جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بيتُ لا غبارَ عليه ـــ ضياء قصبجي

في تهويمات من أمنيات تقبع في أقصى الفؤاد، وفي تحديات من ذرات تسكن في أعلى الإرادة... كانت علياء بين ذا وذا، تتقلّب في جوى الحب، ونار القسوة.. وأخيراً وهبت نفسها لمن يمدُّ رمح القوة، وتركتها لمن يفرض سحره عليها.‏

***‏

أبعدوه عنها قسراً، فمالت دنياه إلى غروب كئيب، لملم جذوة الحب العنيد وحمل أشياءه ورحل. هناك، في بلاد مطفأة البريق، حيث الروح تغادر الجسد لتتركه يتحدّ مع الآلة... أمضى زمناً رطباً خالياً من العاطفة... نسي أو تناسى دقّات قلبه اليائس، وعاش ما بين أرقامه وطعامه ونومه وحفنات النقود التي كانت تأتيه لقاء جهدٍ يبذله لينسى ما كان يتقمَّص روحه من عذاب.‏

ذات ليل بارد موحش، كان في غربته وحيداً حزيناً، رنّ جرس الهاتف، وسمع صوت حبيبته:‏

ـ فؤاد لِمَ تركتني في بحر العذاب ورحلت..؟!‏

ـ حين علمت أنّك وافقتِ على إبعادي عنك.‏

ـ يا فؤاد، أنا لم أوافق، وأنت لم تسألني رأيي.‏

ـ يا علياء... كانوا يلعبون بسلاسل الذهب، وأنا إنسان لا يملك غير سلاسل القهر.‏

ـ فؤاد، عد إليّ إني أنتظرك، أنا أستطيع أن أبعدهم كلهم، وتبقى أنتَ حبيبي الوحيد.‏

فرح فؤاد، لملم أفراحه وأحزانه، عبأها في محفظة السفر، وعاد إلى وطنه، وحبيبته... حين وجدها هلّل القلب منه وزغرد، اقترب منها يخبرها بعودته إليها.‏

لاحظ عليها الحيرة والتردد والألم، وعلِم أنها لم تستطع بعد أن تفكَّ قيود الأسر من معصميها: تركها حزيناً، سار في شوارع مدينته المبتهجة دونما سبب راح يزرع أحزانه في جدرانها العتيقة مرَّ على المكتبة، اشترى كتاباً، وباقة زهر، ظلّ يبعثر اضطرابه حتى أحسّ أن حبيبته لم تنتزع منه حياته، وأنه كان يحبها مثلما يحب ذرة تراب من تراب هذا الوطن.‏

في مكان عمله على الحاسوب، وصلته رسالة ضوئيّة من علياء تقول فيها:‏

«يا فؤاد، طيفك زارني هذا الصباح وذلك المساء وقال لي إنّك لي وحدي، وأنني أحببتك مرغمة، وكرهتك بالرضا مني وكان الحب أقوى من الكره... أرسل إليك طيف روحي وأقول لك: تعالي نقتسم رغيف الخبز معاً، ونسكن الغرفة الوحيدة معاً، فإنا إنسانة تعشق الفقر، لن تصدق يا فؤاد إنني أريدك أنت وأنا أعلم أنك لا تملك غير شهادات، وأحجيات، وضباب أرى من خلاله روحي هائمة بك منجذبة إليك، وأفضِّلك لأنّك فقير ولأنني أحب أن أكون ذات نقود قليلة، أعدّها مساء، وفي اليوم التالي أصرفها.‏

صديقتي هند تقول لي: أنت متعلّمة وجميلة، وأهلك أثرياء سيهبونك البيت والمال فلماذا يا علياء لماذا؟!‏

في رأيي أن الحب إحساس، والنقود شيء من الأشياء، والإحساس أرقى وأجمل من كلِّ شيء.‏

يا فؤاد أحب الجلوس معك ونحن نتحدّث عن النحل والفراشات وبزوغ الشمس والقمر.. وأجد المتعة بالنظر إليها أكثر من المتعة بعدِّ النقود... صدقني لا حاجة بي لتلفاز وسيّارة وهاتف وحاسوب.. كل ما أحتاج إليه كتباً قيمة وأوراقاً فارغة، وأقلاماً ممتلئة.‏

لقد استطعتُ أخيراً أن أقنع أمي وأبي بالموافقة على زواجنا، ذكّرتهما بحبهما وبدايتهما المتواضعة، هل أحدثك عن طفولتي...؟‏

كنّا نعيش أنا وأخوتي في بيت بسيط لا مورد لنا غير راتب أبي الذي يلفظ أنفاسه بعد أيام عدة... عانينا كثيراً حتى أن أمي نفذ صبرها فتركتنا أنا وأخي وغادرت البيت فترة من زمن قاسٍ.‏

بعدئذٍ لا أعرف كيف تغيّر الحال وأصبحنا في هذا القصر الذي رأيتَه، تحولنا بسرعة الضوء من أناس فقراء إلى أناس ينعمون بالرفاهيّة والغنى، سألت أمي مرة وأنا صغيرة عن سبب هذه النقلة من بيتٍ لبيت ومن فقرٍ لغنى، فقالت لي:‏

ـ لا تسألي عن أشياء إن عرفتِ جوابها حزنتِ.‏

كبرتُ ولم أعد أسأل، إنما أحلِّل وأفهم لماذا تغور بعض البنايات...؟ ولماذا تنهار بعض الجسور، لماذا تُمنح الشهادات...؟ وألف لماذا ولماذا... وجعلت هدفي أن أتخرّج وأختار حياتي وشريكها، ولقد اخترتُك بعد كلٍّ هذا لأنك تحبّني وتشبهني».‏

فؤاد، حمل فرحه الكبير وأخذ أمه وأبيه المتواضعين وذهبوا إلى بيت أهل علياء... طلب يدها فوهبته روحها، ويا لغرابة الأمر أنهم وافقوا على مهرٍ قليل، وبيتٍ صغيرٍ، ونقودٍ معدودة.‏

كانت السعادة تغادر جدران البيت الصغير، وتنطلق إلى فضاءات الحب والقناعة، علياء أرسلت لزوجها فؤاد هذه الرسالة إلى مكان عمله على الحاسوب.‏

«فؤاد زوجي الحبيب روحي نشوى بالسعادة، أنا سعيدة معك لأنني أرى وجهك المحبّب وأسمع صوتك الصادق، تعجبني بك قناعتك وأفكارك المستنيرة، ثقافتك كتابتك احترامك للمرأة... لم أكن أتخيّل أن الحبّ يغني الروح، ويدع الإنسان في غنى عن كثير من الأشياء.‏

فؤاد غداً سآخذ من عملي منحة سأعطيكَ إياها، لتشتري لكَ بدلة جديدة تلبسها في عيد الفطر حين نزور الأهل والأقرباء.‏

أمّا أنا فلست بحاجة إلى ثوب جديد... ثوبي الأبيض الذي أرتديه لم يهترئ بعد وحذائي ما زال لامعاً لا غبار عليه، حذائي لم يصبه غبار التلوّث الحضاريّ الجديد.‏

فؤاد إذا أردتَ أن تجلب لنا في أول يوم من أيام العيد طعاماً جاهزاً لا بأس... وإذا لم يبقَ لديك من النقود ما يكفي، فإنّني سأهيّئ لكَ طبقاً من المقالي مع طبق من التبّولة.‏

أهلي دعونا للإفطار عندهم أول يوم من أيام عيد الفطر، مع أختي وزوجها الذي يصفُّ سيارته الثمينة ويصعد مختالاً بثرائه الماديّ، غير منتبه إلى فقره المعنويّ، ستكون مائدتهم عامرة بالطعام الطيّب والحلويّات، سأزورهم صباحاً آخذ رضاهم، لكنّني أفضِّل أن أتناول الطعام معك. يا فؤاد بعيدة عن بهارج الحياة، أستمدُّ القوة مما قرأتُ من القرآن الكريم ومن الكتب الفلسفية والروايات التي تمتلئ بها مكتبتك الزاخرة بأفكار الكتّاب.‏

فؤاد منذ أشهر أخفي عنك خبراً يسرّك كثيراً، أخفي عنكَ كنزاً من الذهب واللؤلؤ، كنزاً من شعاع الشمس وضوء القمر، باقة من زهر النرجس والريحان.‏

خفت أن تغرّك الدنيا، وتفرح بما أتاك، أخفي عنك نبأً حين تسمعه ستقف فوق سجادة الصلاة لتدعو الله أن يُتِمّ الأمر، أخفي عنك فرحي حتى أتأكّد من أن أنثر عليك هذا الكنز، وأعلن لك هذا الخبر.‏

أخبرك اليوم يا فؤاد، أنني أحمل جنيناً بدأ يعلن عن وجوده، أرأيت لقد كافأنا الله على صبرنا وحبِّنا فأهدانا طفلاً، أو طفلة، تقول لك بابا، وأفرح أنا بكلمة ماما».‏

هرع فؤاد إلى البيت يحمل الحلوى والزهر... عانق علياء فرحاً، وارتفعا معاً إلى قمة الحب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244