جريدة الاسبوع الادبي العدد 1098 تاريخ 5/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المؤرخ قتيبة الشهابي (1934 ـ 2008) عمر من الدأب والعمل لتدوين تاريخ مدينة دمشق ـــ غفران الناشف

في غمرة احتفالات دمشق عاصمة للثقافة العربية، صمت القلم باكياً وتوقف القلب عن الخفقان، رحل دون استئذان ودون أن نقوم بواجب التشييع اللائق وبرحيله فقدنا مؤرخاً كبيراً، عالماً أثرياً، خبيراً فنياً.‏

وأنا اليوم أكتب بعدما سبقني في ذكر مآثره العطرة أساتذة كبار، كتبوا عنه ذكرياتهم وتكلموا عن عطائه العلمي، أكتب بخجل المريد لمعلمه ، بخوف التلميذ من معلمه، فقد أغنت السطور عما يجيش بالصدور.‏

من المعروف أن أهل العلم هم الخالدون من بين الخلائق الذين يولدون ويموتون فلا يذكرون. أما العلماء فهم أحياء في حياتهم ومماتهم كما قال الشاعر العربي:‏

لعمر ما الرزية فقدُ مال‏

ولكن الرزية فقدُ حرُّ‏

وقال آخر:‏

أخو العلم حي خالد بعد موته‏

وأوصاله تحت التراب رميم‏

ومن يطلع على جهود فقيدنا العلمية من كتب طبية اختصاصية في طب الأسنان، وتاريخية كتب ودرس فيها تاريخ وأحوال الآثار، وتغير الأوابد والمعالم التاريخية لدمشق، هذه الجهود تهيّب كثير من فحول المحققين خوض غماره، وتحقيقه، لما لهذه الكتب والمراجع الخالدة من أثر علمي وتاريخي لكل من يبحث عن آثار دمشق، وإغناء للمكتبة العربية التراثية الخالدة وكل النقاد والمؤرخين يدركون أيّ جهد مضنٍ بذل، وأي إنتاج جليل أنجز، وأي صبر أوتي، وأي خدمة علمية صادقة سامية أدت.‏

كانت حياته عملاً شاقاً لكنه ممتع بالنسبة له ـ متصل جمع جزئياته وبنيته من كل مصدر، فكان الأثري الذي يجمع قطع بناء متناثرة ثم يحاول أن يردها إلى أصلها في صبر ودأب، لقد كانت أمانة التحقيق ومسؤولية البحث التاريخي بصمت وجدية في كل أعماله ـ نصب عينيه ـ وكان ذلك يدفعه إلى ميادين مختلفة من البحث والتنقيب كان في بعضها كالذي يحاول أن يلتقط حجراً بعينيه من بئر سمحة غزيرة، كما كان في بعض الأوقات كالذي لا يرضيه الضوء القليل بين يديه فيحاول أن يخرج الفتيل بأصبعيه فيأخذ منها النار، فلا هو أحياناً أبقى على أصبعه، ولا هو في أحيان أخرى أفاد ضوءاً جديداً.‏

استمرت رحلته المضنية في عالم التحقيق والبحث عن المصادر الموثوقة لأماكن دمشق التاريخية قرابة ثلاثين عاماً، تنقل فيها بين روائع التراث العربي والدمشقي، قارئاً شغوفاً، محققاً أميناً، مؤلفاً قديراً، يتتبع ذخائرها أينما وجدها، يزيح الغبار عن سطورها ليعيد إليها الألق والضوء، عرفت كتبه وزارة الثقافة مشكورة بطبعها وتوزيعها على المراكز الثقافية.‏

لقد ترك لنا تراثاً ماتعاً سيبقى أمانة في فضائنا التاريخي والعلمي، فيالحظ من يترك لنا مثل هذه الأمانة الغالية على دمشق وتاريخها الماضي والحاضر، بل كانت مؤلفاته التاريخية لنا ـ المهتمين بدمشق وتاريخها ـ مرجعاً تراثياً تاريخياً موثقاً قلّ نظيره وفضلاً عن تعمقه في أمهات الكتب، ولا أبالغ إذا قلت أن هذا الكنز التاريخي العظيم عرف من خلاله وبكل تواضع أسميته (ابن عساكر القرن العشرين).‏

منذ أكثر من سنة طلبت مني الآنسة فادية مصارع وهي زميلة وصحفية في جريدة الثورة الاستئناس برأي فيمن تكتب عن المبدعين في هذا الزمان الذي قلّ فيه الابتكار وشحّ فيه الإبداع فوقع اختياري على شيخ مؤرخي دمشق المعاصر الدكتور قتيبة الشهابي ـ وأذكر مشاعرها المتوجة بلقاء مؤرخ يواعد الموت كل ساعة فينساه الموت أيام، وأعود بالذاكرة إلى هذا اللقاء الصحفي الممتع، ويخرُّ بقلبي ما قاله بحسرة: (لا تتذكرون المبدع إلا حين يموت) وعند حديثه عن الاحتفالية: (المسؤولية تطال الجميع، ولا أحد خارج دائرة المسؤولية فيما مضى وما هو آتٍ، ولا سيما الاحتفاء بدمشق عاصمة الثقافة العربية).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244