جريدة الاسبوع الادبي العدد 1098 تاريخ 5/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الأمومة وسام المرأة الأرفع ـــ عبد العزيز الخضراء

«إن كلمة الأم تختبئ في قلوبنا مثلما تختبئ النواة في الأرض وتنشق من بين شفاهنا في ساعة الضيق والفرح كما يتصاعد العطر من قلب الوردة في الفضاء الممطر والصافي»‏

جبران خليل جبران‏

«ألا رفقاً بالوالدات حتى اللواتي يظهرن للناس ولأولادهن كما لو كن غير صالحات، أفما كفاهن صلاحاً أن تختارهن الحياة آنية صالحة للحياة...».‏

ميخائيل نعيمة‏

المرأة هي الشق الثاني من الإنسان المعمر لهذه الأرض، ولفظة (المرأة) في اللغة العربية مشتقة من فعل (مرأ) ومصدرها المروءَة وتعني (كمال الرجولة) أو (الإنسانية) ومن هنا كان (المرء) هو الإنسان، والمرأة هي (مؤنث الإنسان).‏

وتقاس أهمية أي وظيفة بمقاييس عدة من أبرزها الآتي:‏

1 ـ أهمية الإنجاز الذي تنتجه الوظيفة.‏

2 ـ مدى الجهد المبذول للقيام بها، والكفاءة المؤهلة لذلك.‏

3 ـ نسبة توفير البدائل والخيارات لأدائها.‏

فكلما كان الإنجاز أهم، والجهد المبذول أكبر، والتأهيل المطلوب أرفع، والبدائل أقل، كانت الوظيفة أرقى وأعلى...‏

على أساس هذه المقاييس يمكن اعتبار الأمومة أرقى وظيفة في المجتمع البشري. فهي ترتبط بإنتاج الإنسان نفسه، وصنع شخصيته، وذلك إنجاز لا يساويه أي إنجاز...‏

دعونا نقف في محراب الأمومة ولننصت لما يقوله الدكتور مصطفى محمود: ما أحلى اسم الأم.... ما أعظم وقعه على الأسماع إنه أَعذب الأَنغام... الأم واحة خضراء.. الأم هي البلسم الشافي.. هي الشمعة التي تضيء لنا الطرق.‏

في السنوات الأولى من عمر الإنسان تتشكل ملامح شخصيته، وتنغرس بذور صفاتها الأساسية لذلك يسميها خبراء التربية بالسنوات التأسيسية، وفي هذه المرحلة يكون الطفل في أشد مراحله العمرية التصاقاً بالأم، والارتباط النفسي والعضوي بين الطفل وأمه يجعل إمكانية التأثير المتبادل بينهما هو العامل المؤثر في تكوين شخصية الطفل وبنائها.‏

يقول جبران: «إن كلمة الأم تختبئ في قلوبنا مثلما تختبئ النواة في الأرض وتنشق من بين شفاهنا في ساعة الضيق والفرح كما يتصاعد العطر من قلب الوردة في الفضاء الممطر والصافي».‏

فالأم هي العنصر الفاعل في ترقية سلوكيات الطفل وتشكيل عواطفه، وتهذيب أخلاقه وتعميق المفاهيم القيمية لديه، وفي إشباع حاجاته النفسية والبدنية والفكرية وكلما كانت الأم واثقة من نفسها ومتمكنة علمياً، وتتمتع بمواصفات الأمومة الحقة كانت نتائج تربيتها لأولادها أعمق أثراً وأكثر فاعلية وإيجابية... فهي المهندسة البارعة التي إن أحسنت توظيف قدراتها ومعارفها بنت إنساناً معافى فكرياً ونفسياً وبدنياً واجتماعياً... وتشكلت لديه عناصر تتصف بالقدرة على ممارسة دور فاعل في مستقبله على مسرح الحياة.‏

كان العرب الأوائل حينما تعجبهم متانة شخصية إنسان وقوته يصفونه بأنه (قد شبع من حليب أمه) للتعبير عن الارتواء من مناهل عطف أمه وحنانها ورعايتها وتوجيهها في صغره، ما جعله متميزاً بصفات قوة الجنان والشخصية، اللذين يثيران إعجاب واحترام الآخرين.‏

وللأدب دوره في التفسير الدقيق لهذه المعاني، التي تبرز مواصفات الأمومة فهذا ميخائيل نعيمة يقول: «ولعل الأمومة هي الصف الأول في مدرسة متعددة الصفوف يفنى كل واحد منها في الذي يليه، إلى أن تبلغ الإنسانية الصف الأخير، حيث يفنى الكل في الواحد، ويتسع الواحد فيشمل الكل، وللوالدات المجد في أن يكن من الإنسانية طليعتها المباركة في طريق نكران الذات، نكران ذات محدودة للوصول إلى الذات التي لا تحد...‏

ألا رفقاً بالوالدات حتى اللواتي يظهرن للناس ولأولادهن كما لو كن غير صالحات، أفما كفاهن صلاحاً أن تختارهن الحياة آنية صالحة للحياة...».‏

فالأمومة قيمة اجتماعية بامتياز، وكل مجتمع ينشئ أجياله ويعدها لمجموعة من الأدوار، وتحتل الأمومة والأبوة أبرزها، وتمثل كلاً منهما قيمة اجتماعية كبيرة في الثقافة العربية والمشرقية عموماً، فالبنت تنشأ ومنذ صغرها تحلم بأن تصبح زوجة وأماً، وتعزز لديها هذه الهوية كي تصبح مكوناً أساسياً من مكونات أُنوثتها، وهويتها الشخصية ومفهومها عن ذاتها، ويؤدي هذا التعزيز إلى تنشيط قوي لدافع الأمومة الذي يحتل موقعاً متميزاً في الهوية الشخصية، وصولاً لشغل مكانة النواة منها في العديد من الأوساط، هنا تصبح الأمومة عماد المشروع الوجودي للمرأة، طالما تُعرف اجتماعياً، "بأم فلان" بينما تتوازن الأمومة مع دوافع أخرى في الإنجاز وتحقيق الذات في الأوساط المهنية، وليس لنا تدليل على ذلك سوى الإشارة لمقدار الضغوط التي يمارسها المجتمع على المتزوجين حديثاً من أجل دفعهم للإنجاب..... فالأمومة والأبوة يشكلان شهادة الأهلية الاجتماعية.‏

وانطلاقاً من هذا التعزيز الاجتماعي تتخذ الأمومة والأبوة دلالة الجدارة الشخصية على المستوى النفسي، فالوالديه هي اكتمال الرجولة والأنوثة وهي البرهان على كل منهما حتى إن الرشد والنضج لا يتكرسان نفسياً إلا بالإنجاب كبرهان على اكتمال مقوماتهما، وبالعودة إلى المستوى النفسي تتكرس أنوثة المرأة في أن تصبح أماً كأمها، كما تتكرس ذكورة الرجل في أن يصبح أباً كأبيه، بذلك وحده يتجاوزان وضعية المرجعية الخارجية (والده كمرجعية) وصولاً إلى المرجعية الذاتية، هي أُمٌّ إذاً هي مرجع ذاتها، تلك هي مسيرة طويلة يقطعها الطفل الإنساني من وجهة نظر التحليل النفسي وصولاً إلى مرتبة الكائن القائم بذاته، وكل ما سبقها يندرج على صعيد هذا البعد النفسي، ضمن جهد دائب لتجاوز التبعية والمرجعية الوالديه... «يتخذ الطفل دلالة إيجابية بمقدار ما تنظر إليه الأم على أنه ثمرة رباط زوجي سعيد ـ يحمل الطفل ثمرة الزواج السعيد دلالة السعد والرضا، واكتمال الأنوثة والوفاق مع الذات بالنسبة للأم، وهي تعتز بأن تقدمه للأب إنجازاً أمومياً لرباط زوجي موفق، تعزيزاً لهذا الرباط وترسيخاً لعلاقة زوجية تحمل الرضا وتحقيق الذات والاكتمال، وبذلك فإن الطفل سيحظى بكامل هذه الدلالات في التفاعل الحميم والمتين بينه وبين أمه، ما يجعله يحتل مكانة عالية الإيجابية في عالمها، وسيكون لاحقاً، على صعيد نموه وصحته النفسية، تبعاً لمدى إيجابية هذه العلاقة....»‏

وغاية في الأهمية أن تستوعب الأم التطورات التربوية المعاصرة، لتواكب روح العصر ومعطياته، فتطور ذاتها كونها القدرة الإبداعية الخلاقة التي تبني الإنسان....‏

فالإنسان في عصر المعرفة هو الثروة الحقيقية وبناء الإنسان بالمعرفة المبنية على قاعدة وعيه لذاته ولهويته الحضارية هو سر قوة المجتمعات، ونحن أحوج ما نكون لهذا في عصر المعلوماتية، فالمجتمع معرفة، والمعرفة لا تكون قوة حتى تمس إرادة الإنسان، ولن تكون قوة ما لم تقدم للإنسان عالماً جديداً يتفاعل معه ويتفهم معطياته ولن تكون قوة ما لم يخطُ الإنسان خطواته المجردة عن الهوى لبلوغ الكمال... وتفقد رونقها إن سعت وراء مثل أعلى دون الكمال...‏

وهنا لا بد من الانتباه إلى المعارف الموجهة للإنسان لكي تبقيه في دائرة الإنتاج المميز لحضارته الإنسانية، ودور الأم هنا بالغ التأثير فهي مُدرِّسة وهي مَدرَسة.. لأنها تبني الأجيال المؤمنة والمتمسكة بهويتها فهوية الإنسان العربي متميزة بأصالتها الإنسانية والحضارية، ولابد من المحافظة عليها كي لا تصيبها وافدة بشائبة تلغي أو تضعف وجودها. فدور المرأة في حياتنا الحاضرة لا يمكن إغفاله، ذلك أن التطورات العلمية والتكنولوجية لا تمس الرجل وحده، وإنما المجتمع بأسره، وقد انقضى زمن ترك المرأة كمَّاً مهملاً..‏

وإني أشد على أيدي أولئك الذين ينظرون إلى أن تقدم المجتمع البشري لا يتم إلا بإشراك المرأة في العملية الإنتاجية، ومساهمتها كعنصر بشري مساعد للرجل وليس متسيد أو متسلط عليه.‏

فالمرأة هي الأم وهي المربية سواء أكانت في البيت أو العمل، وهي مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق... وهي كما يقول نابليون بونابرت: أعطني جيلاً من الأمهات القديسات وأنا المسؤول عن تغيير وجه المجتمع، ومهمة المرأة ليست مقصورة على إنجاب الأولاد وتربيتهم فحسب، فهي نصف المجتمع وهي التي تبني المجتمع من خلال تقديم أجيال تتمتع بطاقات وإمكانات فاعلة، وهنالك صحوة اجتماعية تدعو لتعزيز دور المرأة لتتوفر لها كل السبل والإمكانات لتواجه متطلبات الحياة المعاصرة في الحدود اللائقة بما يضمن المحافظة على الأسرة والمجتمع....‏

يقول معروف الرصافي:‏

فحضنُ الأُمِّ مدرسة تسامَتْ‏

بتربية البنين أو البناتِ‏

وأَخلاقُ الوليد تُقاسُ حسناً‏

بأَخلاقِ النِّساء الوالداتِ‏

وليسَ النَّبتُ ينبتُ في جنانٍ‏

كمثلِ النّبتِ يَنبُتُ في الفَلاة‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244