|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
«الجمر» قصيدة بين شاعرين ــ خليل موسى تتحدّد تأويلات النص الأدبي بين مرسل ومتلقٍّ يتقاسمان خطوطه وشفراته، ويتّفقان أو لا يتفقان على مسرى معانيه، وبخاصة إذا كان النص إشكالياً أو متعدّد الطبقات النصية، فالمرسل يحدّد غالباً هويته وثقافته ورؤاه وموقفه من خلال الكلام وما وراء الكلام، ولاسيّما ما كان منه صامتاً أو عصيّاً على الإعلان والتصريح، ويحاور المتلقي المرسل إذا كان حاضراً أو النص في غياب المرسل في هوية النص وثقافته وفي رؤاه ومواقفه، وتتوزَّع قصيدة «الجمر»(1) بين مرسل، وهو متلقٍّ أول (الشاعر إبراهيم عباس ياسين) يُعيد إنتاج النص السيابي في القصيدة، ومتلقٍّ ثانٍ ومتعدّد بدءاً من السياب المخاطب في غير مكان من القصيدة (يا بدرُ)، وهو غير مقصود لذاته لغيابه قبل إنجاز القصيدة بما يزيد على ثلث قرن، ومتلقٍّ متعدّد مقصود، وهو جمهور الشعر العربي المعاصر في مطلع الألفية الثالثة. تنتمي قصيدة «الجمر» إلى عالم مختلف عن عالم السياب على الأقل في موقفه من بغداد، فالمناخ الذي يخيّم على بغداد في شعر السياب يشير إلى أنَّها مدينة ظالمة لا يعرفُ قلبُها الرحمة، وأنَّ لها ربّاً واحداً هو المال، وقد طرد أهلُها إله الروح من حاضرتهم، وتخلَّوا عن أيِّ قيمة، وعبدوا المال واستخدموا النفاق وسيلة إلى ذلك(2)، وأحالت المدينة الإنسان إلى حفّار للقبور بالأجرة أو مخبر مأجور أو مومس عمياء تبحث من خلال الرذيلة عن طعام لها، وتحوّلت المدينة إلى وحش أعمى يفترس كلّ من يقترب منه، ولم تكتفِ بالاعتداء على الأحياء، وإنَّما تجاوزت ذلك إلى الاعتداء على الأموات(3)، حتى إنَّ دم تموز الذي يتفجَّرُ شقائقَ نعمان وقمحاً قد أحالته المدينة إلى ملح وموت عدمي(4)، ولذلك استبدل السياب ببغداد التي تحوّلت إلى سدوم جديدة اسم المبغى(5)، في حين أنَّ بغداد في قصيدة «الجمر» من نوع مختلف، فهي الضحية، وهي معرَّضة للذبح، والجزَّارون يهيّئون خناجرهم، وهم قادمون من بلدان مختلفة، ومن هنا تحوّلت بغداد من جلاّد قاتل سفاح في شعر السياب إلى قتيل بريء في «الجمر»، ولذلك يدعو الشاعر إبراهيم عباس ياسين شاعره السياب إلى أن يتهيّأ لقيامة أخرى ستعلنُها الدماء، وهي قيامة المظلومين على ظالمهم، ومن هؤلاء حفّارُ القبور والمومسُ العمياء وأطفالُ الملاجئ والأيتام والفقراء والشهداء في ختام «الجمر» (ص 56)، وكأنَّ الشاعر ياسين يحاور الشاعر الأوّل، ويُحاجُجه في الظلم الذي وقع على بغداد في قصائده. في قصيدة «الجمر» مكوّنات نصّية واضحة، فهي عمارةٌ جديدة بحجارة قديمة نحتَها إبراهيم عباس ياسين، وكأننا إزاءَ معارضةٍ أو نقيضةٍ، ولكنها لا تخلو من إعجاب شديد بشاعرية السياب، وقد