب طفولية) مع غيوم كانيه.‏

وفي أول فيلم لها في الولايات المتحدة، أدت دور فرنسية في «سمكة كبيرة» لتيم بورتون. وبموازاة ذلك فازت بسيزار أفضل ممثلة العام 2005 لدورها في « البراءة ». ومنذ ذلك الحين شاركت كوتيار المدافعة الكبيرة عن البيئة في حوإلى عشرة أفلام فرنسية وعالمية.‏

سيرة أوليفييه دهان‏

ولد أوليفييه دهان عام 1967 والتحق بمعهد الفنون بمرسيليا عندما بلغ العشرين من عمره ثم حصل على دبلوم دراسات علىا في الفنون التعبيرية التجريدية عام 1991. إن شغف دهان بالرسم دفعه لصنع سبعة أفلام قصيرة بين 1988 و 1997، كما قام بتنفيذ عدد كبير من مقاطع الفيديو التصويرية (فيديو كليب) لصالح عدة شركات تسجيل، وعلى وجه الخصوص شركتي (IAM) و(McSolaarr)، ثم نفذ عدداً من الفيديو كليب لفنانين دوليين أمثال زوكيرو وفرقة كرانبيريز. وفي عام 1994 صنع أوليفييه دهان فيلمه الطويل (الأشقاء) الذي جرى اختياره للعرض في مهرجان برلين السينمائي. أما أول أفلامه الروائية الطويلة صدر عام 1997 بعنوان (ميت لتوه)، وهو فيلم يصف العنف والأسى الذي يهيمن على عالم شاب ثري.‏

بعد خمس سنوات، تبدل مسار مهنة أوليفييه دهان بالكامل من خلال الاقتباس الرائع لحكاية (عقلة الإصبع) للكاتب تشارلز بيرولت عام 2001، ثم اتجه لصنع أحد الأفلام السوداوية بعنوان (الحياة الموعودة) 2002، الذي يصور إيزابيل هوبير كمومس تبحث عن زوجها السابق. لقد أثار أسلوب أولفييه دهان البصري في فيلمه (أنهار قرمزية -2) إعجاب المنتجين ألان غولدمان و لوك بيسون فأسندا إلىه مهمة إخراج فيلم (ملائكة القيامة). وفي بداية عام 2004 فكر دهان بصنع فيلم عن حياة المطربة الشهيرة إيديت بياف في الوقت الذي كانت سيرة حياتها قيد النشر ضمن كتاب خاص بها. استغرق صنع الفيلم فترة عامين تقريباً‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244