|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نكبة البصرة في تراثنا الأدبي ـــ من إعداد: محمد حمدان مامن عربي ليس للبصرة في وجدانه وعقله ولسانه وإحساسه نصيب. البصرة مدينة النحو والعروض والمعاجم والفقه والاعتزال والمعارضة. مدينة الخليل ابن أحمد وسيبويه والحسن البصري وابن المقفع والجاحظ والسندباد وعلي الزيبق، وقبلهم مثلث المربد جرير والأخطل والفرزدق...الخ ويصعب الحصر لو أردنا أن نقف عند القديم كله فكيف إذا أردنا أن نصل به إلى شناشيل السياب الذي ما يزال يصيح بالخليج: يا خليج!.. تمّ تمصير البصرة 16 هـ أو نحو ذلك، وقد تألفت في البداية من سبعة أحياء لكنها سرعان ما امتدت حتى اتصلت بها الأُبُلّه (إحدى جنان الدنيا الأربع كما كان يُطلق عليها إلى جانب غوطة دمشق وشِعْبِ بَوَّان وقصبة سمرقند)، ومع الأيام أصبح المربد جزءاً من عمرانها. كانت تتوسطها الدهناء أو رحبة بني هاشم وبها دار الإمارة والمسجد الجامع. من أسمائها عين العراق وأم العراق ومدينة الدنيا ومعدن تجاراتها وأموالها، وهي ومصر جناحا الأرض فإذا خربتا خربت الدنيا (كما يروي صاحب معجم البلدان). يُحكى أن قنوات الري في بطائحها والتي كانت تعبرها الزوارق الصغيرة جيئة وذهاباً تربو على مئة ألف. ومع الزراعة تطورت التجارة فيها وأعمال الصيرفة فهي الميناء العالمي الأول في زمن من الأزمان. كان نخيلها يمتدّ أكثر من ثلاثين فرسخاً، وقد قال الرشيد عنه: (نظرنا فإذا كل ذهب وفضة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة)، وابن بطوطة يقول عنها بعد ذلك: (ليس في الدنيا أكثر نخلاً منها). والمؤكد الآن أن جريمة الاحتلال الأمريكي للعراق تعمل على قتل نخل العراق كله، كما تفعل مع سكانه. فمتى... متى تخرج عنقاء المقاومة من رمادها؟. متى ينبعث تموز من جديد؟.. في /257هـ/ وقعت نكبة البصرة في معارك حركة الزنج بقيادة علي بن محمد مع السلطة العباسية (فتنة الزنج في المصادر القديمة وثورة الزنج عند أغلب الدارسين المعاصرين) ولن نفصِّل القول في هذا أو ذاك لأن مانورده من شعر في نكبتها تلك لا يعدو أن يكون رسالة حب وتعاطف من ناحية (ونحن على أبواب الذكرى السوداء للاحتلال الأمريكي للعراق) ورسالة رجاء من ناحية أخرى، فلقد آن لهذه الهجمة الأمريكية الصهيونية الغاشمة أن تنتهي، وآن للفجر العربي الذي رعى مسيرة سومر وأكاد وآشور وكلدان أن يبزغ مرة أخرى. **** يقول الشاعر يحيى بن خالد بن مروان في نكبة البصرة: ـ 1 ـ أَبِنْ لي جواباً أيها المنزل القفرُ «فلازال منهلاً بجرعائك القطرُ» أَبن لي عن الجيران أين تحمّلوا وهل عادت الدنيا وهل رجع السَّفْر وكيف تجيب الدار بعد دروسها ولم