أهداهُ ياسين قصيدته (إلى بدر شاكر السياب) لإيمانه بأنه كان وما يزال الرمزَ الشعريَّ الأعظم بين شعراء العراق، ولذلك كانت الإشاراتُ النصيةُ إلى قصائده وإليه كثيرةً، وهي تتوزَّع على جغرافية القصيدة، وتهيمن على سواها هيمنة واضحة منذ المطلع إلى الخاتمة، ويحدّد إبراهيم عباس ياسين المكان منذ البداية، كما يحدّد مسيرته إلى الشاعر من خلال معالم الطريق، وكأنَّه يُعيد على مسامعنا الطريقَ التي كان ينتهجُها شاعرُ المديح في الأزمنة الغابرة إلى ممدوحه، فاتخذ ياسين دورَ هذا الشاعر في القصيدة العمودية، وتنازل للسياب الغائب الحاضر عن دور الممدوح، سواء أكان ملكاً لعطاء المال أو ا لشعر أم كان أحد أرباب الأولمب يوزّع هباته الشعرية على أهل الموهبة: قََمَرٌ على بَغْدَادَ يَسْفَحُ ماءَهُ الْفِضِّيَّ ساريةٌ تُضَوِّئُ ـ في الطريقِ إليكَ ـ صحراءَ الغِيابِ، قَرَنْفُلَهْ بِدَمي تُهَيِّئُ ما تَيَسَّرَ من مواويل النخيلِ ومن تراتيلِ البلاد المقبِلَهْ (ص 47) فبغدادُ المكانُ منارةٌ بهذا القمر السيابيّ، وهو يطلّ على بغداد الحضارة والمجد، وكأنَّه غير القمر الذي كان يطلّ على هذه المدينة ليفضح ما فيها من فجور، أو كأنَّ قمر السياب كان نذيراً لما حدث في بغداد الراهن، أو كأنَّ السياب كان يتمنَّى على بغداد أن تغتسل من خطاياها، وأن تنتظر المخلّص ليفديها بدمه الطاهر، فتتحوّل من مومس إلى ماجدة، ويزداد حينذاك القمر السيابيُّ نصاعةً وطهراً، ليدخل النص الجديد في محاورات نصية متتالية مع نصوص السياب المعروفة: زمنٌ طويلٌ من رمادِ العمر مرَّ، ولم أزلْ جسداً يُسَافرُ في مَهَبِّ الليلِ مشتعلاً، وجرحاً لائباً من عهدِ بابلْ يا بدرُ.. هاأنذا أكُبِّرُ في منافي الصَّمْتِ تشربُ صرختي الحمراءَ عاصفةٌ ويُرجِعُها الصَّدى الباكي إليَّ كأنَّها رَجْعُ النشيجْ فأراكَ ـ رغم الموتِ ـ في حَلَكِ المآتمِ كالغريبِ على الخليجْ (ص 48) يذكّرنا هذا المقطع بقصيدة «غريب على الخليج»، ومحنة السياب في بلاد الغربة يعاني ما عاناه، ويحنّ إلى المكان ـ العراق، وكأنه ـ وهو مطارد ـ يرى عراقاً أجمل، العراق الأم، وليس ذلك وحسب، وإنما يرى العراق كلّ العراق، وقد اغتسل مما علق به من شوائبَ اجتماعية وسياسية وثقافية: صَوْتٌ تَفَجَّرَ في قرارةِ نفسيَ الثكلى:عراق، كالمدِّ يَصْعَدُ، كالسَّحابةِ، كالدموعِ إلى العيونْ الريحُ تَصْرُخُ بي: عراقْ والموجُ يُعْوِلُ بي: عِرَاقُ، عراقُ، لَيْسَ سِوى عراقْ! البحرُ أوسعُ ما يكونُ وأنتَ أبعدُ ما تكونْ والبحرُ دُونَكَ يا عراقْ. (6) ثمَّ تشتبكُ التعالقاتُ النصية اشتباكاً عضويّاً، وتنثال نصوصُ السياب والإشاراتُ إليها انثيالاً بحيث لا تترك مجالاً لأن يلتقط القارئُ أنفاسه، فالشاعرُ الحفيدُ في عصر السرعة، وهو يتنقّل ضمن هذه الإشارات سريعاً، ولا يحطّ في المكان طويلاً، وكأنَّه يقلِّب صفحات ديوان السياب تقليباً ليعودَ إلى صوته، وتزداد حركةُ القصيدة حِدّةً، ويتغلّب الإيقاع نتيجة لما يراهُ الشاعرُ الحفيد، فهو في سباق مع الهموم وعلى عجلة من أمره لإخبار السياب بما سيحدثُ في القريب العاجل، وبخاصة أن البحر تفلحه البوارج الأمريكية، والمصيبة قادمة لا محالة: عَيْنَاكَ قُبَّرتانِ حائرتَانِ لا غيمٌ لِوَجْهِكَ لا فَضَاءُ.. ويداكَ أغنيتانِ تبتهلانِ أنْ يَنْشَقَّ فجرٌ عن لآلئِهِ وَيَنْبَجسَ الضياءُ لكنَّ روحَ القدسِ لم يَمْسُسْ مَوَاجِعَكَ الطريَّةَ، لم يُهَدْهِدْكَ الصَّبَاحُ ولا المساءُ هي غُرْبةٌ ـ يا بدرُ ـ تنكفئُ النجومُ على شواطئِها وتنفطرُ السَّماءُ لا الليلُ يُدْرِكُهُ النَّهارُ، ولا النهارُ يؤوبُ من تَرْحَالِهِ الأبديِّ، لا أقمارَ نُوقِدُها، ولا شمساً فَنَعْبُدُها، غُثَاءُ.. وَلَوَ اْنَّنا كالسَّيْلِ، كالإِعْصَارِ، لكنَّا غُثَاءُ والبحرُ تَفْلَحُهُ البوارجُ، والسَّمَاءُ يسيلُ معدنُها الثقيلُ، أقولُ: تلكَ مشيئةُ الظلْماءِ، تجري الرِّيحُ فيما عُصْبَةُ الشَّيْطانِ شاؤوا (ص 48 ـ 50) في هذا المقطع إشاراتٌ نصية واضحة ومباشرة، وأخرى دفينة مضمرة تحتاج إلى مَنْ ينقّب عنها، فمن الأولى «عيناكِ غابتا نخيل» و«كالبحرِ سرّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء»، وإشارات أخرى إلى قصيدة «غريب على الخليج» و«رحل النهار»، وإشارة أخرى إلى قصيدة «الأسلحة والأطفال»: «وينهلُّ كالغيث، ملءَ الفضاء ـ رصاصٌ ونارٌ ووجهُ السماء ـ عبوسٌ لِمَا اصْطَكَّ فيه الحديد». فضلاً عن بيت المتنبي: ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يدركُهُ تجري الرّياحُ بما لا تشتهي السّفنُ وتستمرّ اللعبةُ الشعريةُ الإشارية إلى عنوانات قصائد السياب «شناشيل ابنة الجلبي» و«منازل الأقنان» (ص 52) و«قافلة الضياع» (ص 53) و«حفّار القبور» و«المومس العمياء» (ص 56)، ثم هناك إشارات إلى شخصيات خصَّها السياب بقصائد مستقلّة، كالمخبر (ص 53)، وإشارة إلى الطفل السياب حول قبر أمه (ص 54)، وثمة إشارات أخرى إلى سفر التكوين (47)، وآياتٍ من القرآن الكريم من سورتي الإسراء ومريم (ص 50، وص 55)، ولكنَّ اللافت للنظر أن إبراهيم عباس ياسين استطاع أن يعبّر بالذاتي عن العام، فقصائد السياب في خطابه للنبي أيوب ذات مرجع مرضي وذاتي، وبخاصة في قصيدتيه «قالوا لأيوب» و«سفر أيوب»، ولكن إبراهيم عباس ياسين رأى في خلاص أيوب خلاصَ الأمة، فقال: لا فجرَ.. لا لُقْيا حيثُ الضحى مصلوبْ يحيا.. ولا يحيا فوقَ الدجى أيوبْ يصيحُ من منفاهْ في وحشةِ الدربِ: اللهُ.. يا اللهْ! «ماذا جنى شعبي؟»