|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الكتاب الأول ـــ ماري رشو سربلني الفرح ذلك الصباح وتدفقت بالفخر. كنت جديدة على نفسي ومجتمعي وبيتي، أمور أضفت على تلك الأيام مزيداً من المسؤولية، ومزيداً من الاهتمام، بغية المحافظة على المستوى اللائق للجديد الذي وصلت إليه. كيف لا؟ وقد ولد أول أعمالي، الذي انتظرته بفارغ الصبر. أعترف أن خروج الكتاب إلى النور، أنساني التجربة التي خضتها لتحقيق ذلك، نسيت لهفتي واندفاعي وتورطي وأنا أسرع الخطا ونصب عيني صورة مرتقبة لغلاف لم أكن أدري شكله، ولكتاب لا أعرف تماماً عدد صفحاته. أطلعتني الدار يومذاك على مجريات الأمور، فقد حصلت الموافقة على النشر، غير أن مشكلة كبيرة تعترضنا، فشحّ الورق المخصص للطباعة، سيعيق إنجازنا الكبير، وبالتالي سيتأخر تحقيق الحلم، الذي بات أهم عمل سأقوم به في حياتي. جلب لي الخبر الأسى والإحباط، غير أن القدرة الإلهية زوّدتني بالأمل، وأرشدتني إلى طريق الخلاص، فبدأ مشواري مع تحقيق الذات، والسؤال عن طريقة أصل من خلالها إلى مبتغاي، فكانت أولى الخطوات، وهي معرفة المسؤول عن تأمين الورق، وتوصلت آنذاك إلى أنها المؤسسة الاستهلاكية في دمشق، وبالتالي عليّ الوصول إليها، والسؤال عن تفاصيل لها علاقة بكل ذلك، وأهم من تلك الأمور، هو وجود الدعم الكافي، والحصول على استثناء، وتخصيص اللازم، لطباعة ألف نسخة من كتابي المصون. أفرحني يومذاك أن عمل أختي في اللاذقية، هو في الرقابة الداخلية للمؤسسة، وتسنّى لي الاطلاع على بعض التفاصيل، منها اسم المدير العام، وموقع المؤسسة في دمشق، وما علي قوله حين أريد مقابلة كهذه، وكنت ذلك الصباح مبتهجة، إذ وفّقت بالحصول على مقعد في باص الكرنك الوحيد، الذي ينقل المسافرين إلى دمشق، وكنت أتجه إلى هناك بسرية تامة، عليّ أن أحصل على ما أريد قبل أن يسبقني أحد، دار نشر مثلاً، أو كاتب ملهوف يشبهني. عند بوابة المؤسسة الرئيسي، سألت عن الأستاذ محمود الفلاح، وضعت اسمي أطلب المقابلة الهامة، وأعتقد أنني عبّئت بالغرور، إذ كنت مشروع كاتبة تعشق الأدب وتهاب الأدباء. ولم يطل انتظاري، إذ فتح الطريق أمامي، لأصبح أمام المدير العام، وأطلب بكل ثقة ما يلزمني من ورق. استجاب المدير لطلبي، وأعطاني وعداً بتأمين المواعين اللازمة لطباعة الكتاب، وسيتم ذلك إثر وصول شاحنة الورق، وما على المسؤول في دار النشر، سوى تقديم الطلب الذي سيتحقق حتماً، وللحال وبعد خروجي منتصرة، نقلت الخبر لصاحبة الدار، التي ستفرح بمساندتي ومساعدتي لها، وستدهش من سرعة الاستجابة التي حققتها بوقت قصير. عرفت ذات صباح، أن البهجة أصابت دور النشر والكتّاب معاً، فقد وصلت شاحنات الورق، التي ستذخر المكتبات بأهم الكتب، وتصل إلى كل مواطن، ويقرؤها الصغير والكبير، وربما تترجم إلى أهم اللغات في العالم. لكن ما حدث أحبط عزيمتي، فقد اكتشفت أن كتابي لم يبرمج ضمن الصادرات الجديدة، أما الأسباب التي صدّقتها آنذاك، فتقع مسؤوليتها على المؤسسة، التي لم تبرمج كتابي بين العناوين المعدّة للنشر، وبالتالي لن ينال كتابي فرصته الثمينة، أمور أيقظت عندي الأسى والأسئلة معاً، كان أهمها المدير العام الذي أخلف الوعد، فكان لا بد من المواجهة التي خططت لها ذلك اليوم. توجّهت في الصباح الباكر إلى باص الكرنك، وكنت هذه المرة أحفظ الخطوات، هذا ما فكّرت به طوال الطريق بين اللاذقية ودمشق، فلقد منيت بوعد لم يتحقق، وعليّ مواجهة المدير لتذكيره بالوعد أولاً، وبتهرّبه من المسؤولية ثانياً، وإصراري على حقي وما لي في ذمّتهم، ولا أدري وأنا أطرق باب غرفة المدير العام، هل اكتشف حالتي البائسة، فقد كنت مفجوعة بحلم لم يشأ له أن يرى النور. لكن، وبعد حديث قصير، استشفيت أنا ما صرف للدار من مخصصات، تشمل كتابي أيضاً، وقبل أن يدب اليأس إليّ، أتتني الفكرة فقلت بطريقة جادة: ـ أريد الموافقة خطياً. حدّق قليلاً ثم قال: ـ كما تريدين. أخرج ورقة وقلماً، وسطّر أمراً ينص على تسليمي مواعين الورق، بنوعية وصفها ب «غرامّاج /70/»، وأملى على سمعي تفاصيل أخرى حول المكان، ولست أدري إلى الآن، هل كان يعلم كيف ستكون خطواتي المقبلة؟ أم أن دوره انتهى عند الموافقة والتمنيات الطيبة؟ أذكر أنني شكرته من أعماقي، وخرجت مبتهجة، وكأن الكتاب قد خرج إلى النور للتو، وقررت بيني وبين نفسي، المحافظة على عنصر المفاجأة التي ستصيب صاحبة الدار، لتبدأ ذلك اليوم تجربتي مع أول كتاب. أوقفت سيارة أجرة وأمليت عليه العنوان، قلت: ـ حوش بلاس. التفت مستفسراً أكثر، قلت بثقة كاتب ممتهن وأنا أؤكد على الكلمات: حوش بلاس. انطلقت السيارة تتبعها أحلامي، وامتد الوقت وقارب الساعة، والسيارة العتيقة تئن وأحلامي تضجر، إلى أن توقفنا وقال: ـ هنا حوش بلاس. تململت قليلاً ثم هبطت، لا أدري كيف انقلبت من كاتبة مهمة، إلى امرأة تثير التساؤلات؟ أصبحت أنثى تلفت الأنظار، شعري ووجهي وثوبي المنقط، أما حذائي فقد أصبح عائقاً على قدمي، إذ كانت الأرض تعلو قليلاً أو تهبط قليلاً، لم أنتبه في البداية إلى أنني في منطقة محرمة على النساء، أو أن المنطقة تخص الرجال فقط، بأثوابهم الممزقة، وأقدامهم الحافية، كانوا عمالاً وحمّالين، وكان دور كل منهم، نقل المواد على أكتافهم من المستودعات، وحملها إلى عربات ال «سوزوكي» بينما تتساقط نقاط العرق نحو أعناقهم أو تتسلل بين ثيابهم، فتلتصق الأقمصة المهترئة وترسم خرائط مختلفة الأشكال. بالنسبة لي كان لدي عمل واحد فقط، وهو الوصول إلى من يهمه الأمر، ما أذكره أنني وجدت في العيون أكثر من سؤال، كان كل من قابلته يصاب بالدهشة، لم يسألني أحد ما الذي سأفعله بهذه المواعين؟ أو لماذا لم يأت رجل عوضاً عني؟ انهمكت بتحقيق الطلب الذي أتى بي إلى هذه المنطقة النائية، وبعد أكثر من ساعة اهتديت إلى مطلبي، وتأكدت من حصولي على المواعين، وما عليّ الآن إلا تأمين طريقة للنقل إلى دمشق، ابتهجت من جديد، فقد كنت أهلاً للعمل، واستطعت إثبات مقدرتي في وجه الصعب، وتحقيق الغاية التي سعيت إليها منذ الصباح الباكر. سألني سائق العربة: ـ إلى أين؟ قلت مؤكدة: ـ اتبع سيارة الأجرة التي سأستقلها. قال باستغراب: ـ لماذا لا تجلسين على المقعد قربي، ستوفرين أجرة السيارة؟ كدت ألبي نصيحته، لا من أجل التوفير، إنما لرفض التميز، لكنني أشرت لإحدى السيارات بالتوقف، وخلال دقائق كنا نغادر منطقة حوش بلاس، باتجاه دمشق. ما الذي جرى بعد ذلك؟ هبطت في أحد الشوارع، وبحثت عن طريقة أهتف بها لصاحبة الدار التي سمعت صوتي مرحبة، إلى أن قلت: ـ لقد أحضرت المواعين من أجل طباعة الكتاب، أين أضعها لك؟ كررت السؤال الذي لم تفهمه مطلقاً، قلت للمرة العاشرة: ـ ما بك؟ ألا تفهمين؟ لقد أحضرت المواعين من حوش بلاس. ـ ماذا قلت؟ ـ قلت، أين أضع هذه المواعين التي تملأ السوزوكي؟ لا أدري إن صدّقت، ما أدريه أنها راحت في ضحك متواصل، بينما كنت أدلي لها بعنوان المكان الذي أنا فيه. وأنتظر قدومها الذي أتى متأخراً. لن أصف ما حدث بعد ذلك، أو ما الذي فعلته بتلك المواعين؟ أم هل استفدت من تلك التجربة؟ أم أن ثقافتي عن أصول النشر توسّعت، ويكفي القول إن خسارتي ذلك اليوم تكللت بالأسى، على كتابي الذي سيتأخر صدوره من جديد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |