|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
عقدة فرح ـــ وجدان يوسف حرر كلَّ تعابير الذهول مرة واحدة، حيث لم يسبق لمكالمة هاتفية أن غيّرت حياته من قبل، ولم يحدث أن ضم كفيه على ذلك النحو ليشكر الله عن قرب... عن دفء له وقع التوبة. سماء ذاك الصبح كانت شاحبة، ومع هذا استطاع أن يغلغل صمته المضني في صمتها الفاحش. لقد شارف قلبه على التهاوي لشدة ما رفرف، فالخبر بدا أثقل من أن تحمله خفقات عادية. ابتعد أخيراً عن النافذة، لم يشأ أن يفرغ نشوته في وقوف بليد خلف شبّاك. اعتقد أن عليه أن يرقص وأن يقبل النهار في مركز توهجه، ولأن أياً من ذلك لم يحدث فقد فتش عن طقوس احتفالية بديلة، وفي الحقيقة كان يفتش عن أحد يبتكرها له، إذ إن خبرته في هذا المستوى من السعادة جد بدائية. حينما ضخمت الريح تدفقها في الخارج، كان يجوس بلهيب آماله في الغرف الخاوية، متجاهلاً وحدته، باحثاً عن الأحد إياه القادر على مشاركته دقات الانبهار كلها. لو يبكي.. لقد أدرك فجأة جمالية الدمع لحظة يتخطّى وظيفة الطابع فوق إحساسٍ مجرّد.... لم يبكِ.. لقد تذكر أمه، بزنابق عينيها، ولهفتها اللذيذة لمقاسمته مشاعره، فتمكن فوح ذكراها من تدفئة روحه. لم يقبل أن يشهد وحده انبلاج أحلامه، أصر على إعلام الناس حوله بما حدث، وكيف تحوّل من مهندس معلوماتي صغير أقصى أمانيه أن يترقّى يوماً في وظيفته إلى مصمم برامج في شركة عالمية، وكيف حدّثه وكلاؤها هنا ليعلنوا موافقتهم وليقبلوا سير عمله بل وعمره. خرج من بيته وعلى شفتيه راحةٌ ساخنة، صادف على الدرج جارته العجوز، وبالكاد جاملها بسؤالٍ عن الحال والصحة ليسرع بعد ذلك بالإفصاح عن نجاح حياته، ما إن سمح لها السعال بالتهنئة حتى بعثرت ابتهالاتها، انتظر أن تطلب كعادتها من الله أن يحميه، أو أن تزيد بتمنّي الأكثر، أو أن تقلل مكتفية ب (الله يوفقك) ولكنها كانت تدعو لولديها بأن يجدا عملاً ليس إلا، استأذنت لتسحب نفسها من دائرة فرحه، تاركة إياه ينفرد بكلماتها المسكوبة، هذه المرة لم يدقق في رعشاتها، لم يحدق في عينيها المهمومتين، لم يشفق عليها، آذاه عدم اكتراثها، أحس فيه شيئاً من الحسد، أو على الأقل إهانةً لعلاقتهما الطيبة، أشعرته (غير متعمّدة) بأنّ عليه ألا يعول دائماً على من يحب. تابع النزول، طرق باب صاحب له، وما هي إلا لحظات حتى أطل مستقبلاً بما لديه من إشراقات محبّة. ادعى أنه مر للتحية فقط في يوم عطلة، اختلق أحاديث كثيرة، ثرثر على غير عادته، ومع ذلك فشل بالإخبار عما يريد، وبعد أن قدم جاره قهوته سرد بدوره أخباره المكرورة، ولكن هذه المرة باندفاع أقل فقد بدا مشغولاً بطفله الذي يحتضن، فمرة يتحسس بوجنته حرارة الجبين الصغير، ومرةً يداعبه بعد قبلة طويلة. كل ما قيل كان لمجرد أن يقال، كلام لا يتطلب ردات فعل، أمور مسطحة عابرة، وعدم استعداد من كلا الطرفين لتقبل أي حديث دسم تحاشياً للمغص. فقد الرغبة بإخراج فرحته، شعر أنها ستمر على أذني صاحبه كما الأخبار التافهة كلها، خاصة وأن الكلمات جميعها عبرت كالفقاعات بلا رائحة، فالحقيقة