|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في الذكرى الخامسة لسقوط بغداد : أيها الأميركيون إنكم تخربون الحياة ـــ بشير عاني ربما مزق الأحبار، الذين نقلهم نبوخذ نصر البابلي إلى بلاده، ليبقوا هناك مئات السنين، ربما مزقوا خلسة من الملحمة ذلك الفصل الذي يتحدث عن مواجهة جلجامش مع الكاوبوي الأمريكي، هذه المواجهة التي تجري اليوم في العراق ويمثل فيها أصحاب الأرض، وبلا أي شك، جانبها الملحمي والمقدس . قيل الكثير عن هذه الحرب ليتم اختزالها إلى : أولى حروب القرن . هل كان هذا غريبا .. وهل يمكن لنا اليوم، وبعد خمس سنوات من سقوط العاصمة العربية الثالثة، بعد القدس وبيروت عام 1982، أن نستعيد ما جرى، متخففين قدر الإمكان من الحمولات السياسية المباشرة؟ هل يمكن لنا هذا بعد سنوات من حرب قذرة فرضت، وما تزال، على شعب خارج لتوه من ويلاتها .. ؟ أولى حروب القرن .. !! علامة مسجلة بامتياز للعراقيين والأنكلو سكسون، سيسجلها التاريخ المكتوب والمتلف، رغم اختلاف الأهداف والنوايا بين المتحاربين، فالعراقيون كل همهم الدفاع عن النفس والبقاء متعلقين بأذيال التاريخ، هذا الذي كتبوا لوحدهم أكثر من نصفه، والأمريكيون كل همهم تمزيق هذا التاريخ، هذا الذي يساهمون الآن بكتابة بطاقات نعيه.. من هنا لم يكن عبثا أن ينخى العراقيون الناموس والوجدان النظيف للبشرية .. ومن هنا لم يكن عبثا أن يروج الأمريكيون لنهاية التاريخ .. وللصدام القادم بين الحضارات !! الأمريكيون يدركون جيدا بأنهم في كلا الحالتين، حالتي التاريخ والحضارة، هم خارج الموضوع، فالتاريخ لا يعنيهم كثيرا، لأنهم جاؤوا إليه متأخرين، فيما كان إسهامهم الحضاري الأكبر استثمار منجزات الحضارة وسكبها في طنا جرهم .. طناجر النهب والجريمة .. والأمريكيون انتهازيون .. تلفيقيون : فهم، رغم تبشيرهم بنهاية التاريخ، الذي تقف الرأسمالية اليوم على عتبته العليا لتؤدي فصله الأخير حسب زعمهم، لا يجدون حرجا، عندما تستدعي مصالحهم، من إعادته بسرعة إلى نقطة الصفر الإنسانية حيث القطيع وشريعة الأقوى، مضحين بآلاف السنوات من النمو الأخلاقي والحقوقي للبشرية . أيضا، هم لا يجدون حرجا، عندما تستدعي مصالحهم أيضا، من مد أياديهم إلى كيس التاريخ لإخراج بعض اللقى السياسية والفكرية، لتلميعها واستخدامها كزينة لمشاريع نهب قادمة، وهل العودة إلى الاحتلال المباشر والترويج له فيما يتعلق بالمثال العراقي إلا من قبيل هذا ؟ إنهم بامتياز.. خارجون عن التاريخ ..! والأمريكيون متناقضون .. مخادعون .. فقبل أن ينجلي غبار أحداث 11 أيلول .. وقبل أن تتحدد هوية الفعلة، كان الرئيس الأمريكي يهذي بحرب صليبية، سبق هذا الهذيان وتلاه هذيان فكري، ثقافي، سياسي داخل مؤسسات المجتمع الأمريكي، يُنذرُ بأن الصراع القادم سيكون وجها لوجه بين الحضارات، وربما، وفي إحدى وجوهه، بين (غرب) متمدن و(شرق) متخلف.. من المؤكد أن استغلالا ما، قد طُبخ لهذه الفكرة .. وأن أسبابا سياسية وعنصرية و استعمارية كانت وراء ذلك، فالاصطراع بين الثقافات المختلفة كان على الدوام موجودا، متحركا بخفية بين أنسجة التاريخ . ومن المؤكد أيضا أن هؤلاء المستغلين، الواقفين على رصيف حضاري محدد الهوية (الغرب) لم يقصدوا الرصيف الحضاري الأخر برمته (الشرق)، فاليابان والصين والهند مثلا، كانت على الدوام مثار أخيلتهم وشوقهم المفتوح لرؤية الوجه الأخر للإنسان .. إذا بات واضحا الهدف (الشرقي) القادم ..!! ولشدة خبثهم قاموا باختزالات كبيرة أوصلت الصراع الحضاري إلى المنطقة الخطيرة : الإسلام والمسيحية، متجاهلين بأن المسيحية هي إنتاج هذه الأرض وهذه الثقافة .. بل إن المسلم، وفي إحدى أهم مسلّماته العقائدية، لن يكتمل إسلامه إن لم يؤمن بالسيد المسيح .. بادئ الأمر، انساق الغرب برمته أمام أمريكا الجريحة في حرب صليبية تم فيها تدمير أفغانستان واعتقال عشرات الآلاف من المسلمين على الهوية في أوروبا وأمريكا التي صار فيها كل مسلم مشبوها إلى أن يُثبت براءته ..!! كان هذا أول الأمر .. لكن خيبة أمل الأمريكيين كانت لا توصف وهم يفشلون في إقناع الغرب بالشروع في المرحلة الثانية من مشروعهم لتجفيف آبار الإرهاب، والتي كان العراق بنظرهم مصدرها . الأمريكيون الذين حاولوا أن يقودوا الغرب ثانية إلى صليبية جديدة، فوجئوا بأن الرفض كان على أشده من العواصم نفسها التي قادت الحرب الصليبية منذ ألف عام تقريبا، أما اللطمة الأكثر وجعا فتلك التي كالها لهم البابا نفسه حيث لم يكتف بالصلاة على العراقيين، بل رفض أيضا، ومنذ البداية، هذه الحرب جملة وتفصيلا، واصفا إياها بالعدوان ..؟ إنها حرب امبريالية .. هذا هو الوصف الذي أطلقته عليها الكاردينالية الايطالية .. وهو ما ينبغي لها.. حرب امبريالية ..!! إذا حرب نهب .. إذا إنه الاستعمار .. إذا مازال مستيقظا ذلك الوحش الذي توهمنا، لبرهة من التاريخ، بأنه قد نام إلى الأبد .! في الحقيقة، إن ما فعلته الكنيسة كان طلقة الرحمة التي نثرت في الأقاصي نخاع المشروع الصليبي الأمريكي، كما أسالت دماء الفضاء الأخلاقي لحامليه. اليوم، وخارج فكرتي التاريخ والحضارة، يهرول الأمريكيون معتقدين بأنهم لاعبون بارعون وأن هناك في البعيد.. في مكان آخر من العالم ملعبهم، وفي الحقيقة كان هذا وسوف يظل مأزقهم ومتاهتهم القادمة، وربما متاهة العالم برمته. الأميركيون ماضون في اللعبة القذرة غير آبهين بتحطيم ذلك البناء الأخلاقي والحقوقي الذي شيد بعد ألاف السنين من الدم البشري المهروق على مذابح الإطماع والاستعباد . كل شعوب الأرض تبدي اليوم اشمئزازها من رائحة الدم وقرفها من الحرب أو التفكير بها إلا الأمريكيون الذين إن لم يجدوا من يحاربوه خاضوا حروبا فيما بينهم، وما العنف داخل المجتمع الأمريكي والذي صار سمة من سماته، إلا دليل ذلك . كيف يفسر هذا .. هل هي دورة التاريخ التي لم يتسن للأميركيين إكمالها ..؟ ربما.. فهم حديثوا العهد بالأمة والدولة والتاريخ والحضارة .. ولهذا كان على الأمريكيين أن يبدؤوا من حيث انتهى الآخرون، ومعروف لنا أين انتهى الآخرون الذين كان القرن الماضي شاهدا على خروج جيوشهم من أراضي الدول التي احتلوها لترحّل نظرية الاحتلال المباشر، أو هكذا اعتقدنا، إلى متاحف التاريخ . ما فعله الأمريكيون في العراق منذ سنوات لم يكن سوى السير بعكس التاريخ ..! يرى رامسفيلد بأن أمريكا لن تستطيع اليوم حماية مصالحها ما لم تلجأ إلى الاحتلال المباشر ..؟!.. ما أشبه اليوم بالبارحة ..!! ما أشبه الأمريكيون بأوربيي الأمس ..؟!.. الاستعمار هو الاستعمار .. وهو سيظل سبة وعارا يلاحق الشعوب التي أنتجته .. ومارسته . أخطر ما في الأمر أن الشعب الأمريكي (المتحضر) قد ساند الحرب والاحتلال بأغلبية ساحقة، فالاستطلاعات التي سبقت الحرب كانت تشير إلى ان سياسة بوش العدوانية تحظى بتأييد 65% من شعبه فيما لم تحظ السياسة المعارضة للحرب، ممثلة بالرئيس شيراك، سوى 12 % من الأصوات ..؟ هذا الشعب وقبله رئيسه وإدارته، لا يريدون جميعا ان يتذكروا بأن عصبة الأمم قد انفرط عقدها في أوائل القرن الماضي جراء مواقفها المتخاذلة أو المؤيدة للاحتلال المباشر، وربما ستلقي هيئة الأمم المصير نفسه في وقت قريب، سيما ونحن نشاهد تصدعها وانقسامها، وخصوصا بعد احتلال العراق . هل كان هذا بعض أهداف الأمريكيين ..؟؟.. كل شيء يقول نعم .. فهيئة الأمم، ورغم انبطاحها المتواصل أمام الأمريكيين، ورهنها لقرارها ومقدراتها لهم إلى الحد الذي جعلها تسلم منظماتها لشركاتهم الاحتكارية كما هو الحال مع منظمة الاينموفيك الإنمائية .. رغم هذا فأنهم باتوا ينظرون إليها كظاهرة سياسية وحقوقية استنفذت دورها وأغراضها، بل أصبحت عائقا أمام تطلعاتهم الكونية ومشروعهم القادم المبشر بنظام عالمي جديد اختاروا فيه لأنفسهم دور الشرطي . في النظام العالمي الجديد سيعاد ترتيب وظائف الشعوب وثرواتها وثقافاتها وسياساتها بطريقة تصحح الأخطاء السابقة التي ارتكبتها الحياة حتى لو أستدعى ذلك خوض الحروب . والمنطقة العربية، لما حباها الله من كل هذا، ستكون حتما النقطة الساخنة الأولى، وكان على العراق أن يخوض، نيابة عن العالم، أولى الحروب الكارثية مع النظام العالمي الجديد . الحياة أخطأت .. هذا هو الخطاب المتعالي لأصحاب النظام العالمي الجديد، فالأمريكيون الذين يسيل لعابهم، منذ أمد طويل، على ثروات المنطقة العربية، مقتنعون بأن ثمة خطأ بيولوجيا وجغرافيا قد حدث في الحياة عندما منحت كل هذه الثروات لشعوب لا تدرك قيمتها و لا تجيد إدارتها وهذا ما يفسر سعيهم الدائم لإضعافها وإجهاضها وخلق التوترات وبؤر النزاع فيها، بل وإعثار أي خطوات جدية لحل مشاكلها، وخصوصا القضية الفلسطينية التي لا يتذكرونها إلا عندما يحاولون تمرير بعض مشاريعهم أو اعتد ائتهم، وهو ما مثل انتهازية مكشوفة للجميع . فالنسخة الانتهازية التلفيقية التي عرضت أمام الشعب العربي ( خارطة الطريق) كمبادرة أمريكية لحل القضية الفلسطينية، هي النسخة ذاتها التي تم عرضها أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991 ( اتفاقية أوسلو)، والتي سيتم استعادتها مجددا في الاعتداء القادم على غير العراق. المشكلة أن الأمريكيين، ولكثرة ما كذبوا، صاروا يصدقون أنفسهم، بل وعلى قناعة، وهذا هو الأخطر، بأن الشارع العربي يصدقهم أيضا وخصوصا في دعاواهم عن الحرية وقيم العدالة . والمشكلة أيضا أن الأمريكيين، وبعد سنوات من إغراق العراق بالدماء ووضعه على شفير حرب أهلية، لم يكلفوا أنفسهم عناء الذهاب إلى أولئك الطيبين، البسطاء، أحفاد جلجامش، والذي كان منهم ذلك الفلاح العراقي الشجاع .. ذلك الذي صرع الاباتشي، ثور السماء، ببارودته القديمة، ليسمعوا منه ما لا يقوله الحاكم العربي : أيها الأمريكيون : إننا نحب الحياة ، ولكن ليس بالطريقة المهينة التي تعدونها للآخرين .. أيها الأمريكيون : إنكم تخربون الحياة . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |