|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
من أين جاء ـــ ابتسام شاكوش لا أحد يدري، كيف آلت إليه ملكية تلك الحديقة، ولا هو يكاد يدري، شيء كالمصادفة، كضربة الحظ، كلعبة القمار، وجد نفسه فجأة يمرح بين جنباتها غارقاً في العبير. راح يدور حولها فخوراً، يدعو أصدقاءه وأعداءه على حد سواء، لينظروا إليها من البعيد، ويرقبهم، شامخاً بأنفه رافعاً رأسه، حتى كادت فقرات رقبته تصاب بعلة مستديمة، يؤكد لنفسه، ولمن حوله، إنه وحده يستحق امتلاك النفائس، في بلد لا تنبت تربتها سوى سيئ البقل. شرب من عيون حديقته حتى أسكره الشرب، أكل من ثمارها واستظل بأشجارها، طرب لشدو طيورها وانتشى بفاغم أزهارها. تنبه بعد مدة، وجد نفسه سجين أسوارها، ثار غضبه، لا يحق لحديقة أن تأسره، دار بين أقسامها يصارع شعوراً بالضجر والفراغ، أترابه يمرون به كل صباح في جماعات، يسمع غناءهم وأهازيجهم، وهم في طريقهم لجمع البقل والكمأة من القفار، ويصطادون الطرائد لإطعام عيالهم، بينما يسكن هو إلى هذه الحديقة وحيداً، ما فيها سوى عبيده يجنون له منها كل الثمرات... أعاد النظر متأملاً فصعقه ما رأى، بعض الأغصان سرى إليها اليباس في غفلة منه، وأسنت برك الماء.. راح ينبش ذاكرته.. ما علمه أبوه رعاية الحدائق، ولا يطيق أن يظهر جهله أمام الناس في عمل ما. عاد فاسترجع شريط حياته، لقد تعلم من أبيه التحطيب، ما علمه أبوه سوى التحطيب، حمل فأسه ومنجله، شمر عن ساعديه وراح يستعرض مهارته أمام العيون الشاخصة، كان يعمل، ويعمل، العرق يتقاطر من جبينه ويهطل نقطاً مالحة على التربة، ويواصل العمل، الأماليد الغضة سحقت تحت وقع أدواته، خدود الورد تمرغت في التراب، عصير الفواكه استحال وحلاً، وما زال يحتطب، جمع كل ما قطعه من شجر وزهر ثم أضرم فيه النار وراح يرقص طرباً لطقطقة الحريق. كانت شهقات الخوف والأسى تصل إلى مسمعه من الناس المتجمهرين حول الأسوار، مختلطة بشهقات النار، كانت عيناه تلتقطان حركات أصابعهم وهي تنفتل قرب الأصداغ في إشارة إلى أنه فقد عقله، ويتابع الرقص، منتشياً بأنه انتصر على عزلته وقهر الجميع. انطفأ الحريق، تحولت الحديقة إلى بلقع ينضح بالسواد وتفرقت الحشود، صار الناس يتحاشون مروره في دروبهم، والأطفال يهربون من وجهه، ثم يلحقون به عن بعد وهم يصفقون، لا... ليس هذا ما كان يبغيه، غزاه شعور بأن كل هؤلاء أعداء متربصون، وأن عليه قهرهم بابتكار جديد. *** قذف طائرته الورقية إلى الأعلى فتلقفتها الريح، الخيط في يده مربوط إلى أصابعه بإحكام، إلى أين تمضين أيتها الطائرة الأسيرة؟ شهور من عمره أنفقها، بدقائقها وثوانيها، في دراسة خصائص الطائرات الورقية وطرق تصميمها وإطلاقها، اختار لطائرته أوراقاً مصقولة كالمرايا، استأجر أمهر الرسامين والخطاطين ليرسم صورته ويكتب اسمه على كل مثلثاتها وأضلاعها، سيفعل اليوم فعلاً تتحدث عنه هذه القرية الحمقاء لسنوات طوال، وربما سيكون بداية لتاريخها، سيشد إليه أنظار الجميع، الكبار والصغار، النساء والأطفال، سيجعل العيون تتعلق باختراعه حتى تتحطم الرقاب، سينتقم لنفسه بهدوء، وذكاء، من هذه القرية الجاحدة. ارتفعت الطائرة في الفضاء، شخص بصره باتجاهها وحلق خياله معها، الريح تدفع المركبة الورقية باتجاه الجنوب ثم تحرفها غرباً، تسحب خيطها، يمد يده إلى الأمام ويجري، صفق الأطفال فرحاً حين شاهدوها وزغردت بعض النساء، جن من الفرح، بينما نظر الرجال طويلاً إلى هذا العبث الذي لا يليق برجل ناضج، حوقلوا وبسملوا ثم عادوا لأعمالهم. الفرح سيل غامر، غزا كل خلية من خلايا جسده واستفزها، الفضاء واسع واسع والسهل أكثر اتساعاً، راح يركض بكل قوته مدفوعاً بحرارة النجاح، والطائرة تحلق فوقه، عارضة اسمه بكل أشكال الخط العربي، والأحرف الأجنبية، مرفرفة بذيولها الطويلة الملونة، تومي له، تغريه بأطيافها، تبتسم له صوره المرسومة عليها، وتظهر الشمس صغيرة منطفئة كابية من خلف شفافية الأوراق، يتعاظم فرحه فيواصل العدو السريع لاحقاً بها حتى ضاع في القفار الجرداء. السمراء التي كانت تنتظره انشغلت عنه بالدرس والتحصيل، نسيته وغرقت بين أوراقها وأقلامها والإعداد لمستقبل لا مكان له فيه، كل من في حيها تطوع لمساعدتها وتنفيذ أعمالها، لذلك، لم تلحظ في غمرة بهجتها وانشغالها مرور طائرته في أفقها، ولا انتبهت إلى الضجة العابرة التي اشتعلت لدى مروره ساعة في الزقاق ثم انطفأت، واجبات كثيرة تشدها بعيداً عنه، حيوية الحياة تشغلها عنه، تجاوز بطائرته بيتها، تجاوز حيها، مسحوباً بخيط مربوط إلى يده، لكن باباً لم يفتح هناك، ولا أطل وجه أسمر من نافذة. الحياة خارج القفر تدور، الزمن يدور، قريته تباعدت عنه حتى اختفت، والريح ما زالت تعبث به وبطائرته، تطاولت أظافره، تطاولت لحيته، خيوط الفضة تسللت إلى لبدته امتدت تعانق غروب الشمس وشروقها، وما زال بصره معلقاً بأوراق ملونة صنعها بيده وأودعها مهب الريح تبتسم له صوره المرسومة عليها فيجن فرحاً. هدأت حركة الهواء، توقف عن الركض وراح يتلفت حوله، يستكشف المكان، بلاد غير البلاد، وهاد غير الوهاد، تغير في عينيه لون التربة وشكل الصخور، راح يسأل نفسه: من أين جئت وإلى أين أمضي؟ ما الهدف؟ لا هدف سوى هذه الطائرة التي مزقت الرياح أوراقها وبقي منها إلا على هيكل خشبي تعصف بزواياه شرائح النايلون الناصل الألوان. عادت الريح فاشتدت من جديد، قطعت الخيط المثبت في يده وأطاحت بطبق الورق ليستقر على هامة نخلة من النخلات المزنرة لطريق دولي سريع، الحافلات تعدو على جانبي الطريق وهو يقف وحيداً، خارج حافلة الحياة في المسافة الممتدة طولانياً بين ذراعي الطريق، تساءل في نفسه: أيعبر هكذا؟ أم هكذا؟ الإسفلت الناعم يغريه بالركض، الحديد المسرع على جانبيه يحمل الموت في العجلات المرنة، الفاصل الذي يقف فيه وهدة قليلة العمق، تضيق ثم تضيق حتى يتصافح جانبا الطريق عبر حاجز إسمنتي يمتد بينهما لا يكاد يتسع لقدم، أعمل عقله في تفكير عميق ثم قرر اعتلاء الحاجز، ليمشي فوقه باسطاً ذراعيه على جانبيه مثل لاعبي الجمباز في محاولة للاحتفاظ بتوازنه، ينظر إلى إحدى الجهات، فتلمع الأضواء الحمراء في مؤخرة السيارات المغادرة، تذكره بامرأة سمراء تلمع أمام ناظريه كالسراب، ينظر إلى الجهة الأخرى، تومض الأضواء المبهرة للسيارات القادمة، تذكره بحديقة أعمل فيها ميراث أبيه، يتخيل أزهارها، يتخيل أزهارها، فتضج عصارات معدته مستغيثة من الجوع، في محاولة أخرى للانعتاق، رفع عقيرته بالغناء. كان الناس في القريتين الجاثمتين على جانبي الطريق قد توقفوا عن أعمالهم وراحوا يراقبون غريباً يمشي في مكان لا يصلح للمشي، متسائلين فيما بينهم: من أين جاءنا هذا المجنون؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |