جريدة الاسبوع الادبي العدد 1097 تاريخ 29/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

التربية الجنسية للأطفال والمراهقين ـــ عرض وتحليل الدكتور عيسى الشماس

لقد بدأ مجال «التربية الجنسية» يأخذ مكانته بين مجالات التربية الحديثة، إضافة إلى المجالات العلمية والطبية. وهذا يدل على الاهتمام المتنامي بهذه التربية، في إطار التربية المتكاملة التي تعنى بجوانب الشخصية (النفسية والصحية والاجتماعية والأخلاقية) حيث تتداخل التربية الجنسية مع هذه الجوانب، فتتأثر بها وتؤثّر فيها، وفقاً لنوع التربية العامة، الإيجابية أو السلبية، وبما ينعكس بالتالي على الفرد والأسرة والمجتمع.‏

ومن هنا تأتي أهمية كتاب «التربية الجنسيّة للأطفال والمراهقين» من تأليف: /غولد جيكان ليافيشينا/ عام 2003، وترجمة الدكتور نزار عيون السود، وإصدار دار الطليعة بدمشق، 2006. حيث حدد الهدف من الكتاب، هو تعريف الآباء والأمهات والمربين والمعلمين، وأصحاب الاختصاصات الأخرى ذات العلاقة، بخصائص النمو الجنسي، وبالمبادئ الأساسية لتربية الأطفال والمراهقين، تربية جنسية سليمة.‏

يقع الكتاب في /140/ صفحة من القطع المتوسط، ويتضمّن ثلاثة فصول، جاءت على النحو التالي:‏

تحدّث الفصل الأول عن «النمو الجنسي ـ الجسدي، عند الأطفال والمراهقين» وذلك في المرحلة الجنينة، حيث عملية الإلقاح ونوع الصبغيات التي تحدد جنس الجنين (ذكراً أو أنثى) ونمو الأعضاء التناسلية الداخلية والخارجية. ومن ثم تحدث عن النمو من الولادة وحتى النضج الجنسي، مستعرضاً الأشكال المختلفة من الاختلالات التي يمكن في هذا النمو، وكيفية التعامل معها، من قبل المعنيين بالتربية.‏

وقد ربط بين النمو العضوي والنمو الجنسي، حيث ركز على أن العمليات والمسارات البيولوجية الجارية في عضوية الطفل، في مرحلة الطفولة، أي مرحلة ما قبل المدرسة، ترسي الأساس لمرحلة النضج الجنسي. ومن أهم علائم نوعية نمو الطفل، الجنسي ـ الجسمي، مع الأخذ في الحسبان أن ثمة عوامل تؤثّر في النمو الجسمي للطفل، وأهمها: الاستعداد الوراثي، والتغذية، ونظام النوم، والأمراض المتكررة، وتعاقب فصول السنة، إضافة إلى أوضاع الحمل والولادة.‏

أما في مرحلة المراهقة، فإن النضج الجنسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعمر العظمي؛ فكلما كان نمو العظام أكثر بطيئاً، بعدت فترة النضج الجنسي... ولكن في حال البدء بالنمو الجنسي، تبدو العلامات الجنسية الفارقة عند الذكور والإناث، ولا سيما في الشكل الخارجي، والشعور النفسي، ونمو الأعضاء التناسلية ومرافقاتها، وفق تسلسل سنوات المراهقة. وإن اختلفت ملامحها بين مراهق وآخر، بحسب تأثيرات: (الوراثة، والتغذية، والظروف الاجتماعية والنفسية).‏

ومن أهم الاختلالات التي ترافق هذا النمو: 1 ـ الخنوثة الذكرية الكاذبة، حيث تكون الأعضاء التناسلية الداخلية مذكرة، بينما تكون الأعضاء التناسلية الخارجية من النمط الأنثوي. 2 ـ الثنائية الجنسية الخَلقية، وتعود إلى المرحلة الجنينية، حيث ينمو البظر عند الأنثى على شكل قضيب، ويبرز الشفران على شكل صفن ذكري. بينما يكون العضو التناسلي ضخماً عند الذكر، مقابل صغر حجم الخصيتين، ويكون النضج الجنسي مبكراً قبل موعده.‏

3 ـ النمو الجنسي ـ الجسدي المبكر أو المتأخر، يلاحظ النمو المبكر عند الفتيات أكثر من الفتيان وله طابع وراثي. وقد يحدث ما بين (8 ـ 9 سنوات) يرفقه نمو العضلات وتراكم الدهون، تبدو معها القامة قصيرة. أما النضج الجنسي المتأخر، فلا يظهر إلا بعد سن الخامسة عشرة، ويعود سبب إلى الاستعداد الوراثي أو الضعف الجسدي.‏

