جريدة الاسبوع الادبي العدد 1097 تاريخ 29/3/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تجليات التفاعل اللغويّ والأدبيّ في مستويات الثقافة العربيّة_الإيرانيّة ــ أ.د.مها خيربك ناصر

الجامعة اللبنانيّة‏

أسست الفتوحات الإسلامية نواة لكونية فكرية إنسانية امتدت من المحيط الأطلسي غرباً إلى حدود الصين شرقًا، فتفاعلت الشعوب العربيّة الإسلاميّة حضاريّاً وثقافيّاً مع غير العرب، و ازداد الإقبال على تعلُّم اللغة العربية، بوصفها لغة القرآن ولغة الدين، ولغة الدولة، فأوجد الواقع الجديد مختبراً ثقافياً امتزجت فيه اللغة العربية بغيرها من اللغات، وتجسّد التفاعل نتاجات فكريّة وثقافيّة سواء أكان ذلك في عملية التأثر والتأثير بين اللغات أم في الأنساق الأدبيّة والفنيّة التي أنتجتها إبداعات المفكرين في مراحل لاحقة، ما زالت آثارها تتفاعل وتتوالد حتى اليوم.‏

اكتسبت اللغة العربية منزلة علمية، وصارت في القرن الرابع الهجريّ لغة الثقافة والحضارة والعلم، فكثر التأليف والتدوين بهذه اللغة، وتحوّل الحيز المكانيّ لصوت المنطوق غير العربيّ عن أشكال الحرف المكتوب إلى الحرف العربيّ، فكُتبت به اللغات التركية والفارسية والأردية، وتغلغلت المفردات العربية في نسغ اللغات غير العربيّة.‏

احتفظت اللغة الفارسية بشكل الحرف العربيّ، وبألفاظ عربية دخلت حيز التداول الكلامي سواء أكان ذلك في الخطاب الدينيّ أم الخطاب الأدبيّ والاجتماعيّ، وبخاصة ما ارتبط من هذه الألفاظ بدلالات دينية، كما احتفظت اللغة العربية، العامية والفصيحة، بكلمات وصيغ فارسيّة مازالت متداولة في مستويات الثقافة والاجتماع والعلم والتدوين، مثل كلمة دفتر، وفهرس، وأستاذ وبنج غيرها من الألفاظ التي صارت أصلاً في متون المعاجم والمراجع والمصادر، فتجلت عملية الاقتراض اللغوي في مستويات ثقافية وفلسفية وفكرية لا حصر لها، وشكّلت شاهداً على قابلية اللغتين على التفاعل والتخصيب والتوليد.‏

خلق الواقع الدينيّ والاجتماعيّ والحضاريّ، وما أفرزه من تعايش وتآخٍ بين الشعوب، تفاعلاً حضاريّاً وإنسانيّاً بين العرب والفرس، وبخاصة بين المثقفين والمفكرين الذين أخصبوا عملية التبادل المعرفيّ، وكرّسوا خبراتهم فعلاً حضاريّاً في معظم ما أنتجوه من علوم ومعارف، فكان لأدباء فارس فضل في تخصيب المنتج الأدبيّ العربيّ وإثراء فنونه، لأنّ الترجمة نقلت إلى العرب التراث الفارسيّ الغنيّ بالأحداث التاريخيّة والأساطير وفنون والحكم والسياسية والأدب، ولذلك حظي كتاب" كليلة ودمنة" وكتاب" هزار أفسانه"، باهتمام بالغ لما لهما من شأن كبير في عملية تطوير الفنون الأدبية.‏

تأثر شعراء فارس بفنون الشعر العربيّ ونظموا شعرهم على تفعيلاته، واتخذوها وسيلة لتطوير النموذج الشعري وتحديثه، وفق ما يتناسب والموضوعات والأغراض الشعرية الفارسيّة، فأضاف بعضهم تفعيلتين على بحر الكامل، وأغنوا الشعر الملحمي والقصصي بأساطيرهم وقصصهم التاريخية، فكانت الترجمة إلى اللغة العربية والتأليف بهذه اللغة عامل أساس في تكريس عملية التفاعل المعرفيّ، وترسيخ فعل خلقٍ متجدد بين اللغتين العربية والفارسية تجسّد في تبادل المفردات اللغوية والفنون والمصطلحات البلاغية والأدبيّة.‏

إذا كانت عملية التأثر اللغوي ترجع في أصول نشأتها إلى العصر الجاهليّ، يوم لعبت الحيرة دوراً بارزاً في نقل ثقافة فارس إلى العرب، فهذا دليل على توفر استعداد فطري طبيعي في مقومات وخصائص اللغتين، العربيّة والفارسيّة، من حيث التمتع بهوية ذاتية مستقلة من جهة، ومن حيث قابلية كل منهما على التداخل والاقتراض والاكتساب والتبني، من جهة ثانية، ولقد تجلت هذه القابلية في فعل لغويّ حرّض على تكريس المنتج الثقافي حضارة إنسانية انتسبت إلى الفضاء الكونيّ الإسلاميّ، بقدر ما ارتبطت بحدود الأنا القومية، لأنّ العلاقات ازدادت تداخلاً وتواصلاً وتفاعلاً بعد الفتح الإسلاميّ، من دون أن تُلغى الشخصية المعنوية للشعوب.‏

تمايزت إيران بخصائص ومقومات الأمة العريقة، ولم تتخلَ عن قوانين التشكيل الداخلي للغتها الهند ـ أوربية، من دون أن تقوّض دور اللغة العربية التي مازالت تحتفظ بمقام جليل في المدارس والمعاهد والجامعات التربوية الإيرانيّة، بينما اقتصر تعليم اللغة الفارسيّة، في بعض الدول العربيّة، على الراغبين من طلاب اللغة العربية وآدابها، وذلك في خلال فصل واحد من سنوات الإجازة الجامعيّة، علماً أنّ التبادل الثقافيّ بين الجامعات والمعاهد له نتائج إيجابية تمظهرت في تبادل الخبرات والبعثات العلمية والمؤتمرات والندوات الثقافيّة بين إيران ودول عربيّة.‏

تحتاج الثقافة العربية، نتيجة المتغيرات الدولية والإقليمية، إلى تفعيل النهضة العربية، وإثبات الذات، وتكريس الوجود؛ وهذا مشروط بالتحريض على التبادل المعرفيّ مع شعوب العالم، وبخاصة الشعوب التي حافظت على الفكر العربيّ، وفعّلته واحترمت خصوصيته، وحرصت على توطيد العلاقات الدينية والثقافية والفكرية واللغويّة والحضاريّة مع الموروث الثقافيّ العربيّ، لأنّ تنشيط عملية التبادل المعرفيّ تساعد على تحقيق مركزيتنا وكينونتنا، وعلى حفظ وجودنا وهويتنا، من دون سعي إلى إلغاء أو هيمنة، وهذا المشروع الثقافيّ تتبدى إشعاعاته في حوار فكريّ حضاريّ ثقافيّ بين المثقفين العرب والمثقفين الإيرانيين لأنّ التاريخ أثبت أهمية هذا التبادل المعرفيّ على مستويات الخلق والإبداع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244