يبقَ من أعلام ساكنها سطرُ منازل أبكاني مغانيَ أهلها وضاقت بيَ الدنيا وأسلمني الصبرُ كأنهم قوم رغا البَكْر فيهم وكان على الأيام في هُلكهم نذر وعاثت صروف الدهر فيهم فأسرعت وشرُّ ذوي الإصعاد ما فعل الدهر (الجرعاء: الأرض. القطر: المطر، رغا البكر: كناية عن الشؤم. عاثت: أفسدت، أصعد: اشتدّ). *** ـ 2 ـ يقول يحيى بن محمد الأسلمي (وهو كالسابق شاعر مجهول): عني اشتغالك إني عنك في شُغُلِ لا تعذلي في ارتحالي إنني رجلٌ ما استيقظت همّةٌ لم تلفِ صاحبها ولم يَبِتْ أَمِناً من لم يبتْ وجلاً لا تعذلي من به وقرٌ عن العَذَلِ وقفٌ على الشدِّ والأسفار والرَّحَلِ يقظانَ قد جانبته لذّةُ المُقَلِ من أن يبيتَ له جارٌ على وَجَلِ (الوقر: الصميم. لذة المقل: النوم، الوجل: الخوف والفزع). ***** ـ 3 ـ يقول يزيد المهلبي (من أحفاد المهلب، بصري سكن بغداد، شهد مع البحتري مصرع الخليفة المتوكل، وله في ذلك قصيدة جريئة ملتزمة ومن عيون الشعر مما يذكّرنا بحكم المتنبي والتزامه القومي: سقى الله مصراً خفّ أهلوه من مصرِ ولو كنت فيه إذ أُبيح حريمهُ أبيح فلم أملك له غير عبرةٍ ومن يخشَ أطراف المنايا فإننا فإن كريه الموت عذبٌ مذاقُه وما رُزق الإنسانُ مثل منيَّةٍ وماذا الذي يبقى على عُقَب الدهرِ لمتُّ كريماً أو صدرت على عُذرِ تُهيب بها ـ إن حاردتْ ـ لوعةُ الصدر لبسنا لهنَّ السابغات من الصبر إذا ما مزجناه بطيبٍ من الذِّكر أراحت من الدنيا ولم تُخزِ في القبرِ (عُقب الدهر: نوبه وأرزاءه. صدر: رجع. حاردت: انقطعت. سبغ: اتسع وطال). *** ـ 4 ـ يقول أبو ناظرة السدوسي: (شاعر مجهول الاسم، مقلّ. هذا ما نعرفه عنه، على أن في القصيدة شاعرية عالية المستوى وقد سَبَقنا نحن ـ شعراءَ العصر الحاضر ـ إلى خطاب المكان كمخاطبة الحبيبة. وهذه القصيدة الطويلة /69 بيتاً/ رواها المبرد كاملة وأثنى عليها كثيراً مع كل موقفه السلبي المعروف من شعر المحدثين في ذلك العصر): منازلَنا! هل من غياب مؤمّلٍ وهل نحن يوماً عائدون ذوي غنىً أبى الصبر تذكار الديار التي خلت ومغدى ذوي الحاجات في كل شارقٍ وكلِّ مطاعٍ في العشيرة ماجدٍ منازل قومٍ أسرع السيف منهم وكل فتى يرنو إلى اللهو والصبا فأودَوا وقد عاشوا كراماً أَعِفَّةً تغاديهم ضرباً على الهام تارةً فكم من رحىً دارت وكم من مصيبة على ألفِ ألفٍ من ملوك وسُوقةٍ مغلّقة هاماتهم، وشريدهم إلى غير راعٍ يرتجى النصر عنده عباديدُ، من ناجٍ على جذمِ بغلةٍ ومن راسبٍ طافٍ على الماء ِشِلْوُهُ فيا أرضهم أخلَوكِ فابكي عليهمُ أرى كلّ قومٍ لا يزال مَظِنَّةً سوانا فإنا حشو كل مدنيةٍ ذوو أوجهٍ فيها كوابٍ وأعينٍ فمن رام أن يبتاع منا حديقةً فذو العزّ منا مستكينٌ وذو الغنى فلا المِرَبد المعمور بالعزِّ والنُّهى ولا قصرُ أوسٍ والمُناخ الذي به بمرتجعٍ يوماً، ولا المسجد الذي ولا قائم لله آناءَ ليلهِ ولا الشطّ إذ فيه لنا الخير كلُّهُ وقالوا: تناسوها فليس بعائدٍ وإني لأرجو أن أرى ذاك منهمُ نعتْ أرضَنا الدنيا إلينا وأدبرتْ وما كانت الدنيا سوى البلد الذي وما عيش هذا الناس بعد ذهابه إذا الدمع لم يسعد كئيباً فإنني على دمنٍ جرَّت بها الريح بعدنا وما كل بصريٍّ شكا بمفنّدٍ ولو أن بصرياً بكى كُنْهَ شَجوِهِ فيا بصرُ! كم من هالكٍ مات حَسَرةً يظلّ شعاعاً قلبه، ومبيتُهُ عليكِ سلامُ الله منا فإننا إليكِ إذا ما آب كلّ غريبِ ومنتجعٍ للمعتفين خصيبِ مجالسها من سُودَدٍ وخطوبٍ إلى كلِّ مغشيِّ الفِناءِ مهيب معينٍ على ريب الزمان وَهوبِ إلى كل وضّاح الجبين نجيب جرورٍ لأذيال الشباب سحوبِ على فتنٍ مرّت بهم وحروب وذبحاً بأقسى أنفسٍ وقلوب توالت، ومن يوم هناك عصيب ثَووا بين أبواب لهم ودروب شماطيطُ شتّى أوجه وسُروب ولا عطن يُؤوى إليه رحيبِ ومن رازح يشكو الكلال جنيبِ وذي ظمأٍ أودى به وسُغوبِ وجودي عليهم يا سماء وصُوبي منازلهم من آيبٍ ومؤوب وألقاؤها من نازح وقريب بواكٍ وفقرٍ ظاهر وشحوب من الأرض أعطى درهماً بجريب كأن لم يكن ذا رتبةٍ وركوبِ وكلِّ فتىً للمكرمات كسوب وما حوله من روضةٍ وكثيبِ إليه تناهى علم كل أديب به كلُّ أواهٍ إليه منيبِ وإذا معتفاه ـ الدهرَ ـ غيرُ جديب تجاور أحياءً بها وشعوب وللدهر أيام بُعيد خطوبِ بكل نعيم في الحياة وطيبِ خلا اليومَ من داعٍ به ومجيب بعيشٍ ولا مغناهم برغيب سأبكي وأُبكي، الدهرَ، كلَّ كئيبِ ذيولَ البِلى من شمألٍ وجنوب ولا كلّ بصريٍّ بكى بمعيب بكى بدمٍ حتى الممات صبيب عليكِ، ومن صبٍّ إليك طروبِ على سننٍ من ربعِهِ ونحيب نرى العيش إلا فيك غيرَ حبيب (انتجع: قصد، اعتفاه: طلب معروفه. سودد وخطوب: الحديث والمخاطبه. غشي المكان: أتاه. تغاديهم: تباكرهم. شماطيط: متفرقون. السَّروب: الصدور. العطن: المكان. عباديد: متفرقون. الشِّلو: الجسد، السغوب: الجوع. جاد المطر: كثر. صابت السماء الأرض: أمطرتها. المظنة: الموضع يظن أنه فيه. الألقاء: ما يطرح ويترك. أوجه كوابٍ: ذابلة حاسره. الجريب: مقدار من الأرض. منيب: تائب إلى الله. دمن: بقايا الدار. الكُنْه: حقيقة الشيء. الشَّعاع: التفرق). *** ـ 5 ـ يقول ابن الرومي في نكبة البصرة قصيدته المشهورة الطويلة (86 بيتاً) والتي منها: ذادَ عن مقلتي لذيذ المنامِ أي نوم من بعد ما حل بالبصرة لهفَ نفسي عليك أيتها البصرةُ لهفَ نفسي عليك يا فرضة البلد لهف نفسي لجمعك المتفاني كم أخٍ قد رأى أخاه صريعاً كم أبٍ قد رأى عزيز بنيه