جريدة الاسبوع الادبي العدد 1098 تاريخ 5/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البعث والأمة العربية عقيدة القومية ونظرية التحرر ـــ د.فايز عز الدين

*دلالة:‏

اعتبر البعث منذ ظهوره في أربعينيات القرن الماضي أن العرب المشتت شملهم عبر سايكس بيكو ليس لهم من منقذ مما أصبحوا فيه من تجزئة، وتبعية، وتخلف سوى الرابطة التي تربط الفرد بأمته، وتتكثف بداخله كشعور مقدس بالانتماء إليها وهوية ومقوّم هام في الشخصية السوسيوثقافية.‏

القومية تلمّسها البعث حقيقة تاريخية، اجتماعية، ثقافية حافلة بالقوى الخالقة، وعاملة على بعث الإحساس بالمسؤولية، وراشدة في مجال توجيه إنسانية الفرد، والأمة توجهاً خيراً مبدعاً.‏

وقد حول البعث الفكرة القومية ـ خلافاً لما حدث في أوروبا ـ إلى عقيدة تحرر من الاستعمار، وإرادة تغيير وتحرير من الاستغلال. ومفاعلٍ وحدوي يعيد العرب إلى وضعهم الطبيعي في التاريخ أمة واحدة. وبذلك ارتكزت عقيدة البعث في القومية، أو القومية في مفهوم البعث وعقيدته على:‏

أولاً: إن القومية ليست تفكيراً أو تنظيراً، وإنما هي رابطة الوجود الواحد، والمصير المشترك للشعب العربي بكامله.‏

ثانياً: إن القومية رابطة انتماء إلى أمة، وبدونها تتفكك عرى الأمة، وتتحلل مقومات تواصلها البنيوية والوظيفية.‏

ثالثاً: إن القومية لا تتمثل في انتماء الأفراد وحسب بمقدار ما تتحول فيهم إلى روح دافعة نحو التحرر والتطور.‏

رابعاً: إن القومية يمكن أن يكون لها تيارها السياسي الذي يجعل منها أهم عوامل التجاذب في الحركة العربية التحررية.‏

خامساً: إن القومية في خصوصيتها العربية ذات محتوى اجتماعي، ديمقراطي، شعبي، تحرري تتكامل مع المجتمع العالمي بنظمه المختلفة على قاعدة: الإنسانية مجموعة متضامن في مصالحه، وقيمه.‏

سادساً: القومي ـ لغة، ومصطلحاً ـ هو الإنسان الذي ينتمي إلى أمة معينة ويتعلق بروابطها الاجتماعية والثقافية، والحضارية، وتقاليدها، وتتحدد هويته السوسيوثقافية على أساسها.‏

وعلى هذا التأسيس النظري للمسألة القومية ولاسيما عند العرب حدد البعث تياره القومي لتصبح القومية لديه مبدأ سياسياً، واجتماعياً، ينشدّ الفرد العربي إليه مرتبطاً بمقومات وجوده: (اللغة، والتاريخ، والأرض، والثقافة، والمصالح المشتركة، والمشيئة المشتركة).‏

والقومية في المجتمع الإنساني الحديث، والمعاصر تقاطبت مفاهيمها بين قومية غازية كالقومية الغربية الرأسمالية البرجوازية، وقومية مغزوة محتلة كالقومية في العالم الثالث. وعليه فقد اختلف الحامل الاجتماعي لها ففي الحالة الغربية البرجوازية كانت البرجوازية، وفي حالة العالم الثالث كانت الجماهير الشعبية. وبذلك أصبحت في الحالة الأولى قومية مستعمٍرة، وفي الثانية قومية محررة، وحافلة بقوى الثورة التوحيدية، والاجتماعية الديمقراطية.‏

وفي اختيارات البعث لشخصيته الإيديولوجية وجد أن المبدأ القومي العربي صالحاً لأن يكون عقيدة تحرير، وإرادة توحيد للأمة فأخذه بانتماء عقائدي ليرتبط فيه بالمصالح العليا للأمة العربية، أكثر مما يرتبط عبره بالمصالح القطرية الضيقة المحدودة الاتجاه والتوجّه.‏

وقد حرص البعث ـ ولاسيما في العقد الرابع من القرن الماضي ـ أن يؤكد على النظرية القومية أمام حالة التجاهل الواضحة التي كانت تواجهها مخافة أن يؤثر هذا التجاهل تأثيراً ملحوظاً على حقيقة وجود الأمة، وسيرورة عقدها الاجتماعي، التاريخي، وصيرورة تحولاتها من واقع التجزئة، والتبعية، والتخلف، إلى واقع التوحيد، والتحرر، والديمقراطية.‏

وبذلك أصرّ في أدبياته على أن القومية العربية تمثل ظاهرة وعي اجتماعي شامل تحشد بها قوى الشعب في سبيل مقاومة الاحتلال، وتحقيق الاستقلال، والتحرر الكامل السياسي، والاجتماعي.‏

والقومية ـ كما رأى البعث ـ ليست فكرة مقتبسة، إذ لا يمكن أن تقتبس القومية والأمة، وتستوردا من خارج الحدود الجغرافية، بل هي شكل وجود البشر في الجيوتاريخية العريقة في القدم، ومفاعل تحولاتهم في حاضرهم، ومستقبلهم. وهذان: الشكل والمفاعل يتحولان إلى حقيقة تاريخية ملازمة لوجود كل أمة، وحياتها منذ نشأتها الأولى، وبهذا فلا بد أن تتحول القومية إلى رابطة أهم، وشعور مقدس بالانتماء وطبيعياً أن لا نجد إنساناً في المجتمع العالمي لا ينتمي، أو ليس له جذور، وهوية، ووطن، وقومية.‏

* التجسيد القومي:‏

وكما رأى البعث إن القومية رافقت وجود الأمة العربية، وشكلت وعيها بذاتها، وبصورة الآخر وقد تجسد هذا:‏

أ) بالمظاهر الثقافية، واللغة الواحدة.‏

ب) بالمظاهر السياسية في تحالف القبائل ضد كل خطر مشترك.‏

ج) بالمظاهر الاجتماعية، والاقتصادية من خلال الأسواق، والتبادلات المختلفة.‏

وقد أكد البعث أنه حينما جاء الدين الإسلامي عمل على إذكاء روح الأمة العربية، وقدم عبر ذلك بديلاً مجتمعياً توحيدياً، وصار وعي الأمة لذاتها، ولغيرها من أهم عوامل الوجود الوحدوي الجديد لها، ولا سيما حين نزل القرآن بلغة العرب، وحدد شكل رسالتهم إلى الأمم الأخرى، وحدد الغايات الإيمانية القائمة على الرحمة، والإنسانية، وتعاضد بني البشر، ثم وحدتهم أمام خالقهم.‏

وقد أخذ البعث بروح هذه المرحلة التاريخية من حياة العرب ليظهر مفهوم الأمة الواحدة، والرسالة الواحدة، والغايات، والأهداف الواحدة، التي تتلاقى مع المفاهيم التي تقول: إن الإنسانية مجموع متضامن في مصالحه ومشترك في قيمه.‏

ولكي يخصص البعث مفهومه في القومية تمسك بالمضمون الشعبي لها، ورفض المفهوم الليبرالي معتبراً إياه يدعو إلى قومية متعصبة، استعلائية، غير متسامحة، غير إنسانية، غازية، ورافضة لحق تقرير المصير بالإرادة الوطنية الخالصة.‏

والذي شجّع البعث على هذا الاختيار الفكري للقومية هو معاملة العرب من قبل الاستعمار كغنائم حرب ولاسيما بعد الحربين العالميتين: الأولى 1914، والثانية 1939. ففي أعقاب الأولى طبقت عليهم معاهدة سايكس بيكو، وفي أعقاب الثانية أعطي الصهاينة حقاً بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين العربية.‏

وفي كل تحليل للبعث يتعلق بالمجرى الموضوعي لتطور حياة العرب كان يرى أن حالة التجزئة هي أخطر ما يواجهه العرب، فالتجزئة ستولد تاريخاً تقسيمياً يتطور خلاله كل قطر بمعزل عن الآخر، وتكبر الفوارق الأمر الذي لا يمتّن التآلف التاريخي لأبناء الأمة الواحدة بالروحية الواحدة بمقدار ما تصدر عنه توجهات متغايرة، متناقضة تؤدي في نهاية المطاف إلى تشتيت الأمة، إلى أمم، فيتحول الجزء العربي إلى أمة جديدة لا علاقة لها بالأصل العربي الواحد.‏

وما كان البعث قد أسس له، وتبناه في الفكرة القومية قد تفاعل مع الحركة العربية السياسية ليرقى إلى حركة سياسية منظمة استحدثت التيار القومي الذي ظهر ليجد أمامه في ساحة الحياة العربية تيارات أخرى: إسلامية، ويسارية، وليبرالية، وإقليمية.‏

ومن اللافت أن التيارات العربية السياسية هذه لم تتفاعل على أساس الجوامع المشتركة في حقيقة الأمة الواحدة بوجودها، ومصيرها، وصورة نضالها، بل تدافع الحال إلى أن وصل بكل تيار لأن يعتبر نفسه ممثلاً للأمة في ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها. واعتبر نفسه الوكيل التاريخي عنها فصار يساجل غيره لكي يخرجه من حلبة العمل العربي المشترك ليبقى فريداً، وحيداً، مسرمداً عليها.‏

وهذا الواقع لم يحقق للعرب أي نفع من خصوبة التعددية، والتنوع، بل حصل العكس حيث شهدت المرحلة العربية الممتدة من عصر الاستقلالات العربية في بداية النصف الثاني من القرن الماضي حتى اليوم المزيد من الخصومات التياريّة، والتعطيل المقصود لأية نجاحات قد يصل إليها الآخر.‏

وما دام العرب لم يتوافقوا على الجوامع المشتركة، ولم تنتظم تياراتهم في عقيدة الأمة كمفهوم اجتماعي حضاري، ثقافي فمن المستحيل أن نحلم بمشروع نهضوي عربي يلحقنا بالعصر العولمي الذي يستثمر منتجات الثورة التكنولوجية، والتقنية الثالثة في المعلوماتية، وللاتصال والجينات، والمعرفة.‏

ولو حاولنا الإجابة على سؤال ماذا بقي من القومية؟ لا بد ـ في لحظة الجواب ـ من النظر بتأمل مطلق إلى حالنا العربي لنقول: ماذا تحقق منها عربياً؟ وعليه فلا ندحة أن تعوذ العروبة بالعروبة. ونحاور في هذا السبيل الذين يضعون تبعات ما حدث في الواقع من حطام عربي على القومية، والقوميين لنقدم لهم فكرتنا بأن ما حدث علّته ليس بتبنّي الفكرة القومية كعقيدة سياسية، ولو وُصِفَتْ هذه الفكرة أحياناً ومن بعض الجهات بأنها بدعة، ومستوردة، وتماهٍ. إن العقيدة القومية شيء. وأشكال تبنيها شيء آخر. وكذلك التيار القومي شيء وأشكال شعاراته شيء آخر. والعقيدة شيء، وصور ممارستها شيء آخر.‏

ومن الواضح في الضرورات الملحة للتفكير العربي الجديد هو وجوب أن نتحوّل عن منهج العلّة والمعلول الذي تبنته الحركة العربية السياسية خلال القرن الماضي لنأخذ بمنهج جديد في المنهج ذاته حيث إن الحق في إبقاء الأمة على حالها، بل في خلق عصا عرقلة لها، وهي تحاول اجتراح حلول حاضرها ومستقبلها ليس على التيار القومي وحده، وليس على القومية كعقيدة عمل ونظرية تحرير. إن طرح المسألة على هذا الوجه هو تعبير عن عدم قدرتنا على تلمس الأسباب الأكثر دقة لما وصلنا إليه.‏

إن سببّية ما نحن فيه لا بد أن تعود إلى طبيعة جدل معادلة الداخل العربي، والخارج الأجنبي فقضايا التحرر العربي لم تُعطَ الأجواء المناسبة لها حتى تجد طريق انتصارها في معاركها الاستقلالية، والتوحيدية والديمقراطية، وشكل بناء السلطة العربية لم تدفع حركية الحراك العربي بوجه صحيح. وطبائع التيارات لم تؤسس على منهج الحوار العلمي، العلماني، والعقلي العقلاني فبقيت جماهير الأمة ـ عبر تياراتها ـ لم تمتلك ثقافة الحوار الديمقراطي، ولا ثقافة السجال التنوعي.‏

إن الديمقراطية لم تنتصر في أوروبا، وغيرها إلا بعد التواضع على ثقافة الحوار، واحترام الآخر. أما نحن في العروبة المعاصرة فمازلنا لا نقبل بالحوار، بل نحاول أن نحوّل منطلقاتنا الذاتية إلى مطلقات علمية ويقينات نلزم الآخر بها إلزاماً، أو لا نقبل الكونَ الموحد معه.‏

متى سنقف معاً على أرض الوجود الواحد للأمة، وأرض المصير الواحد، وأرض المشروع المؤسس على الجوامع المشتركة بثقافة المشترك القومي؟؟‏

إن الخروج من المعضلة العربية ليس بدحر رابطة الأمة الوحيدة (الشعور القومي) إذ لو دحرنا هذه الرابطة بماذا سنلوذ بعدها؟ الخروج هو بإعادة النظر، والمراجعة المخبرية والمعملية لكافة اتجاهات العقل العربي، وصور خطابه.. الخروج هو بترك إعلال الآخر فقط، والتوجه بالنقد السياسي للذات أولاً. الخروج ليس بالتقديس اللاهوتي لما حملناه من أفكار بل هو بجعل هذه الأفكار على صورة أطروحات داخل المنهج العلمي المفتوح حتى تتجادل مع وقوعات الحياة بمنطقية تثبتها، أو تعدّلها، أو تغيّرها في معادلة الثابت الدينامي والمتحول العقلاني.‏

إن اللاهوت السياسي قد حول الفرد العربي إلى عابد فقط يجيد التقديس لكنه لا يجيد التفكير والذي يمكّن الأمة من تحقيق حضارة الحاضر، والمستقبل، واستبقاء قيودها في سجلات التاريخ الإنساني الحي، المبدع هو الفرد، المواطن، الحر، الديمقراطي، المناضل، المبدع، وهذه التوصيفات تحتاج إلى تيارات لها المواصفات ذاتها، ونظام عربي سياسي، واجتماعي له المواصفات ذاتها. وهذا المبدأ قد عمل عليه البعث عبر تاريخه الموازي لحركة التحرر العربية وهو ما تحلم به جماهيرنا اليوم على أثر نتائج القمة العربية التي عقدت في دمشق وتجسد إرادة العرب في دحر الغزو الأمروصهيوني لبلادنا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244