الوحيدة التي اشتمها آنذاك كانت المحبة الحارة التي فاحت من احتضان محدثه لصغيره المريض، والتي طغت بقوة على جزئيات الزيارة. كان يريد الشخص الذي يدهش ويبارك ويظهر الكثير من الاهتمام فيسأل عن التفاصيل وعن مستقبل العمل العظيم الجديد، ولأن ذلك لم يكن مضموناً هناك فقد تملّص من الجلسة الثقيلة وغادر. ربمّا هي المصادفة التي أنست صاحبه أن يسأله عن أحوال العمل أو هي (الكبسة) الصباحية الطفيلية التي أزعجته فتناسى، ولكنه على أية حال قرّر أن يمارس سعادته بإنجازه ولو وحيداً، نزل إلى الشارع وهو يستعيد لذة الإحساس بالوصول، ترجم ذلك شهيقه الطويل، وانفراج أساريره، كانت الريح ماتزال تنثر البرد وتقتلع الغبار بعنفٍ كما لو أنّها تستعدُّ لزوبعة، ومع ذلك تمكّن من اكتشاف الرّقة فيها حتى أن نحيبها الغليظ استحال في رأسه إلى نغماتٍ تتذبذب فوق سلّم المتعة. أدخل يداه في جيبي المعطف، وفكّر أن يفعل شيئاً غير معتاد، قرّر أن يكافئ نفسه بنفسه، فقصد محلاً لبيع الورد، الشيء الوحيد الذي لم يخطر له في حياته أن يشتريه. (كيفك أبو نبيل؟) قالها لعجوزٍ يرفع باب دكّانه الحديديّ، وما إن شعر بأنَّ ذلك ال (أبو نبيل) قد فرد ملامحه الودودة وبدأ بالترحيب والسؤال عن الأحوال حتى دنا منه آملاً أن يدفع بوادر الحديث باتجاهٍ ما، ولكنّه بالكاد أجاب عن أسئلة العجوز ب (الحمد لله) حتى استغرق الأخير بالكلام عن البطاطا، وهذا بدوره أفضى إلى الشكوى من الغلاء والتصدير والحروب وبالتالي عن أمريكا. لم يعرف كيف خرج من تلك المعمعة ولكنه خرج، أحسَّ فجأة بفتور همّته، وبتراجع منسوب السرور لديه، ولولا أنّه وصل محلّ الورد لاحترقت رغبته في المتابعة. الرجل الذي شرع بتنسيق الباقة استفسر عن المناسبة، فأجابه متحايلاً: لصديقٍ شغل وظيفة جديدة. ـ حقاً... وزير؟!.. نائب؟!.. مدير؟! ـ لا لا... وظيفة عادية. ـ عادية!!.... خمسمائة ليرة فقط. غادر المحلّ تاركاً الرجل يتابع التركيز على الهموم الكبرى الخارجة من المذياع، أخذت كلمة (عادّية) تطنّ بإصرارٍ داخل جمجمته، في حين صارت الريح بشعة وعدائية، وعبثت بلافتة قماشية كتب فوقها إعلان عن حفل فنّي ساهر بمناسبة عيد الجلاء، كانت حبال اللافتة مربوطة بعمود كهرباء، وعلى العمود ملصقاتٌ كثيرة.... واحدة تبلغ عن مهرجان، وثانية تدعو لمعرضٍ شعبي، وثالثة تحدّد موعد افتتاح سوق، عبر من أمام تلك الكلمات العامّة وهو يقبض على فرحه الخاص. بدت الأوراق بسللوزيتها قادرة على أن تستوقف أحداً ما، أما هو بلحميته وعظميته فلم يستطع أن يعثر على معاضدٍ لسعادته العارمة أو التي كانت عارمة، لقد بدا الفرح الشخصي أضعف بكثير من أن يحرّك ساكناً... ولو كان السّاكن ورقة صفراء رهيفة. ساعة دخل بيته كان قد تفهّم بصعوبة أنَّ الأمر لم يستحق كل ذاك الاحتفاء (وماذا يعني وظيفة أفضل... عااااااااديّة)، وسرعان ما تذكّر أنّه كان قد استيقظ باكراً، فأرخى رأسه على الوسادة، وغطَّ في نومٍ عميق بعد أن أنهكته الحسرة على الخمسمئة ليرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |