جريدة الاسبوع الادبي العدد 1097 تاريخ 29/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جدلية الصمت والصراخ ـــ وليد معماري

قرأت قبل أيام حكاية مدهشة، سأخبركم بعد قليل أين قرأتها.. تقول الحكاية: عثرت امرأة حكيمة متجولة في الجبال على حجر كريم في ساقية، فوضعته في حقيبتها، وتابعت سيرها...‏

التقت في اليوم التالي، بمسافر جائع.. فتحت حقيبتها لتشاركه طعامها.. ورأى المسافر الجائع الحجر الكريم، فطلبه منها.. وأعطته ما طلب دون تردد... وغادر الرجل سعيداً بكنزه الثمين، يكاد يطير من الفرح، لأنه عرف أن قيمة هذه الثروة تكفيه للعيش بأمان طوال حياته.. لكنه عاد بعد أيام، ليعيد الحجر الكريم إلى المرأة الحكيمة..‏

"كنتُ أفكر".. قال الرجل، "أعرف كم هي قيمة الحجر، لكني أعيده إليك، آملاً أنك تستطيعين إعطائي شيئاً أثمن!... امنحيني ذك الشيء الذي جعلك قادرة على إعطائي الحجر!"..‏

الحكاية من كتاب (في فضاء الصمت) للماليزي (فيجاي إيسواران)، وقد أجرى قراءة عليه الأديب (علي ناصر) في العدد الأخير من مجلة (الآداب العالمية) التي صدرت قبل أيام ضمن دوريات اتحاد الكتاب العرب.. ويمكن الرجوع إلى العدد لمن يرغب.. وفي العرض الممتع للكتاب، يعتبر الكاتب الماليزي أن: الغضب أكبر عدو للمرء.. ويقول: "إذا كان الصراع الأكبر هو الصراع مع الذات، فالعدو الأكبر، في هذا الصراع هو الغضب.. الغضب قطرة حبر في كأس من الحليب... حالما يجتاحك الغضب، ليس هناك من عودة إلى الوراء.. بعد سقوط قطرة الحبر في الحليب، تفقد الحليب إلى الأبد.. إذا سمحت للغضب بالسيطرة عليك، حتى يتمكن منك، سيتضاعف حجمه، وتزداد حدته إلى غضب أشد وأقوى، وهكذا.. تكبر دائرته باستمرار من دون نهاية (....) لا يمكن للغضب أن يكون وسيلة فعّالة في حلّ النزاعات، فهو في النهاية يقلصنا جميعاً"..‏

وكلام الماليزي (إيسواران) صحيح على المستوى الفردي، لكنه غير متزن على المستوى الجمعي، والوطني، وألخص ردّي، دفعاً للإطالة، بكلمات للرحبانيين، وبصوت فيروز: "الغضب الساطع آتٍ.. وأنا كلي إيمان.. الغضب الساطع آتٍ.. سأمر على الأحزان..من كلِّ طريقٍ آتٍ.. وكوجه الله الغامر.. آتٍ.. آت.."..‏

وينتهي الكتاب إلى زبدة الكلام الذي سعى إليه الكاتب، حيث: "في فضاء الصمت سوف تجد الأجوبة التي ستقودك إلى أسئلة أفضل.. أن تكون في الفضاء الأسمى لفضاء الصمت، يعني أنك في انسجام كامل مع الكون"... ثم يدعونا المؤلف إلى ممارسة ساعة من الصمت قبل شروق الشمس، أو بعد غروبها، حيث يعتقد أن ساعة تجلي الروح، أو ولادة الكون، متاحة ضمن هذين المجالين!...‏

والكتاب، كما يبدو من عرضه السريع، ممتع في قرائته الأولى.. لكن الأفيون ممتع أيضاً في بداياته الأولى.. ثم يصبح آفة مدمرة... وطالما لجأت إلى الصمت لمعالجة أمراضي الجسدية منذ يفاعتي.. وذاك على مستوى معالجة الجسد.. لكني كنت أحتاج على مستوى تلاحمي مع محيط، لست أكثر من ذرة فيه، إلى جهودي المتواضعة في المقدرة على الصراخ.. وكان يمكن أن أخرج إلى بريّة وأصرخ ملء حنجرتي... ثم اخترت فضاء أوسع، وأجدى، أن أصرخ بالحبر على مدى صفحات بيضاء.. وذاك أضعف الإيمان..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244