جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

غرباء في وطنهم: عرب 1948 في ظل الممارسات"الإسرائيليّة" العنصرية ـــ فادي أبو حسَّان

"... كوني تحملتْ الكثير من اضطهاد النازيّة وشرورها, وما زلت أدينها فإنني أشعر الآن بمسؤولية وواجب يحملان على إدانة النازيّة الصهيونيّة التي هي بمثابة تجديف على اسم الرب, إن المجدفين على اسم الرب هم أولئك الذين يسيرون على آثار هتلر ويقتفون خطواته, إنها تلك الفئة التي تجعل التهجير حقاً والاضطهاد عدلاً".‏

إسرائيل شاحاك‏

تبرز العنصرية وعقلية الغيتو ضد عرب 1948, واضحة في السياسات الرسمية "الإسرائيليّة", إذ باتت نهجاً ثابتاً تحوّل مع الزمن.. إلى مجموعة من القوانين الأساسية تحكم علاقة "إسرائيل" بأصحاب أرض فلسطين الأصليين.‏

فإسرائيل تفتقر حتى اليوم إلى دستور رسمي مكتوب، إذ إنه في (8 تموز/يوليو 1948) قرر الكنيست صياغة دستور "إسرائيلي" على مراحل، من خلال تشريع قوانين شبه دستورية, سميت القوانين الأساسية وتتعلق بالفصل بين سلطات "الدولة"(1)، وقد صدر عن الكنيست أول قانون أساسي يتعلق بالحريات عام(1992)، وهو قانون (كرامة الإنسان وحريته)، إلا أن هذا القانون لم يتعرض إلى مسألة المساواة بين جميع مواطني دولة "إسرائيل". بل أكد على يهوديّة الدولة، وحتى اليوم مازالت "إسرائيل" بلا نص قانوني يساوي بين مواطنيها العرب واليهود، على الرغم من وجود قوانين "إسرائيلية" تنص على حقوق المساواة بالنسبة للمرأة والمعاقين (اليهود). ما يعد نصاً صريحاً على تجاهل حقوق العرب الذين ظلوا تحت سيطرتها منذ العام (1948) .‏

وعليه نستعرض بعض ملامح التمييز والتفريق العنصريّ ضد العرب، من خلال التشريعات "الإسرائيلية" فى مجالات الحقوق السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة. لكن يجب علينا البدء بأهم وأقدم القوانين العنصريّة في "إسرائيل"، بوصفه سابقة قانونيّة لا مثيل لها، عبر التاريخ البشري كله ألا وهو قانون العودة والجنسية.‏

(قانون العودة والجنسية (الإسرائيليّ):‏

سنتْ "إسرائيل" في عام (1950) قانون العودة لليهود، وينص على منح يهود العالم كلهم الحق في المجيئ إلى "إسرائيل"، والاستقرار فيها, والعمل والتملك. والحصول تلقائياً على جنسيتها، وهذه الميزة لا تمنح إلا لليهود، بل ويحصلون على حق المواطنة دون طلبهم بمجرد دخولهم إلى أرض "إسرائيل". ويظهر من القانون أن الرابطة التي تحكم المواطنة ليست رابطة الأرض، بل رابطة الدم‏

أما الفلسطينيون الذي شُرِدَوا قسراً من ديارهم قبل أول آب/أغسطس )1948)، فقد حُرٍموا حق العودة إليها. فيما ضُيق (إلى أقصى الحدود) حق الجنسية لمن بقي من الفلسطينيين في "إسرائيل". فالفلسطيني الحاصل على الجنسية "الإسرائيلية"، لا تمنح زوجته الإقامة، إذا كانت عربية من خارج الخط الأخضر، طبقاً لأحدث القوانين العنصرية داخل "إسرائيل"، والتي حاولت بها منع التواصل بين عرب 48 وبقية الشعب الفلسطيني، أو الدول العربية.‏

وفي هذا السياق تجدر الإشارة, إلى أن "إسرائيل" ما إن قامت حتى فرضت على العرب الذين ظلواتحت سيطرتها حكماً عسكريَاً صارماً, وحجزتهم في مناطق مغلقة, ومنعتهم من التنقل من مكان إلى آخر إلا بتصريح من الحاكم العسكريّ.‏

(العنصرية والتمييز ضد المواطنين العرب في الحقوق السياسية:‏

يبلغ تعداد عرب 48 داخل "إسرائيل" نحو مليون وربع المليون نسمة، من ستة ملايين نسمة هم جملة المجتمع "الإسرائيلي"، ومع ذلك لم تصل نسبة النواب العرب فى الكنيست لأكثر من (10%)، فى أي انتخابات منذ إعلان "دولة إسرائيل" وحتى الآن، ما يؤكد أن هناك تعدٍ واضح على الحقوق السياسية لعرب 48، ويحدث ذلك نتيجة لجملة من القوانين العنصرية، لعل أبرزها قانوناً ينص على أن تمنع القائمة الانتخابية من انتخابات الكنيست، إذا كانت أهدافها، أو أعمالها، تؤدي صراحة أو ضمناً إلى واحدة من النقاط التالية:‏

1- إنكار وجود دولة "إسرائيل"، كدولة للشعب اليهودي.‏

2- إنكار الطبيعة الديموقراطية للدولة.‏

3- التحريض على العنصرية.‏

يتضح من النقاط الثلاث أن تعارضاً واضحاً بين الأولى والثالثة، فالأخيرة تناهض العنصرية، بينما النقطة الأولى تحض عليها، كما تنفي النقطة الثانية المتعلقة بديموقراطية الدولة. وهذا النص مفاده أن «أي حزب سياسي داخل "إسرائيل"، يطالب بالمساواة بين العرب واليهود، سيمنع من دخول الانتخابات بذريعة إنكار وجود "دولة إسرائيل"، كدولة للشعب اليهودي»، وهو ما يحدث قبيل كل انتخابات تقريباً ، حيث يحتج اليمين المتطرف فى "إسرائيل"، أمام المحكمة العليا لمنع إحدى القوائم الحزبية العربيّة أو اليساريّة، لتعارض برامجها مع يهوديّة الدولة. وعلى الرغم من أن الديموقراطية - التي تزعمها إسرائيل - تعطي الحق للمواطنين فى التغير، فإن القانون الإسرائيلي يشترط على العرب شرطاً مسبقاً، هو عدم المطالبة بإنهاء التمييز العنصري القائم، إذا هم أرادوا دخول الكنيست!‏

و القانون نفسه يمنح أي يهودي فى العالم الحق فى الترشيح للكنيست، أو رئاسة الحكومة، إذا هو أراد وما عليه سوى الهجرة إلى "إسرائيل" ليحصل على حقوق المواطنة كاملة، بينما يحرم العربي الموجود في "إسرائيل" من حقه فى الترشيح للكنيست، إذا هو طالب بالمساواة مع باقي مواطني (الدولة).‏

(العنصرية في المجال الاقتصاديّ والاجتماعيّ :‏

بلغ معدل دخل الفرد فى "إسرائيل" عام 2000 (17.600) ألف دولار، وانخفض هذا المعدل بفعل انتفاضة الأقصى ، والتى أثرت سلبياً على الاقتصاد "الإسرائيليّ"؛ لكن الحديث عن معدل دخل الفرد فى "إسرائيل" لا ينطبق على العرب فيها، والتي يهبط معدل دخل الفرد العربيّ إلى نسبة (60- 70%) من معدل دخل الفرد اليهوديّ، وذلك نتيجة لتطبيق قوانين اقتصادية تميز اليهود عن العرب، مثل قانون أملاك الغائبين وقوانين منح الإعانات والقروض.‏

* قانون أملاك الغائبين لسنة 1950 :‏

استملكتْ "إسرائيل" بموجبه الأراضي التي كانت لـ(300) قرية عربيّة تقريباً, أي نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون دونم,وهي ملكٌ للاجئين العرب الذين طُردوا من قراهم ووطنهم إلى الدول العربيّة, وسمتهم "إسرائيل" غائبين.‏