(ص ص 51 ـ 52) وتنتهي قصيدة «الجمر» ـ رغم اختلاف الزمنين والتجربتين ـ إلى اتفاق في الرؤية وإيمان جازم بأنَّ النصر حليف الشعوب والثورات، ويلتقي الشاعران حول نهاية هذه القصيدة: لا لم أكُنْ يوماً سوى شَبَحٍ منَ الأشباحِ في مدنِ الجراحِ، فكيف لي أن أستوي بشراً سَوِيَّا؟ واليومُ تختلطُ الممالكُ بالممالكِ، والمسالكُ بالمسالكِ، فالْتَصِقْ برياحِ روحِكَ.. وانتبذْ رُكْناً قصيَّا أو.. لا فَقُمْ يا بدرُ.. أنذرْ باللظى الصحراءَ.. كبِّرْ بالذينَ قلوبُهُمْ غَضَبٌ وأعْيُنُهُمْ رجاءُ سَيَجِيئُكَ الفقراءُ والشُّهَدَاءُ.. (حفُّارُ القبورِ) (المومسُ العمياءُ).. أطفالُ الملاجئ والنساءُ.. ويجيئُكَ الأيتامُ... إن الساعة اقتربت وإن قيامةً أخرى سَتُعْلِنُهَا الدماءُ. (ص ص 55 ـ 56). وبعد، فإنّ استدعاء أيّ نصّ في نصّ جديدٍ مهما يكن جنسه الأدبي يعني أولاً أنّ هذا النص مازال حيّاً وقابلاً لإعادة التشكيل من جهة، وهو فاعل بحضوره من جهة أخرى، فالنصوص التي تخترق أزمنتها إلى أزمنة أخرى قليلة عند الشعوب، ومنها «الإلياذة» و«الأوديسة» و«أوديب ملكاً»، و«الكوميديا الإلهية» و«هاملت» في الغرب، و«الكتب المقدسة» و«ألف ليلة وليلة» و«شعر المتنبي» عند العرب، وهو ذا إبراهيم عباس ياسين ينظر إلى الواقع العراقي الراهن من خلال شعر السياب، وكأنَّه مرآة صالحة لهذا الاستدعاء، وهذه القراءة بعد أن مضى على إنتاجه حوالي نصف قرن، صحيح أن ياسين يردّ على السياب أو يعارضه في موقفه من بغداد، فكلا الشاعرين ينظر إليها من زاوية مختلفة وفي ظرف مختلف، ولكنَّ الصحيح أيضاً أن ياسين متأثر بقصائد السياب ومعجب بتلك الشاعرية الفذّة، والمعارضة في الموقف ليس غير ذلك، وإلاَّ فلماذا لم يذهب الشاعر ياسين إلى غير السياب ليستضيفه في قصيدته «الجمر»، والشعراء العرب كثر في العراق ومصر وسورية ولبنان؟ ومن هنا كانت الإشارات النصية في القصيدة الجديدة إشارات إلى مادة أوليّة فاعلة بحضورها الشعري، وكانت قصيدة «الجمر» إعادة إنتاج لهذه الإشارات وقراءة جديدة لها. هوامش: 1 ـ القصيدة في مجموعة: كأنَّكِ أنثى النهار الأخير، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004، ص ص 47 ـ 56، والإشارة في المتن إلى صفحات القصيدة. 2 ـ انظر قصيدة «جيكور والمدينة» ـ ديوان بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت، 1971، ص ص 414 ـ 419. 3 ـ انظر قصيدة «أم البروم»، ديوان السياب، ص ص 130 ـ 134. 4 ـ انظر قصيدة «تموز جيكور» ـ ديوانه، ص ص 410 ـ 413، وقصيدة «جيكور والمدينة» ص ص 414 ـ 419. 5 ـ انظر قصيدة «المبغى»، ديوان السياب، ص ص 449 ـ 452. 6 ـ ديوان السياب، ص ص 317 ـ 318. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |