جريدة الاسبوع الادبي العدد 1097 تاريخ 29/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أزمة لغة أم أزمة هوية؟ ـــ سمير حماد

قد لا يروق للكثيرين استخدام كلمة «أزمة» أو «مؤامرة» لحسن نية منهم حيناً ولسوئها حيناً آخر لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بموضوع حساس كاللغة، أو الهوية، لكن أجد لزاماً علي أن أصر هنا على هاتين الكلمتين واللتين تكمل كل منهما الأخرى أو على الأقل هي سبب في تواجدها، وفي جو عربي قاتم يعجّ بالأزمات، لنتساءل أولاً: هل اللغة في أزمة؟ وهل لدينا القوة والمبررات لمواجهة هذه الأزمة؟؟‏

وهل لدى المختصين وأنصارهم المبرر للخوف على هذه اللغة؟؟ وكيف سيقدرون على حمايتها؟ ومن يعينهم على ذلك؟ لا سيما وأن هذه اللغة هي لغة النص المقدس، والتراث والهوية العربية، وهي التي تمثل القومية في ذروتها، وهي الحاضرة في مناهج التعليم على اختلاف مراحله، وفي بيوت العبادة، وهي مرجعية القيم والقوانين، إن هؤلاء قد يشعرون بشيء من الأمان، إذا ما تمثلوا ما يجري في العالم المعاصر مع بروز ظاهرة موت اللغات، فاللغة العربية ما تزال مستمرة على اللسان والورق، ولكن هذا الذي يفيئون إليه من مرجعية المقدس والثوابت اللغوية قد لا يكون في مأمن أمام وحشية العولمة التي لا تقتصر على السوق الاقتصادية وحسب، بل تمتد إلى ثقافات الشعوب ولغاتهم، وهذا ما يشعرنا أن هناك أزمة حقيقية تتعرض لها لغتنا، وخطراً داهماً يهددها. في الوقت الذي تسعى فيه لتكون هي القاعدة أو النواة للثقافة والركيزة الأساسية للعقيدة وأسلوب الحياة. فهل يمكن أن أكون عربياً دون لغتي العربية؟؟ بكل ما تعنيه هذه العروبة من واقع وتراث وقيم؟‏

صحيح أن هذه اللغة ماثلة في مظاهر شتى من حياتنا، يؤدى بها التعليم، وينشد الشعر، وتؤلف الدراما، وتترجم إليها وبواسطتها المسلسلات والأفلام، وتقدم بها برامج الأطفال، هي حاضرة على هذا المستوى، لغة فصيحة سليمة، ولكنها على مستوى التداول اليومي المباشر ليست هي التي تمتد فينا، فالجمهور العربي ما زال يتردد بين العامية والفصحى والوسطى، وهي ما تزال تقتصر على النموذج المنشود بمزاياها للغة التواصل، ورمز الأمة ووعاء ثقافتها، وهذا ما يدفعنا للشعور بالقلق.‏

ومن المعلوم أنه منذ بدء التدوين لهذه اللغة بقي العربي متشبثاً بالشفهي حيث يكتسب أول ما يكتسب لهجته المحكية المحلية ثم يكتسب النظام اللغوي المكتوب خلال سنوات قليلة ويتمكن من استخدام اللغة استخداماً خلاقاً، فالطفل يكتب ويبرمج النظام اللغوي من العامية إلى الفصحى ثم يعرف أن الفصحى ليست بعيدة عن لغته المحكية والمشترك بينهما كثير. ثم يبدأ بحساب الجدوى من بذل الجهد لتعلم اللغة الفصحى وما قيمة الجهود المبذولة لتعلمها، مقتنعاً أن اللهجة العامية لا تملك هذا الامتداد وهذه الجدوى التي تمتلكها الفصحى كقيمة وظيفية وإبداعية.‏

وإذا كان التسويق للهجة العامية قد بدأ أواخر القرن التاسع عشر واستمر زمناً إلى حد أن بعضهم دعا لاستبدال الحرف العربي باللاتيني وهي سابقة خطيرة لم تتعرض لها اللغة العربية من قبل، محتجين بصعوبة الفصحى وسهولة العامية وقد روج المستشرقون لهذا مجرد أن شموا رائحة الدعوة، وكان يراد بهذا ذبح اللغة العربية لأنها عنوان القومية العربية وحضارتها ومستقبلها لقد اعتبر أولئك أن اللغة العامية المحكية بسيطة وتجري على ألسنتنا عفواً وبصورة تلقائية، وأنها لغة الحياة، وأنها تملك ذكريات الطفولة، وأن لها أنغاماً وإيقاعات موسيقية وسيمفونية يغتني بها الواقع العربي لو توفر لها حماية ورعاية إلا أن هذا كله مردود عليه بعد أن دار حوله سجال كبير، إذ أفاق العرب وأفاؤا إلى المرجع الثقافي للهجات المحكية فرؤوا أن هذه اللهجات لا تملك أي رصيد معرفي أو إبداعي، ولا تملك ذاكرة كالفصحى، ولا امتداداً جغرافياً، بل هي متهمة بإطارها الضيق، فهي أشبه بالعملة المحدودة القيمة في التداول، كما أنها تفقد إيقاعاتها إن نقلناها إلى فضاء آخر، قد نراه مستغلقاً فيفقد عذوبته وكثافته.‏

