جريدة الاسبوع الادبي العدد 1097 تاريخ 29/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ما الممنوع على العرب في قمّة دمشق؟! ـــ أ.د.حسين جمعة

لم يعد يخفى على كل عربي صغيراً أم كبيراً، أمياً أم عالماً أن هناك ضغوطاً من نوع ما مورست على قمة دمشق لكيلا تنعقد في موعدها الذي حدد لها (29-30/3/2008م) ما لم تتعهد سورية، وعدد من القادة العرب بقبول تعهدات ظاهرها فيه كل الخير، وباطنها يعبر عن أجندة أمريكية أُريد فرضها على العرب في قمة دمشق.‏

وحين يجيل المرء النظر في الواقع العربي يلحظ أن المصائب التي تُحيق بالأمة ـ اليوم ـ والنوازل التي حطت فيها أشد خطراً على الوجود العربي ـ وطنياً وقومياً ـ من أي وقت انعقدت فيه قمة عربية. فالعرب ـ اليوم ـ لا يتنفسون إلا رائحة الموت والجراح، وعفن التمزيق والبعثرة؛ وقذارة فتنة الفوضى الخلاقة، بل المتوحشة المجرمة... ولا يرون في فضاء أرضهم إلا هواءً متخماً بآلة الفتك والدمار الأمريكية والصهيونية، فالبوارج المدمّرة من (كول) إلى (غواصات الدلفين)، والصواريخ العبثية الحاملة للرؤوس النووية والنيترونية والهيدروجينية و... تتربّص بالوطن العربي لتغتال فيه أي وجه من وجوه الحياة... لقد أضحى الذبح الصهيوني والأمريكي للعرب عادة، وغدا الجسد العربي عديم الإحساس، وسيد الأحداث في هذا الواقع البائس...‏

يكفي المرء ـ أيّ امرئ في الكون ـ أن يمد نظره إلى فلسطين المحتلة وبخاصة (غزة والضفة الغربية) ليجد أنها تغرق بالمحرقة الصهيونية النازية الجديدة التي يقوم بها (إيهود أولمرت) ووزير دفاعه (إيهوا باراك)... فالكيان الصهيوني فرض توحشه على العالم، ولا حياة لمن تنادي... فهل يمنع على العرب أن يجتمعوا لإدانة هذه المحرقة البشعة، وأن يتبنوا منهجاً أخوياً لتقديم المساعدات الإنسانية للأشقاء الفلسطينيين بعد حصار جائر فتك بالحياة والمؤسسات... وأن يفتشوا بشكل هادئ ورزين عن أسلوب عمل ينقذ غزة من غرقها بالدماء بعد أن فقدت ما يزيد على (350) شهيداً ثلثهم من الأطفال، فضلاً عن جراح الآلاف، وتدمير البيوت، وقلع الأشجار؟‍‍!!... ولكن القمّة انعقدت فهل يدين المجتمعون جرائم الصهاينة في فلسطين؛ ويدينون وقوف الإدارة الأمريكية إلى جانب المجازر الهمجية، وهي التي منعت مجلس الأمن من إصدار أي إدانة للكيان الصهيوني؟!! وما الذي ستوجهه إلى الأمين العام (بان كي مون) من تقريع بعد أن تمادى في عماه فساوى بين الضحية الفلسطينية والجزار الصهيوني، علماً أنه لامَ الضحية لأنها تعرضت للجزار المحتل؟!!‏

وكذلك ممنوع على العرب أن يجتمعوا في دمشق على مستوى القادة في أعلى الهرم العربي لكيلا يعالجوا بجدية ومسؤولية ما يعاني منه العراق من فتنة دموية طائفية وعرقية سببها الاحتلال الأمريكي له... فالعراق غريق بالقتل والتدمير، والتهجير، والسرقة والابتزاز، والتفرقة المذهبية والطائفية، و... إذاً ممنوع على القادة العرب أن يأتوا إلى دمشق لكيلا يذكروا أن الموت في العراق غدا عادة طبيعية تمارس على قارعة الطريق؛ والعراقي الذي يفكر بالخروج من بيته ـ إن سلم فيه ـ يرى نفسه مشروع قتيل!!! ممنوع عليهم أن يفكروا بغير الإحباط والخنوع والعمالة والهزيمة... بل أخذ قسم من العرب يرى أن العمالة أو الخيانة وجهة نظر...‏

لذلك نتساءل: هل تكون قمة دمشق على مقدار المسؤولية بمن حضر إليها، وتمضي إلى وضع أجندة واضحة لثقافة الصمود والمقاومة تُعيد إلى الشعب العربي في العراق وفلسطين أمله في الحرية والوحدة، والبناء والنهوض... والشعور بالكرامة الإنسانية؟!!‏

