جريدة الاسبوع الادبي العدد 1098 تاريخ 5/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قضايا تشكيلية: صالات العرض الخاصة بالفنون التشكيلية في سورية ما لها وما عليها ـــ عبد الله أبو راشد

ثمة حركة غير مسبوقة في ساحة العروض الفنية التشكيلية السورية، التي رسمت معالمها في الآونة الحالية صالات العرض الخاصة عموماً، وصالتي بيت الفن وأيام الفنون بمدينة دمشق خصوصاً، من كونها طفرة نوعية في تاريخ سورية التشكيلي، تفرد أشرعة المُغامرة ومراكب التجربة، وخوض غمار الزمن العولمي بجميع تجلياته. تُقحم المُنتَج الفني التشكيلي السوري، والفنانين في مدارات التسويق التجاري، باعتبارها سلعة ذات مقومات وخصائص جمالية متنوعة المدارس والاتجاهات.‏

تقترب من حرفية التسويق المحلي والعربي والدولي وفنون إدارته، وتفتح أبوابها المُشرعة على مصراعيها للدخول في ميادين المطارحات النظرية والمقولات، والمواقف المتناقضة والمتعارضة ما بين الفنانين التشكيليين أنفسهم من جهة، وأصحاب صالات العرض الخاصة من جهة ثانية، والمؤسسات الأكاديمية والنقابية والحكومية من جهة ثالثة. والصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة من ناحية رابعة، جعلت الجميع يدورون في فلك حلقة واحدة من تبادل الآراء والأفكار، سواء أكانت متعارضة أو متوافقة وحتى مُتناقضة.‏

ومن ضرورات القول: إن المُنتج الفني التشكيلي السوري، يُعد من أهم المكونات الثقافية في حياة المجتمع السوري بجميع أطيافه، ومن أكثر الفعاليات والأنشطة حضوراً في مساحة العروض البصرية، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يوميات عصرنا الراهن. محكوماً بالمبادرات الفردية ومرهوناً بالمؤسسات المدنية الأهلية النشطة في تقديم وجه سورية التشكيلي الجميل. وهي أنشطة مألوفة في إطار الأنشطة المدرسية وسابقة للإذاعة والتلفزيون. وموجودة قبل تأسيس كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1960، ونقابة الفنون الجميلة السورية كإطار حكومي نقابي ومهني وأكاديمي عام 1970. وما تشهده الصالات الخاصة الحاشدة بيوميات عروض المُنتج الفني التشكيلي السوري مع إطلالة 2008، ما هي إلا خطوات إضافية محمودة، تُضاف إلى سجل الأنشطة التي احتضنتها مديرية الفنون الجميلة بوزارة الثقافة، ونقابة الفنون الجميلة السورية مُنذ تأسيسها. والمؤسسات الحكومية ذات الصلة، مثل وزارات الإعلام والسياحة والدفاع والشؤون الاجتماعية. لاسيما المعارض الموسمية المُتصلة بالمناسبات الوطنية والقومية المتنوعة، ومعارض خريف دمشق وربيع حلب، والمعرض السنوي في مرحلة لاحقة.‏

إذ كانت وما زالت جميع المعارض تدور في فلك التجارب العفوية، المُناسباتية والمرتبطة بثقافة المجتمع وضروراته الاقتصادية، وثقافته البصرية المتناسلة من رغبات شخصية لفئات اجتماعية في الطبقات الأرستقراطية الميسورة، ومثقفي النخب من الطبقات الاجتماعية الوسطى التي كان لها أكبر الفضل، والأدوار الفاعلة في رعاية وحضانة وتعميم الثقافة البصرية، والمُتجلية في العاملين بحقول الدراسة الأكاديمية الجامعية والمدرسية، والأدب والصحافة اليومية والدورية المكتوبة.‏