كم رضيع هناك قد فطموهُ كم فتاة بخاتم الله بِكْرٍ ربَّ بيعٍ هناك قد أرخصوهُ ربّ بيتٍ هناك قد أخربوه ربَّ ذي نعمةٍ هناك ومالٍ ربّ قومٍ باتوا بأجمع شملٍ عَرِّجا صاحبيَّ بالبصرة الزهر فاسألاها ـ ولا جواب لديها أين ضوضاءُ ذلك الخلقِ فيها أين فُلْك فيها وفلك إليها أين تلك القصور والدور فيها بُدِّلت تلكم القصور تلالاً سُلِّط البثق والحريق عليها وخلتْ من حُلولها فهي قفرٌ غيرَ أيدٍ وأرجلٍ بائناتٍ ووجوهٍ قد رمَّلتها دماءٌ وطئت بالهوان والذلِّ قسراً بل أَلِمَّا بساحة المسجد الجا فاسألاهُ ـ ولا جواب لديه ـ : أين فتيانه الحسان وجوهاً وا حيائي منهم إذا ما التقينا أيّ عذرٍ لنا وأي جوابٍ يا عبادي أما غضبتم لوجهي أخذلتم إخوانكم وقعدتم لم تغاروا لغيرتي، فتركتم كيف ترضى الحوراء بالمرء بعلاً وا حيائي من النبيِّ إذا ما أمتي أين كنتمُ إذا دعتني صرخت: يا محمداه! فهلاّ أدركوا ثأرهم فذاك لديهم لم تُقرّوا العيون منهم بنصرٍ عارهم لازم لكم أيها الناس لا تطيلوا المُقام عن جنة الخلد فاشتروا الباقيات بالعَرَض الأد شُغْلها عنه بالدموع السجامِ من تلكمُ الهَنَاتِ العظامِ لهفاً كمثلِ لَهْب الضِّرامِ إن لهفاً يبقى على الأعوام لهف نفسي لعزِّك المستضام تَرِبَ الخدِّ بين صرعى كرامِ وهو يُعلى بصارم صمامِ بشبا السيف قبل حين الفطامِ فضحوها جهراً بغير اكتتامِ طال ما قد غلا على السُّوّام كان مأوى الضعاف والأيتامِ تركوه محالفَ الإعدامِ تركوا شملهم بغير نظامِ اءِ تعريجَ مُدْنفٍ ذي سقامِ لسؤالٍ ـ ومن لها بالكلام: أين أسواقها ذوات الزِّحامِ؟ منشآت في البحر كالأعلامِ؟ أين ذاك البنيان ذو الإحكامِ؟ من رمادٍ ومن تراب ركامِ فتداعت أركانها بانهدامِ لا ترى العين بين تلك الإكامِ نُبذت بينهنّ أفلاق هامِ بأبي تلكم الوجوهُ الدوامي بعد طول التبجيلِ والإعظامِ مع إن كنتما ذوي إلمامِ أين عبّادهُ الطوالُ القيامِ؟ أين أشياخه ذوو الأَحلام وهمُ، عند حاكم الحكامِ حين نُدعى على رؤوس الأنامِ: ذي الجلال العظيم والإكرامِ؟ عنهمُ ـ ويحكم ـ قعودَ اللئامِ؟ حرماتي، لمن أحلّ حرامي وهو من دون حرمةٍ لا يحامي لا مني فيهمُ أشدّ الملامِ: حرّةٌ من كرائم الأقوامِ؟ قام فيها رعاة حقي مقامي مثلُ ردِّ الأرواحِ في الأجسامِ فأقّروا عيونهم بانتقامِ لأنّ الأديان كالأرحام فأنتم في غير دار مُقامٍِ نى، وبيعوا انقطاعه بالدوامِ (سجم: سال. الضِّرام: ما تضرم به النار. تَرِب الخد:أصابه التراب. شبا السيف: حدّه وطرفه. البثق: موضع انبثاق الماء. الحلول: سكان البيوت. الإكام: التلال. أفلاق هام: قِطَع الرؤوس. المدنف: العاشق). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |