جريدة الاسبوع الادبي العدد 1096 تاريخ 22/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الأطفال الثلاثة الكبار ـــ د.عبد الكريم الأشتر

ـ1ـ‏

لم تكن لي صلة متميزة بنعيم إسماعيل، ولكني كنت أعرفه، رأيته في إدارة إحدى المجلات التي كان يتولى الإشراف الفني عليها. فحين رأيته ذكرت أخاه صدقي، فقد كان أشبه به من شبهه بأخيه أدهم. وكان صدقي يذكره لي أحياناً ويبدي إعجابه به، ويقول: إن له أسلوبه المتميز في التعبير عن الأشياء. وأذكر أنه دخل علينا يوماً ـ وكنت أزور صدقي في بيته الذي كان قريباً من الجسر الأبيض ـ فرأيت أسلوباً في الخطاب بين الأخوين يلخّص تكوين الأسرة، فقد كان حلواً بسيطاً أشبه ما يكون بحديث الأطفال. ولكنه يضعك دائماً أمام شيء تفكر فيه. وعرض علينا نعيم يومها بعض الرسوم بالفانوس السحري، على حائط البيت. ورأيته في إحدى حفلات التأبين، يتخذ لنفسه مقعداً في الصفوف الخلفية، ويصغي إلى الكلمات التي تلقى وهو شارد اللب.‏

ـ2ـ‏

وعرفت أدهم في القاهرة، أيام الوحدة. وكان يزورني في معهد البحوث والدراسات العربية. فكان يقف أمام مصوّر كبير يواجهه الداخل من باب المعهد، للدولة العربية أيام ازدهارها، فيتأملها في صمت. وكنت قبل أن أعرفه أتمنى أن أراه، فقد كان صدقي يحدثني عنه أيضاً في حلب، أيام كنا نعمل في مدرسة واحدة. وكان أدهم يومها يتابع دراسته في روما، ويرسل إلى صدقي رسائل تمتلئ بأخبار الفن، وقصاصات الصحف الإيطالية، ورسومها الكاريكاتورية، فقد كان يشغلهما شيء كبير عن حاجات الحياة العارضة، مما يجري الحديث عنه في العادة بين الإخوة المتراسلين. فلما رأيت أدهم كنت كأني أعرفه. فكان يشرح لي بعض الرسوم وينقدها.‏

وكان مفتوناً بالتراث العربي يودّ أن يحسن الفنانون العرب استيحاءه. فكان دائماً يذكّرني بصدقي. وما أعرف، إلى اليوم، أسرة تعدّ العروبة، من حيث هي تراث يصل بين ماضي العرب وحاضرهم ومستقبلهم، مدرسة يتخرج فيها الناس كآل إسماعيل. وما أعرف أسرة مثلها أُعطيَ أفرادها جميعاً أُعطيه الفنان، في غير احتفال، طفولة القلب! وقد رأيته يوماً فرأيت في جبينه كَدْمة سوداء، وحدثني أن طارقاً طرق عليه الباب في الليل فنهض ليفتح له، وكان غيّر موضع السرير في غرفته، في أول الليل. فلما نزل عنه، من الجهة التي تعوّد أن ينزل منها، وهو لا يعي، ارتطم بالحائط. وكان، وهو يحدثني، يضحك في ارتباك، كأنه كان يرى أن ما وقع له لا يقع لغير الأطفال! وقرّب رأسه مني وقال: ولكن لا تحدث بهذا الحديث أحداً!‏

ـ3ـ‏

على أن صدقي كان أقربهم مني. وكنت عرفته في الجامعة، ثم عرفته على مدى سنتين في حلب، فكنت أجالسه في المقهى الشعبي الذي كان يتخذ فيه مجلسه، أول المساء، وهو يدخن النارجيلة، ويبعثر فيه أوراقه، ويستسلم لأحلامه وخيالاته، فما أذكر أني رأيته يوماً يخلد إلى همّ خاص، فقد كان يشغله عن نفسه دائماً همّ الأمة العربية ومستقبلها. فكان يفكر فيها جاداً ويفكر فيها هازلاً. وكنت أسمعه يقول: «أي خطأ مميت ارتكبناه، فقد أمضينا إلى اليوم ما يقرب من قرنين نعمل لوحدة الأمة العربية، وما تزال الوحدة حلماً بعيداً». ثم قرأت له هذا الكلام في بعض كتبه التي كتبها من بعد. ورأيته يوماً في المقهى وإلى جانبه ثمرة كبيرة من ثمار الأرضي شوكي، فسألته عنها، فرد في سرعة كأنه يريد أن يتجاوز الموضوع: «أوصاني بها الطبيب من أجل الكبد، ولكن هل قرأت هذا التحليل لواقع الأدب في سورية، في هذه الجريدة»؟‏

ـ4ـ‏

واليوم، وقد غاب عنا هؤلاء الإخوة الثلاثة، نسأل: ما الذي خلفوه؟ لوحات وكتابات تحمل كلها هموم الناس الاجتماعية والقومية، وتنظر إليها من زاوية واحدة، كأنهم يقولون وبلسان واحد: لا مستقبل لهم ما لم يدخلوا العصر على الحصان العربي الذي تفننوا في رسمه وأودعوا في خطوطه الملتهبة حنينهم إلى العنفوان والتمرد، وجهلوه يشبّ على قائمته ومن حوله سماء مكفهرة تنذر بهبوب العاصفة. فكأنهم جاؤوا إلى هذه الدنيا فلم تعجبهم، فقالوا فيها كلمتهم وغادروها بسرعة!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244