جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

القبضة ـــ السيد نجم

كنت أولي وجهي شطر ذيل جلباب جدي الأبيض في مشاويره البعيدة الغامضة، وأحوم حوله في الأسواق وفي مجلسه المعتاد بجوار دكان بقال حارتنا.‏

يجلس جدي على الدكة الخشبية ولا يجعل من الحائط مسنداً له.. يفضل الجلوس على طرفه الأمامي، مشدود الجذع والرقبة، منتصب القامة، مائل الذقن للأمام قليلاً وإلى أعلى. يظل على هيئته تلك لساعات طويلة. وبسبب هيئته تلك ولأسباب أخرى لا أعلمها، أطلقوا عليه لقب «الزعيم».‏

في كل صباح يلتف الجيران حوله، يفترشون الأرض المتربة، ينصتون في صمت.. يأمرهم باحتساء القرفة شتاءً، واليانسون صيفاً.. ويفعلون.. ينهض ويجلس دون داعٍ، فينهضون ويقفون ولا يجلسون إلا بعد أن يشير إليهم بأطراف أصابعه.. ولا يشير إلا بعد فترة مفتعلاً الانهماك في حديث لا أفهمه.‏

ارتضوا بنصيحته دائماً، ولم يكن صوته الرخيم الفخيم خفيضاً مهما حاول، فكنت أسمع همسه الزاهق بنصائحه العجيبة.. سمعته يهمس في أذن أحدهم أن يعتزل زوجته المتمردة حتى تسعى إليه نادمة.. تجرأت وسألته معترضاً، فضربني برفق على رأسي وابتسم صامتاً. أما تلك السيدة البدينة التي تشكو من آلام مبرحة في كل مفاصل عظامها، قال لها: «خذوا من القرآن ما شئتم».‏

ثم دس في يدها ورقة مطوية وأمرها أن تعلقها أسفل إبطها الأيمن، بعد ذلك أدهشني كثيراً أن رأيتها تتشاجر في السوق!‏

أكثر ماكان يغضبه مني في تلك الأيام البعيدة، أن يجدني أعدو خلف «الترام»، ولا أركبه إلا بعد أن يتحرك كما يفعل كل أولاد الحارة.‏

وهو ما حدث فعلاً وضبطني أعدو وأتسلق، ثم أهبط لأعدو من جديد وأتسلق في المحطة التالية، حتى وجدت من يقبض على كتفي ويدفعني نحوه إلى داخل العربة. رمقته فوجدته غاضباً غضباً شديداً، ليس لأنني كنت أرتدي الجلباب المتسخ، ولا لأنني لم أخبر أمي عن تلك الرحلة أو اللعبة الخطرة مع الترام.. ومع ذلك لم يفصح عن سر غضبه!!..‏

لم أسأله، وحتى وصلنا إلى ميدان مسجد «سيدنا الحسين» المكتظ بالناس، والأطفال والألعاب التي تشوقت إليها، وتعلقت بها حالاً، لم يكن غضب جدي سباباً ولعنات، كان يقطب مابين حاجبيه، وبقدر شِدّة وليونة تقلّصِ جلد جبهته تكون شدة غضبته، مع ذلك أسرع بشراء «الطرطور» «ذي الشراشيب» الذهبية، شرب معي «العرقسوس» الذي أحبه.. ثم، ثم قبض على قفاي حتى يضمن ألا أنفلت منه وسط الزحام.‏

لم أتمكن إلا من التقاط ما تسمح به سعة الرؤية لعيني... الملتصقتين برأسي، المطلوبة بين أنامله وقبضته القوية، بقدر ما أنجح في التقاطه، أستمتع بمرح الأطفال وهم يتسلقون الأرجوحة الدائرية «الساقية»، وهم يلعبون «الاستغماية»، وفي كل الأحوال وهم يصرخون ويلهون بسباب بعضهم بعضاً.‏

ظللت بين قبضة جدي، يدفعني غير حريصٍ على ما أشعر به، بقدر حرصه على وجود رقبتي في قبضته. ولما أسرع الخطا ونحن نعبر البوابة الصخرية الرطبة القديمة، وقد أسلمتنا إلى ذلك الممر المطلي الرطب المظلم الممتد، ظننت أنه يسعى إلى تلك النسمة الرقيقة التي هونت كثيراً علينا من وطأة لفحة الشمس في الخارج.. ثم ظننت أنه يسعى لزيارة مقابر أجداده القريبة. لكنه لم يفعل، وتابع المسير حتى مللت المشوار، تذكرت دعاء جدي لمريديه، ولأول مرة أفهمه.. كان يقول لهم: «ربنا يسلم طريقنا!!»‏

التصقت بفخذ جدي علّني أجبره على التوقف، أو ليحملني حتى نصل إلى الضوء القريب القادم.‏

عندما وصلنا، استقبلتنا ساحة فسيحة، تعلوها قبة مقعرة، مكسوة بالعنكبوت، مثقوبة وإن بدت مغطاة بالزجاج الملون باللون الأزرق والأحمر والأصفر، فترسل شمساً غير التي نعرفها.. فشعرت برهبة غريبة، لم أكتفِ بالصمت.. تعلقت بفخذ جدي أكثر.‏

ولما انتبه إلي، ضمني أمامه، فأغرقت وجهي في لحم بطنه، لا أدري كم انقضى من الوقت ونحن نسير هكذا.. يتقدمني بخطواته القصيرة المتعجلة، وأسير أنا إلى الخلف بخطوات ثقيلة مرتجفة. شعرت بكفيه تدفعاني من أعلى كتفي إلى تحت حتى أسقطني إلى الأرض.‏

ما إن أفرحت جفوني حتى شعرت بالدوار، حملقت من حولي، كأني في دنيا غير الدنيا التي أعرف. رأيت رجلاً شديد البياض، جلبابه أكثر بياضاً من جلباب جدي، بل وقدماه الممدودتان أمامه، وكذلك تلك الغلالة الرقيقة التي تعلو رأسه.‏

أناس كُثر من حوله، يرتدون الشتى، جميعهم يقبلون يده، ويلقمون أطراف جلبابه، أكثر ما انتبهت له، كان جدي.. وجدته يحنى ظهره، يلوي رقبته وذقنه ورأسه كله إلى أسفل، جدي مثلهم، إنه مثلهم إذاً!!.. جدي لم يعد زعيماً!!..‏

ولما هانت قبضة جدي من رقبتي، انفرجت أصابع كفه، ثم ترك قفاي، وغاب عني.. عبرت عن رغبتي في التبول وسط الساحة.. قلت لهم: محصور.. ماذا أفعل؟ لم أسمع رداً..‏

بعدها شعرت بلذة عظيمة، أن أفرجت عن بولي، وأرحت تقلصات مثانتي، ثم عدوت ألهو مع الأطفال تحت لفحة الشمس فوق رؤوسنا.‏

لا أتذكر الآن، متى وكيف عثر جدي عليَّ؟ ثم أعادني عنوة إلى منزلنا.. لكنني ما عدت أحوم حوله في الأسواق ولا مجلسه المعتاد.‏

يأمرهم بشرب القرفة شتاءً واليانسون صيفاً مع نصائحه وأوامره الهامسة!!...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244