جريدة الاسبوع الادبي العدد 1098 تاريخ 5/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

وكان رحيلاً بغير إياب.. ـــ محمد إسماعيل دندي

إنه رحيل الشاعر نصر علي سعيد يوم الاثنين، آخر يوم في آذار عام /2008/.‏

سريعاً سريعاً رحلت، وكان فراقك صعباً علينا، بغير وداعٍ، مضيت إلى عالمٍ سوف نمضي إليه جميعاً، وكل له وقته. أيا نصرُ: كنت الصديقَ، وكنت الوفيَّ، الوديع، المسالم، كنت الودود. أصابك من قبلُ داءُ (العشى)، فصبرت عليه. قليلاً قليلاً، تلاشى النظر، إلى أن نفد. وأمّا البصيرة فهي التي بقيتْ، تمدك بالذكريات وبالحلم، فتنظم شعراً توقعه على قيثارة من تراث الخليل بن أحمد. ذكرى السلف، ومازلت تنبض شعراً تطالعنا كل يوم به. ويوم سألت طبيبك: «لماذا أُحِسُّ بضغط على الصدر والقلب يا سيدي»؟ أجابك إن القصائد تبحث عن مخرج فتشدّ على الرئتين وحول الفؤاد، وسرَّك، هذا الكلام، فرحت تردده مرة بعد مرة.‏

لقد كان الشعر أكبر همومك فأنت تؤلفه وتردده وترسله إلى الصحف والمجلات، وتتابع مسيرته، وتلقيه في الأمسيات، وحين تنهي كتابة القصيدة تبعثها إلى إحدى الصحف وتتبعها بسلسلة من الهواتف لتعرف مصيرها وتستعجل نشرها، وكانت (فاتورة) الهاتف غالباً تفوق المكافآت التي تتقاضاها. أتُرى كنت تحس في أعماقك أن إقامتك لن تطول فأنت حريص على نشر أكثر ما تستطيع؟ لقد كنت تملك ذاكرة عجيبة، ساعدتك على حفظ قصائد كثيرة لشعراء كنت تحبهم وتفضلهم على غيرهم، وكان على رأسهم مظفر النواب، ويليه نزار قباني ومحمود درويش.. ومن مآثر ذاكرتك العجيبة، حفظك سجلاً كاملاً من أرقام الهواتف، فمتى احتجنا إلى رقم سألناك عنه، فكان جوابك فورياً وبمنتهى الدقة.‏

قبل خمسة وخمسين عاماً، يا أبا نضال، فتحت عيونك أول مرة على عالم حافل بالأسى والشقاء، فوجدت نفسك فقيراً في أسرة بائسة، وما إن درجت حتى بدأت المساعي المرهقة والأعمال الصعبة لتجني من المال ما تنفقه على احتياجاتك المتواضعة، تلقيت علمك في مدارس سلمية حتى نهاية المرحلة الثانوية، وانتسبت بعدها إلى جامعة حلب، ودرست في كلية الآداب، وحصلت على شهادة جامعية من قسم اللغة العربية وآدابها، وعلى الرغم من الضعف الذي بدأ ينتابك في النظر لكل الأشياء، فقد تم تعيينك مدرساً، ولكنك لم تمارسه إلا قليلاً حتى عاقك ضعف النظر، فحوّلوك إلى أعمال وهمية لتستريح وتنتفع.. ثم فضلت التقاعد المبكر..‏

وكان طموحك أن تكون شاعراً مرموقاً، ومما لا شك فيه أنك تحمل في داخلك موهبة الشعر، وقد نميتها بالتدريب المستمر والمحاولات الدائمة حتى استقام لك النظم وانصقلت موهبتك الشعرية، وكنت بحاجة إلى ثقافة عميقة، ولكن ضعف نظرك وضع حداً لثقافتك فأنت تعتمد على الأشرطة التي سجل أصحابها شعراً عليها، وتحتفظ في ذاكرتك بما تعلمته في المرحلتين الثانوية والجامعية، وأفادك طول التمرس فصار نظم الشعر سهلاً عليك، سَلسَتْ قصائدك، ورقّ إيقاعها، لكن العمق والجدّة قليلان فيها..‏

بين آذار /1953/ وآذار /2008/ اكتملت رحلة العلم والدراسة والعمل، والزواج وإنجاب ثلاث بنات وصبي واحد، وكان مشوار الشعر والانتساب إلى اتحاد الكتاب العرب، وكان آخر هذه الرحلة (جلطة) قلبية لم تمهلك سوى أيام معدودات، وانقض الموت عليك فأرداك.‏

أبكيك يا صديقي بدمع هتون، وأسترجع ذكريات عشرين عاماً مضت منذ عرفتك وجمعتنا محبة الكلمة وتذوق الحرف الجميل. لقد صحبتك في أسفار كثيرة وجمعتنا مجالس أدب وشعر. والتقينا على مآدب عامرة. وقلّما كتبت قصيدة إلا أسمعتنيها قبل أن ترسلها إلى الصحف أو تقدمها لأمسية، وكل يوم ـ ساعة القيلولة ـ يرن الهاتف فأعلم أنك أنت. اليوم سكت الهاتف وأعلن عليك الحداد...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244