وثمة اختلالات أخرى، مثل إصابة الأجهزة التناسلية أو الجهاز العصبي المركزي، أو مشكلات صحيّة نتيجة الإصابة بمرض معدٍ (نكاف، سل، حمّى قرمزية... وغيرها). وفي أية حال، يجب أن يخضع الأطفال الذين يعانون من هذه الاختلالات، إلى مراقبة طبية مبكرة، لمراقبة الغدد الصمّاء، إضافة إلى مراقبة نفسية عند الضرورة من قبل طبيب مختص، حيث يجري التعاون بين الأطباء المشرفين على العلاج.‏

وانطلاقاً من أن الاستجابات الجنسية والسلوكات الناجمة عنها، تعد جزءاً لا يتجزأ من الشخصية الإنسانية، فقد جاء الفصل الثاني ليبحث في «النحو الجنسي ـ النفسي عند الأطفال والمراهقين» من حيث مسائل تكوين التحديد الذاتي الجنسي، والدور الجنسي والسلوك الجنسي، في إطار النمو النفسي للشخصية. وتمّ إيراد مجموعة من معطيات الأشكال المختلفة لاختلال النمو الجنسي ـ النفسي، كاختلال التحديد الجنسي والهوية الجنسية، والجنسية المتخالطة والشذوذ الجنسي. إضافة إلى بعض الاضطرابات في تأخر النمو الجنسي ـ النفس أو النمو الجنسي ـ النفسي المبكر.‏

وقد بدأ الفصل، بعرض المبادئ الأساسية لنظرية (سيجموند فرويد) في النمو الجنسي، والذي صنفه في خمس مراحل وفقاً لنمو الغريزة الجنسية وهي: المرحلة الفموية (السنة الأولى) والمرحلة الشرجية (2 ـ 3) والمرحلة القضيبية (3 ـ 6 سنوات) ومرحلة الكمون (7 ـ 12 سنة)، والمرحلة التناسلية (12 ـ 18 سنة)، وتتميز بتعزيز تطلعات الطفولة الجنسية ورغباتها.‏

ثم يتحدث عن مراحل النمو الجنسي ـ النفسي، في المرحلة الجنينية داخل الرحم، وعند الأطفال، وعند المراهقين. ويشير إلى أن الخصائص النفسية المميزة لطفل المرحلة الابتدائية الأولى، هي تعمّق تصورات الأدوار الجنسية، وتعزيز الدور الجنسي من خلال التواصل مع الأتراب، حيث يشكل الفتيان والفتيان جماعات متماثلة كل بحسب جنسه، وإن كان التواصل بين الجنسين يتم من خلال الإشارات والتهامس، لجذب الانتباه، مقابل الاحتكاكات الجنسية المثلية على شكل ألعاب جنسية.‏

أما في مرحلة المراهقة، فإن المراهق يشعر وكأنه مراقب من المحيطين به، فيكون شديد الحساسية لردود أفعالهم على تغيراته الجسمية. ولذلك فهو يمر بطورين في الحالة الانفعالية ـ الجنسية: الطور السلبي، من بداية المراهقة حتى السنة الخامسة عشرة، ويتميز بالاضطراب الانفعالي وعدم التحفظ، والعناد، مقابل حب الاستعراض في السلوك، وتقليد سلوك الأقران. والطور الإيجابي، من سن 15 إلى نهاية النضج، حيث يصبح المراهق أكثر اتزاناً وأقل تناقضاً في تصرفاته, مقابل ميله للتحليل الذاتي والتأمل، والتعلّق بالأفكار السامة، وإظهار الهوايات، والرغبة للتجمّه مع جماعة الأقران.‏

وتنشط فيه هذه الفترة، الخيالات والأحلام الجنسية، والاهتمام بمشاهدة الأفلام الغرامية. وقد تترافق الخيالات الجنسية بالعادة السرية التي تخفف من التوتر الجنسي، وتساعد في التغلب على الشعور بالوحدة. وثمة ربط بين الغريزة الجنسية والطباع الشخصية في مرحلة المراهقة، ولا سيما النماذج التي تمثّل: فرط الانفعالية، والتقلبات المزاجية الدورية، وعدم الاستقرار العاطفي، وشدة الحساسية، والعصبية الواهنة، والشخصية الصراعية أو الهيستيرية، أو الفصامية... ويتوقف ذلك كله على التوين العضوي للمراهق وأساليب التعامل التربوي من المحيطين به، ولا سيما في الأسرة.‏

وهنا اختلالات قد تحدث في النمو الجنسي ـ النفسي، من أبرزها: الفشل في التحديد الجنسي، والجنسية المتخالطة، والشذوذ الجنسي، والإثارة الجنسية من خلال استعراض الأعضاء التناسلية أمام الآخرين، والتلذذ الجنسي بمشاهدة الأجسام العارية، والسادية، وعشق الأطفال... وهذا ما يتطلّب مراقبة تصرفات المراهق، وتوجيهه إلى تأثيرات هذه السلوكات ومساعدته في التخلص منها.‏

أما الفصل الثالث والأخير، فيقدم عرضاً تاريخياً موجزاً لمسائل التربية الجنسية، منذ العصور القديمة حتى الآن. ففي روما القديمة، كانت التربية الجنسية تقوم على أساس ضبط الشهوة الجنسية والاعتدال فيها. وفي العصور الوسطى، كانت النظرة إلى الحياة الجنسية نابعة من التعاليم المسيحية، وكان الفسق والدعارة والجنسية المثلية، موضع استنكار وإدانة. أما في عصر النهضة الأوروبية، فقد اهتمت الكتب والمؤلفات التربوية والأدبية، اهتماماً كبيراً بمسائل التربية الجنسية. وفي عام 1907 عقدت الجمعية الألمانية مؤتمرها الثالث لمكافحة الأمراض الجنسية، في مدينة (مانهيم)، وبحثت مسائل التربية الجنسية، من خلال دور الأسرة والمعلمين والكبار.. وفي عام 1912، عقد المؤتمر الروسي الأول للتربية الأسرية، ونوقشت فيه مسائلا لتربية الجنسية. وظهرت إثر ذلك كتب عديدة طرحت فيها مسائل التربية الجنسية.‏

أما في العصر الحاضر، فقد أدخلت بعض الدروس عن التربية الجنسية في المؤسسات التعليمية، بمراحلها المختلفة. وأجريت العديد من الدراسات التربوية / الاجتماعية حول التربية الجنسية، شملت الوالدين والمربين والأطفال، ومنها دراسة اجتماعية قامت بها مؤلفة الكتاب الذي نحن بصدده، حيث وزّعت استبانة على عينة من آباء وأمهات لأطفال لا تتجاوز أعمارهم (11 سنة). وقد أجاب 57% منهم بأنهم لم يقرؤوا أي كتاب عن التربية الجنسية، مقابل نسبة 32.5%، من الأطباء المستفتين قرؤوا كتباً عن التربية الجنسية. ورأى 62.7% من الآباء والأمهات المستفتين، أنتربيةا لطفلا لجنسية، يجب أن يمارسها الوالدان. ولوحظ أن أسئلة الأطفال الجنسية تركزت على: من أين يأتي الطفل، وكيف يخرج من بطن أم؟ متى يحوز المرء على أطفال؟ ومتى يتزوج الشاب والفتاة؟ كيف ينشأ الحمل، وما هو الإجهاض؟ ما هو الحب؟ ولماذا يتبادل النساء والرجال القبلات؟ ما أوجه الاختلاف بين الصبيان والبنات؟ ولماذا يجب غسل العضو التناسلي كل يوم..؟‏

أما الآباء والأمهات، فقد طرحوا أسئلة عديدة حول: الطريقة الصحيحة في التربية الجنسية، وما تأثير غياب الأب على النمو النفسي ـ الجنسي، وماذا تعني الصحة الجنسية والشذوذ الجنسي، والاختلالات الجنسية؟ وما موقفنا من تقليد الطفل للعملية الجنسية، والموقف الواجب اتخاذه من ظاهرة العادة السرية..؟ وغيرها من الأسئلة التي تشير إلى ضرورة تقويم أساليب التربية الجنسية..!! وقدمت لذلك مجموعة من المبادئ للتربية الجنسية، للأطفال والمراهقين، كتوصيات من أهمها: النظرة التربوية الشاملة، والاستمرارية، والصدق العلمي، والثقة، والأخلاق، ومراعاة مستوى الطفل وظروفه.‏

كما عرض الفصل بعض مظاهر الاغتصاب والتحرّش الجنسي، والعنف الجنسي ضد الأطفال والمراهقين، وركز على سفاح القربى، من خلال عرض مظاهر كل منها، وتأثيراتها السلبية على صحة الطفل / المراهق، النفسية والاجتماعية، وما ينتج عنها من انحرافات سلوكية.‏

الكتاب بمجمله، يبحث في موضوع له حساسية خاصة في الطرح والمعالجة، بالنظر لما يكتنفه أحياناً، من السرية والغموض. ولكن مضمونات الكتاب جاءت على غاية من العلمية والموضوعية، حيث قدمت نظرة شاملة عن التربية الجنسية للأطفال والمراهقين، ولا سيما أهميتها وأساليبها، ودور الوالدين والمربين فيها. وجاءت الترجمة لتيسّر وصول هذه المضمونات التربوية إلى أصحاب العلاقة، بأسلوب يخلو من التعقيد اللغوي والأسلوبي، باستثناء بعض التركيبات والأغلاط اللغوية القليلة، والتي لا تقلل من أهمية الكتاب وجودة ترجمته. إنه كتاب يستحق أن يقرأ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244