جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الغضب العاقل! ـــ عصام خليل

رفضت محكمة هولنديّة حظر فيلم «فتنة»، الذي يسيء إلى القرآن الكريم، بحجة حريّة التّعبير!! وقد سبق أن قامت مجلة دنمركية، بنشر رسوم مسيئة للنبي الكريم، بحجّة حريّة التّعبير أيضاً! وأدّى ذلك إلى ردود فعل غاضبة، في معظم البلدان العربيّة والإسلاميّة،‏

فخرجت مظاهرات حاشدة، تجاوزت، في بعض البلدان، حدود الاحتجاج، إلى مهاجمة السّفارات الدنمركية، في بعض العواصم ـ ومنها دمشق ـ وتحطيم ما استطاعت الأيادي الغاضبة أن تصل إليه من ممتلكات السّفارات، وصولاً إلى اقتحام بعضها، والسّعي إلى إحراق بعضها الآخر.‏

ولا شكّ أن الغضب العربيّ، والإسلاميّ مسوّغ، وردود الفعل التي نجمت عنه متوقّعة، وإن تجاوز بعضها حدود التّعبير السّلميّ، ولكنّه ـ للأسف الشّديد ـ كان يشتعل في الاتجاه الخاطئ!! فقد ارتفعت حدّة الغضب ضدّ الدنمرك، وهي دولة ضعيفة على المستويين السّياسيّ، والعسكريّ؛ وطالب من طالب من الجمهور الغاضب بمقاطعة بضائعها، وهدّد من هدّد من الحكومات بقطع العلاقات معها؛ والسؤال الّذي يتبادر إلى ذهن أيّ مراقب: هل كان ردّ الفعل العربي والإسلامي، على المستويين الرّسمي والشّعبي، سيتّسم بذات الحدّة والغضب، لو صدرت هذه الرّسوم في مجلّة أميركيّة!!!؟‏

هل سيتجرّأ العرب والمسلمون على المطالبة بمقاطعة البضائع الأميركيّة؟ وهل ستتجرّأ حكوماتهم على التفكير ـ وليس التّهديد ـ بقطع العلاقات مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، التي احتلّت العراق في مثل هذه الأيام، منذ خمس سنوات، وعاثت فيه قتلاً، وتدميراً، وتهجيراً، وانتهاكاً لكل معتقدٍ مقدّس؟‏

إنّ الواقع العربيّ والإسلاميّ يشير إلى استحالة ذلك! وهذا يعني أنّ ردّ الفعل، سوف يظلّ نوعاً من أنواع التّنفيس، وشكلاً من أشكال الغضب الأهوج؛ لأنّ الغضب العاقل يعرف عدوّه جيّداً، ويتوجّه إليه بما يملكه من قدرة على الرّد، ولا ينصرف عنه إلى شريك هامشيّ، أو فاعل ثانويّ، لأنه ضعيف، أو لأنه لا يتجرّأ على الفاعل الحقيقيّ!!‏

يعرف العرب والمسلمون، أن الولايات المتحدة الأميركيّة تنتهك مقدّساتهم يوميّاً في فلسطين، والعراق، والسّودان، والصّومال، وأفغانستان..... ويعرفون أنها شريك كامل في الاعتداء «الإسرائيلي» اليوميّ، على أولى القبلتين وثاني الحرمين، وأنها تنهب ثرواتهم، وتقتل حاضرهم ومستقبلهم، فأين ردّ الفعل العربيّ والإسلاميّ على الجرائم الأميركيّة، وعلى الحكومات والأنظمة العربيّة والإسلاميّة السّاكتة عنها؟ وبعضها متواطئ، وبعضها شريك!!!‏

أليس من المفارقات المهينة للعرب والمسلمين، أن تتذرّع محكمة أوروبيّة، بحق حريّة التّعبير، لتسوّغ الإساءة إلى معتقدات أكثر من مليار، وربع المليار من البشر، في حين تجرّم هذه المحاكم من يشكك بالمحرقة النّازيّة!!!‏

وإذا كانت حريّة التّعبير حقّاً مقدّساً ـ وينبغي أن تكون كذلك ـ فلماذا حوكم غارودي، واعتقل ديفيد إيرفنغ، ومنع بث قناة المنار الفضائيّة في أوروبّا!!؟ ألم يكن هؤلاء يعبّرون عن رأيّ؟‏

أم أنّ الحقّ المقدّس يتحوّل إلى جريمة، عندما ينقّب الفكر في جذور المشروع الصّهيونيّ، وينبش أضاليله، ويكشف زيف ادّعاءاته، ويفضح حقيقة الاحتضان الغربيّ «لإسرائيل»، بوصفها مشروعاً استعماريّاً، لحماية مصالحهم؛ فلا حريّة تعبير ولا من يحزنون!!!؟‏

إنّ ما يحدث من إساءات، ليس مصادفةً أنتجها شذوذ فكريّ لمهووس معادٍ للعرب والمسلمين؛ لكنّه برنامج مدروس لانتهاك المقدّسات الإسلامية، يحقن به العالم الإسلامي على جرعات متتالية، وكلّما انخفض معدّل ردّ الفعل ارتفع سقف الجرعة! حتى لا يجد العرب والمسلمون ما يغضبون له، أو عليه!!‏

فهل يكون الغضب العربيّ والإسلاميّ عاقلاً، وفاعلاً، فينصبّ على عدوّه الحقيقيّ، والفاعل الأساسيّ، بلا «مرجلة» على الأتباع الضعفاء!!؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244