جريدة الاسبوع الادبي العدد 1098 تاريخ 5/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

«لن أسافر» لا: «سوف لن أسافر» ـــ د.غازي طليمات

من خصائص العربية احتفالُها بالزمن، وتعبيرُها عنه بالأفعال والأسماء والحروف. وربّما كانت الحروف أقل أقسام الكلام دلالة على الزمن، وعلى الرغم من هذه القلّة، فإنها تستطيع بالحرف أن تعبِّر عما يُعَبَّرُ عنه بالظرف. ولها في هذا الميدان لطائفُ يحسن تذوُّقُها، ويجبُ التنبيه على مخالفتها، لأن المخالفة قد تدلّ على غير ما يريدُ المتكلم أن يقول. ومن أشنعِ المخالفات قولُ من يقول: سوف لن أفعلَ. والصوابُ: لن أفعل.‏

الحرفان (لا) و(ما) النافيان يخلصان المضارع للحاضر، كقول النبي ( في الأنصار: لا يحبُّهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافقٌ. وقوله أيضاً: «ما يسرُّني أن عندي مثل أُحُدٍ ذهباً..» و(لم) تقلب المضارع ماضياً و(لما) تنفي وقوع الفعل في الماضي وتجعله متوقّع الوقوع في المستقبل القريب، و(السين) تجعل الحاضر مستقبلاً قريباً و(سوف) تجعله مستقبلاً بعيداً. والأمثلةُ على هذه الأدوات أكثر من أن تحصى في الكتاب والسنة وفي الشعر والنثر مما يُحتجُّ به من كلام العرب والفصحاء.‏

الأداةُ التي يعنينا معناها واستعمالُها ههنا هي «لَنْ»، فهي تنفي وقوع الفعل الذي تباشره من وقت النطق بها إلى يوم القيامة، أي: تخلِّص الفعل المضارع للزمن المستقبل، لكنها تمنع وقوعه، فهي إذاً ضدُّ «سوف» فإذا قلت: لن أسافر إلى القُطب الجنوبي، فقد نفيت سفرك إليه ما عشت، ما قصر من عمرك وما طال، لكن نفي البعيد أظهر وأقوى.‏

ومن أشنع الأغلاط وأشيعها، وأكثرها ذيوعاً في نشرات الأخبار، ومحاورات الأدباء والساسة، ومقالات الكتاب قولُ من يقول: سوف لن يشارك فلانٌ في المؤتمر. وموضع الشناعة فيما يقول أن «سوف» ترجئ وقوع فعل متوقَّع، لأنها تستعمل في الإثبات، وأنّ «لن» تنفي وقوع هذا المتوقّع، فكيف يجتمع الضدّان، وكيف يأتلفُ الندّان، فيجاور السلبُ الإيجابَ، ويعانق التمنُّعُ التوقُّعَ، ويحالف الإنكارُ الإقرارَ؟‏

مَنْ يستعرض كلام العرب يجد أنهم وصلوا السين وسوف بالفعل وصلاً واجباً، ولم يفصلوا بين الأداة والفعل بظرف، فلم يقولوا: سوف غداً أسافر، على الرغم من أن «غداً» بعضُ المستقبل، والجملة خالية من النفي، فكيف يقول المُحْدثون: سوف لن أسافر، و«لن» فاصلةٌ نافية، تنفي ما في سوف من نية السفر؟‏

قال النحاة وعلماء اللغة: «لا يجوز أن يؤتى بـ «سوف» و«لا» معاً, ولا بـ«سوف» و«لن» معاً، فلا يقال: سوف لا أفعل، ولا يقال: سوف لن أفعل»، وكلام النحاة واللغويين مُسْتلهم من الفصيح الذي يُحتجُّ به. قال تعالى: ?فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً?، وقال أيضاً: ?وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً?، نفى في الأولى المستقبلَ القريب، ونفى في الثانية المستقبلَ البعيد، ولم يستعمل «السين» أو «سوف» وقال أبو طالب:‏

والله لن يصلوا إليك بجمعهم‏

حتى أُوسَّد في التراب دفينا‏

وبرَّ أبو طالب بقسمه، فلم يصل المشركون إلى ابن أخيه في حياته ولا بعد وفاته، ولئلا يصل اللحن إلى لسانك، فإيِّاكَ وأبشعَ اللحن، وهو الجمع بين «سوف» و«لن».‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244