ولعل ما يتعرض له الشعب السوداني لا يقل في خطورته ومصيبته عمّا يقع في فلسطين والعراق، فالغرب ـ وبخاصة الإدارة الأمريكية المحافظة بقيادة بوش ـ يحزنها أن ترى مساحة السودان تعادل مساحة عشرين دولة أوروبية، ويغيظها أن تجد أربعين مليوناً يتوزعون على خمس وعشرين ولاية في حكم فيدرالي يتعاونون فيما بينهم، ويرون أنفسهم أبناء بلد واحد... لهذا عزمت أمرها على تفتيت السودان، وأثارت فتنة قاتلة في دارفور لتمزيقه... لقد آن الأوان لاستغلال موارد السودان من قبل الغرب... لذلك لابدّ من إثارة الفتنة القاتلة فيه...‏

لهذا لا يجوز للقادة العرب أن يجتمعوا على أعلى مستوى لمعالجة ما يتعرض له السودان من قتل عرقي؛ وتمزيق طائفي ليسهل قضمه؛ وسرقة خيراته...!!‏

إذاً مسموح للعرب أن يغطوا في نوم ثقيل لكيلا يروا الصومال الشقيق يُذبح بآلة الفتك الأمريكية ـ الصهيونية التي زوّد بها الجيش الأثيوبي المحتل... على العرب أن يبقوا بعيدين عن توحيد مواقفهم، ولا ضير في أن يحتل الجيش الأثيوبي الصومال ويعيث فيه قتلاً وفساداً، ولا شأن للعرب به، لا من قريب ولا من بعيد، فهو شأن أمريكي صهيوني. وكذلك الأمر في لبنان فقد غدا مرتبطاً بالسياسة الأمريكية الصهيونية؛ ولا قيمة للمبادرة العربية التي تبناها وزراء الخارجية العرب لحل الأزمة اللبنانية بين المعارضة ممثلة في (8) آذار وميشيل عون، وبين المولاة الممثلة في (14) شباط... فهذه المبادرة التي باركها العرب جميعاً وسعوا إلى تنفيذها لم يسمع بها مساعد وزير الخارجية الأمريكي (ساترفيلد)، ما يعني أن أمريكا تريد حل الأزمة على طريقتها، ولا تبالي بما يفعله العرب... بل إنه ممنوع عليهم أن يصلوا إلى حل في لبنان وفي غيره، إلا إذا كانت المسافة بين أي واحد فيهم والكيان الصهيوني أقرب من المسافة بين دمشق وبيروت، أو بين دمشق والرياض، أو...‏

وحين اجتمع العرب في دمشق كانت مسؤوليتهم تقتضي أن يناقشوا نوازل المنطقة، وشؤونها بكل مسؤولية وشفافية وصدق وموضوعية، وأن يضعوا التصور العلمي الموضوعي لحل أي أزمة تواجههم...‏

عليهم ألا يستمروا في فرقتهم، لأنها فرقة لا تخدم إلا أعداء الأمة؛ ولا تزيد الأمر إلا سوءاً... فدمشق فتحت ذراعيها لكل قائد عربي بمثل ما فتحت عقلها على أي حوار موضوعي لرأب الصدع بين الأشقاء العرب، ورأت أن أي خلاف مهما كان كبيراً يمكن حلُّه ما دامت الرغبة صادقة، والإرادة مؤكدة في إبعاد أولئك الذين يصبون الزيت على النار...‏

ودمشق تعلم ـ قبل غيرها ـ أن الإدارة الأمريكية المحافظة ـ والكيان الصهيوني المتوحش يبثّان سمومهما في جدار العمل العربي المشترك لينقضوه حجراً حجراً للقضاء على أي مصلحة عربية مشتركة... لهذا كله تدرك أن تمثيل بعض الوفود بمستويات قيادية أقل من القادة والرؤساء والملوك العرب ليس إنقاصاً من شأن القمة؛ وإنما هو عائد إلى اعتبارات خاصة بكل قطر عربي... بيد أننا نتساءل: أي غرض يكمن وراء تخفيض مستوى التمثيل، وحال الأمة العربية على ما وصفناه؟!! أي هدف خفي يكمن وراء ذلك إلا أن يكون ممنوعاً على العرب أن يتفقوا، وأن يرموا خلافاتهم وراء ظهورهم..؟!!‏

لذلك كله نتطلع إلى المجتمعين في قمة دمشق كي يجعلوا الاتفاق فوق الاختلاف؛ وأي خلاف ـ مهما عظم ـ يمكن أن يحلَّ.. وعليه فإننا نرجو لقمّة دمشق أن تذيب جليد الاختلاف والتنابذ بين العرب وأن تضع مكانه جدار التنسيق والتكامل فيما بينهم، لئلا يبقى شيء ممنوع على العرب...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244