والغائب, بحسب هذا القانون, هو كل عربيّ فلسطينيّ انتقل من مكان سكناه إلى أية دولة عربيّة, أو إلى أي مكان آخر في فلسطين نفسها بعد صدور قرار تقسيم فلسطين. وقد شمل هذا التعريف آلاف العرب الذين ظلوا في "إسرائيل", وأصبحوا, بموجب هذا القانون, "حاضرين غائبين". وعليه, أصبحتْ أراضيهم وأملاكهم في أول الأمر تحت سيطرة وإدارة القيّم على أملاك الغائبين, ثم نُقلتْ ملكية تلك الأراضي والأملاك إلى دائرة الإنشاء والتعمير, التي هي إحدى أذرع (الدولة), وذلك لمنع إعادتها إلى أصحابها إذا كانوا حاضرين. فإذا أصدر القيّم على أملاك الغائبين شهادة بأن شخصاً ما في عداد الغائبين, أو أن عقاراً أو أرضاً ملك غائب, تصبح الملكية تابعة للقيّم, وعلى صاحبها أن يثبت العكس.‏

* الإعانات :‏

تشجع "إسرائيل" على زيادة المواليد بها فى محاولة لمواجهة الخطر الديموغرافيّ، المحيط بها، لذلك تدفع الدولة إعانة شهرية لكل مولود، لكن هذه الإعانة لا تصرف إلا لليهود، بصورة آلية, دون العرب، بذريعة عدم خدمة العرب فى الجيش "الإسرائيليّ"، أو عدم قيامهم بخدمات وطنية، وتستخدم "إسرائيل" ذريعة (عدم الخدمة بالجيش) فى أغلب حالات التمييز الاقتصاديّ ضد عرب 48، مثل منح الدولة لقروض الإسكان الكبيرة، والمخصصة لليهود فحسب، أما عند طلب العربيّ لقرض حكوميّ فإنه يحصل على (68)ألف شيقل، بينما يحصل نظيره اليهودي على (118)ألف شيقل، كما يُحرم الطالب العربيّ من الإعانة الشهرية والتى يحصل عليها نظيره اليهوديّ بانتظام, وحتى في حالات الإعلان عن وظيفة، يتم إقحام شرط الانتهاء من الخدمة العسكرية، من أجل حرمان العرب من شغل تلك الوظائف، ويمنح القانون "الإسرائيليّ" كافة المميزات الاقتصادية لطلاب المدارس الدينية اليهودية، على الرغم من أنهم لا يخدمون بالجيش، ولا يتم مساواة العرب بهم. فضلاً عن إهمال السلطات "الإسرائيلية" المتعمد للمناطق ذات الكثافة السكانية العربية، وتركز السلطات مشروعاتها الاقتصادية فى المناطق ذات الكثافة اليهوديّة.‏

علاوة على ذلك لا تحظى عشرات القرى العربيّة داخل "إسرائيل" بالخدمات الضرورية كالكهرباء، والهواتف، والمياه النقية، والمرافق الصحية والتعليمية، وذلك لعدم اعتراف السلطات بهذه القرى (قرى النقب مثلاً)، بذريعة مخالفتها لقانون التخطيط والبناء القوميّ، على الرغم من أن هذه القرى أقدم من "إسرائيل" نفسها، ويقطن هذه القرى أكثر من(75)ألف عربيّ، كلهم من البدو، وحظرت "إسرائيل" على الشركات الخاصة إمداد تلك القرى بالكهرباء، أو المياه الصالحة للشرب، أو خدمات الهاتف، إلا إذا حصلت على تصريح رسمي بذلك وهو ما لا يحدث فى الغالب!.‏

(العنصرية في المجال الثقافيّ: تسعى "إسرائيل" ومنذ قيامها إلى أسرلة المجتمع العربيّ الموجود داخلها وذلك بفرض الثقافة "الإسرائيلية" على العرب، ولأن هذه الثقافة ليست إلا خليطاً من ثقافات عدة، فإن جهود الحكومات "الإسرائيليّة" المتعاقبة تركزت على فرض اللغة العبرية كلغة رسمية، فنجد أن السلطات لا تصدر قراراتها إلا بالعبرية، وكذلك القوانين، وأحكام القضاء، دون ترجمتها إلى العربية. ويطالب قانون المواطنة "الإسرائيليّ" من يتقدم للحصول على الجنسية الإسرائيلية بأن يعرف شيئاً من العبرية، ولا يشترط معرفة شيء من العربية.‏

كما تُدرس اللغة العبرية كمادة أساسية للطلاب العرب من الصف الثالث وحتى الثانوية العامة، وتدرس في المدارس والجامعات قيم التراث اليهودي، وتاريخ اليهود؛ ولا يوجد في "إسرائيل" جامعة عربية واحدة، على الرغم من أن خمس سكانها من العرب، إذ تبلغ نسبة الطلاب العرب بالجامعات "الإسرائيلية" (5 - 6%)من مجموع الطلاب، وهى نسبة أقل كثيراً من نسبة السكان العرب إلى مجموع السكان فى "إسرائيل"، ويبلغ عدد الأكاديميين في الجامعات "الإسرائيليّة" نحو (5000) أكاديميّ، ليس فيهم إلا عشرة من العرب, ومع ذلك أصدرت وزارة التربية الإسرائيلية قراراً يفرض على الطلاب العرب اجتياز اختبار للذكاء قبل دخول الجامعة، وليس الحصول على الثانوية العامة كما هو المعتاد، وذلك فى محاولة لتقليص عدد الطلاب العرب في الجامعات. ولم تجد الوزارة المذكورة سوى الخدمة بالجيش، للتذرع بها لفرض هذا الاختبار وبررت ذلك بأن الطلاب اليهود يخدمون بالجيش، مما يسبب تأخر حصولهم على الشهادات الجامعية، بينما الطلاب العرب يحصلون عليها أسرع.‏

بلا شك يمكن القول إن العنصريّة "الإسرائيليّة" من أبغض العنصريات التي مرتْ في تاريخ البشريّة؛ هذه العنصريّة التي شابهتْ العنصريّة النازيّة بشهادة اليهود أنفسهم. إذ يقول البروفيسور "الإسرائيليّ" (إسرائيل شاحاك):‏

"... كوني تحملتْ الكثير من اضطهاد النازيّة وشرورها, وما زلت أدينها فإنني أشعر الآن بمسؤولية وواجب يحملان على إدانة النازيّة الصهيونيّة التي هي بمثابة تجديف على اسم الرب, إن المجدفين على اسم الرب هم أولئك الذين يسيرون على آثار هتلر ويقتفون خطواته, إنها تلك الفئة التي تجعل التهجير حقاً والاضطهاد عدلاً".‏

المصادر‏

- أنيس شقور, النظام القانونيّ والنظام القضائيّ في "إسرائيل", دليل إسرائيل العام, مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة, بيروت,1997.‏

- إيليا زريق, أوضاع الفلسطينيّين في "إسرائيل", دليل إسرائيل العام, مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة, بيروت,1997.‏

- محمود ميعاري, التركيب السكاني في "إسرائيل", دليل إسرائيل العام, مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة, بيروت,1997.‏

- دليل إسرائيل (2004), مجموعة من الباحثين, مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة, بيروت,2004.‏

1- نذكر من هذه القوانين:( قانون أراضي إسرائيل, قانون اقتصاد الدولة, قانون الجيش, قانون القضاء, قانون مراقب الدولة, قانون الكنيست, قانون رئيس الدولة, قانون الحكومة). ومن الجدير ذكره هنا إلى أنه لا يجوز تغيير هذه القوانين الأساسية أو إبطالها في الكنيست إلا بأغلبية خاصة وغير عادية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244