في غياب المؤسسات الأكاديمية والمهنية الرسمية ذات الصلة بالفنون الجميلة التشكيلية، وتخليها المجاني عن لعب دورها الاجتماعي والثقافي، ومُغادرتها لمكانتها الوظيفية في سلم القيم الاجتماعية، نجد المنظمات الأهلية والشخصيات الوطنية ذات الاهتمام الشخصي، ويمتلكون حساسيّة ذوقية وتذوقية عالية المستوى، في مجالات وميادين الفن التشكيلي مُنتجاً وتسويقاً وفنانين، كفئات اجتماعية ميسورة مالياً، ومُحصنة بذهنية عمل إداري قادرة على تسويق العمل الفني التشكيلي، وفق نسب معيارية دولية عالية الكفاءة. تأخذ دورها الوظيفي كبديل طبيعي في إدارة مساحة العروض الفنية التشكيلية السورية، عوضاً عن مسارات الإدارة البيروقراطية الرسميّة. وبالتالي استنباط حلول تسويق مهنية جديدة، مفتوحة على مفاعيل تجارة السوق، وربط الفن والفنانين بآليات شراكة مُتفق بشأنها واضحة العقود والبنود. قد تكون في بداية التجربة مقتصرة على مجموعة محددة من الفنانين، ولكنها – باعتقادي – ستُغير وتطور آلياتها التفاعلية عِبر المنافسة المشروعة والمتوافقة ومتطلبات التسويق والسوق، وستجد كثير من التجارب الفنية التشكيلية السورية حظوظاً مناسبة، لأخذ دورها داخل مجرة بورصة الفن التشكيلي السوري المحلي والخارجي وتداعياته.‏

إن صالات العرض الخاصة بمدينتي دمشق وحلب، لم تكن بديلاً مقصوداً لصالات العروض الرسمية، بل جاءت تلبية لاهتمام جمهور الفن ورواده والمُشتغلين في حقوله، وبمثابة روافع دعم ومُساندة للحركة الفنية التشكيلية السورية والفنانين المُنتجين، ذات طبيعة ثقافية ومهنية مُتناسبة وتوسع حدائق الفنانين المُنتجين السوريين، وكانت موجودة سابقاً، وتسير في ظل وحضانة المؤسسات الرسمية ذات العلاقة الأكاديمية والمهنية.‏

لقد كانت لمحاولات الفنان التشكيلي السوري محمود دعدوش الأولى، في افتتاح صالة الفن الحديث بدمشق، أكبر الأثر في ولادة صالات العرض الخاصة بالفنون التشكيلية على امتداد البلاد. وتبعته في ذلك تجارب عديدة من قِبل الفنانين أنفسهم أو المهتمين بالشأن الثقافي والتشكيلي، أفل بعضها مغلقة أبوابها، وبقي بعضها الآخر يخوض متعته الخاصة والمرهونة بشجون المحاولة. ونذكر منها على سبيل المثال: (ايبلا، شورى، دمشق، أورنينا، السيد، أتاسي، عشتار1، عشتار 2، وفاء، آرام، دار المدى، دون كيشوت، إنانا، عالبال، الواسطي، ماما سعاد، أبولودور، فري هاند، بيت الرؤى، بيت سباعي، إيمار، ناجي العلي، تمر حنة، ملتقى الدار للثقافة والفنون، بيت جبري،أزمان، القواف، دار كلمات، بلاد الشام، الخانجي، مرسم فاتح مدرس، كروكي، ألفا الدائمة، محترف مصطفى علي، بيت الفن، وأخيراً صالة أيام الفنون.‏

هي محاولات جادة ومشكورة، ساهمت مجتمعة، ومتفردة في دفع مسيرة الحركة الفنية التشكيلية السورية خطوات مُتقدمة إلى الأمام، على طريق رصف الطريق متيناً للعابرين من الفنانات والفنانين التشكيليين السوريين، الراغبين في تحقيق ذاتهم الفنية والمالية داخل أسوار الوطن السوري وخارجه عربياً ودولياً، من خلال مشاريع أصحاب الصالات الخاصة بعيداً عن المؤسسات الرسمية ذات العلاقة.‏