وفي النهاية فإن هذه اللهجات التي تميل إلى الاستسهال والتعصب الجهوي المحلي لا مستقبل لها إلا في الاندثار إن لم يكن باللغة الأم ففي اللغات الأخرى، ولن يفيد الترويج لها في البرامج التلفزيونية في الآفاق العربية وهي لن تحقق أي تواصل أو تقارب بين اللهجات أو بينها وبين الفصحى، بل هي جدران عازلة بين أقطار الوطن العربي، ولن تكون قادرة على منافسة المسلسلات التلفزيونية التاريخية أو المسلسلات المترجمة إلى اللغة بالفصحى، ألم يلحظ الجميع المتعة والأناقة واللذة والنكهة التي تنطق بها المسلسلات السورية بالفصحى، وإن القرآن الكريم والكتاب المقدس اللذين تحدثا عن كل شيء بمستوى بياني رفيع وبلغة يقرؤها الجميع بالفصحى ودون ابتعاد عن الواقع.‏

إن النفور من الفصحى والميل إلى العامية لا يكون علاجه إلا بتطوير النموذج التعليمي باستخدام لغة رقيقة تلقائية وكذلك في البرامج التلفزيونية خاصة تلك التي تقدم للأطفال لتحقيق الجاذبية، ومحاولة جعل الفصحى هي لغة التواصل اليومي وخاصة في المدارس والجامعات، لأن الفصحى التي يتعلمها الأطفال، إذا لم تخضع للتداول اليومي، يتوقف عن تفعيلها واستخدامها، وعلى اللغة أن تكون مسعفة ومناسبة للحياة والواقع، ولما يتداوله الناس في حياتهم وتبادلاتهم لتكون ذات جدوى ونفع وقيمة.‏

ونحن أمام معاناة العربية الفصحى نجد أنفسنا في مواجهة صنفين من العرب الناطقين بلغة الضاد:‏

1 ـ صنف متشبث بالعقيدة والدين، وبالعروبة والانتماء العربي الأصيل، وهذا متمسك باللغة الفصحى لأنه يعتبرها هويته وسلاحه في مواجهة وحشية العولمة ولغتها الإنكليزية.‏

2 ـ صنف ينحاز إلى المدنية الغربية ومنجزاتها وقيمها ولغتها، وبالتالي يكره اللغة العربية وعادات بلده وتقاليده، وهو لا يخرج عن إطار لغته المحكية ويصر على استخدام العامية، مطعمة بالأجنبية في حديثه اليومي، حتى لا تكاد عبارة تخلو من مفردة أجنبية، و يطلب معظمهم ممارسة التعليم بها من المرحلة الأولى إلى التعليم الجامعي، واعترافاً بغلبته الحضارية.‏

هكذا وجد الانشقاق اللغوي عندنا، وهذه صورته، فكيف نصلح ما أفسده الدهر؟؟ هل يكون إلا باللجوء إلى النص القرآني والتراثي الأصيل وهما المعلم الأساسي لتعليم اللغة العربية، وهما ينشطان، وخاصة القرآن الكريم، قدرة الناشئة على الاستذكار والحفظ ويسعفهم كقول جمالي وتجليات إبداعية في العربية إضافة إلى اللجوء إلى الإنشاد والغناء الجماعي والمسرحي وفتح المجال أمام الطفل ليكوّن عبر هذا ذخيرة فكرية وجمالية؟ ولغوية؟ كيف نجعل شاعراً عظيماً كمحمود درويش في متناول الناشئة إلا عبر تحويل قصائده إلى أغان جماهيرية ينشدها الأبناء وتصدح بها حناجرهم ويلامس حاجاتهم الأولية وغرائزهم الوطنية ومشاعرهم لأن الشعر يرتكز على مخبوء جمالي وفكري يهيء الطفل للإبداع.‏

أخيراً، إن قلقنا على لغتنا مشروع، وتحفظنا على العامية والأجنبية مشروع أيضاً، لكن صمود العربية هذا الزمن المديد وتحديها موجات الغزو والاحتلال كلها خير شاهد على قدرتها على التحدي والاستمرار.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244