لقد كانت تجارب أصحاب الصالات الخاصة محصورة في بداية الأمر بالمقتني السوري، ثم تجاوزته للمنطقة العربية، وهي محاولات مرهونة بقدرات أصحابها المتواضعة في مواجهة سوق العمل ومتطلباته، والقدرة المالية والمهنية على الاستمرار والمنافسة. وقد خدمت مثل هذه الصالات جمهور الفن مُنتجين أو مقتنين في فتح صفحة للترويج التجاري للفن. لكن القفزة المهنية التي سجلتها صالة أيام الفنون خلال عام واحد فاقت جميع التوقعات، وتجاوزت في أثرها وسمعتها الإعلامية جميع تجارب صالات العرض الخاصة بالفنون التشكيلية مُجتمعة، مالياً وإعلامياً ومقدرة فنية وإدارية ساعية لنسج شبكة من العلاقات العامة والخاصة في ميادين تجارة اللوحة، داخل سورية وفي أسواق تجارة الفنون في البورصات العالمية للفنون في دبي وأوربا وأمريكا. وقد وضعت بقية صالات العرض الخاصة في مدينة دمشق على وجه التخصيص في وضع لا تُحسد عليه وفي حيرة من أمرها، وبمواجهة مكشوفة مع ذاتها المهنية المتواضعة، وغير القادرة على مسايرة ومُجاراة الذهنية الفاعلة التي سارت عليها إدارة صالة أيام الفنون بدمشق، من قدرة تسويق إداري ومالي بأسعار مرتفعة جداً بالقياس لأسعار الأعمال الفنية في السوق المحلي الاعتيادي، من ناحية، وتقديم كتاب فني تشكيلي جامع لكل تجربة فنية، مطبوع بتقنية راقية وتوزع نسخه مجاناً للراغبين في اقتنائه من ناحية ثانية. وكنوع من وسائط الجذب البصري والثقافي واحترام وعي الفنان والمتلقي بآن معاً، وترسيخ تقاليد جديدة في مساحة العروض الفنية التشكيلية، وهي لفتة إيجابية بجميع المقاييس.‏

وأخيراً، يمكن الدخول في مساحة المراهنة على مُعطيات الواقع الفني التشكيلي وتجليات المستقبل، من موقع الاهتمام الشخصي والتخصص الأكاديمي والمتابعة، والقول: أن صالات العرض السورية الخاصة بالفنون مجتمعة، قامت بأدوارها الأخلاقية والجمالية والثقافية والاقتصادية في حدود قدرات أصحابها على التسويق والحركة. بالقياس إلى المؤسسات الأكاديمية والمهنية الرسميّة التي أمست عاجزة عن تقديم المُتيسر اليسير من التسهيلات المعنوية والمادية المرغوبة، وغير قادرة على المساندة المطلوبة للفنانين التشكيلين لاسيما على صعيد تسويق العمل الفني، وتخلي المؤسسات الرسميّة كلياً عن أدوارها في عملية الاقتناء والرعايةً، وبالتالي بحث الفنانين التشكيليين عن سبل تواصل تُمكنهم من الاستمرار بفنهم، وصون كرامتهم ومسيرة حياتهم المعيشية عبر "دكاكين" الفن وصالات العرض المتخصصة. وضرورة إقامة شبكة من العلاقات التفاعلية مع أصحاب الصالات، من ذوي الخبرة والكفاءة المهنية الملموسة والمتاحة في صالات العرض الخاصة، والمُجربة كخطوة عملية لا بدّ منها على طريق خصخصة الفنون عموماً، وصالات العرض الرسمية خصوصاً، وفي مقدمها صالتي الشعب للفنون الجميلة والرواق العربي بدمشق، ومثيلاتها في بقية المحافظات السورية، ووضعها بأيد مهنية وطنية قادرة على مفاعيل التسويق التجاري في ظل قوانين الاستثمار المتاحة، وفق عقود استثمار قانونية ومهنية لمصلحة الأعضاء العاملين في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، والخروج من دائرة البطالة المقنعة والوقت الضائع لأماكن واسعة، مكسوة بطبقات كثيفة من البيروقراطية والغبار.‏

وما تجربة صالة أيام الفنون التشكيلية بدمشق، إلا ظاهرة صحية وضرورية لرفع سوية الفن والفنانين فنياً وثقافياً ومالياً، وصورة واقعية عاكسة لروح المنافسة المشروعة، والبقاء للأصلح والأكثر فائدة، وإفادة للحركة الفنية التشكيلية السورية بجميع أطيافها الإبداعية، وللعاملين في سوق تجارة العمل الفني التشكيلي السوري داخل سورية وخارجها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244