|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
درس الحال ـــ د.وليد قصّاب قبل أن يتمكن الأستاذ من ارتشاف نصف كوب الشاي الذي أمامه رنَّ الجرس معلناً بدء الحصة الدرسية. نهض متثاقلاً، متذرعاً بالصبر، يعزيه أنه لم يبق من اليوم إلا هذه الحصة، ثم ينصرف بعد ذلك ليستريح.. كان صداعه قد بدأ يشتد، وهذا ثالث قرص (أسبرين) يأخذه منذ صباح هذا اليوم، ولكن بلا جدوى. رأسه يكاد ينفجر.. همس لنفسه وهو ينظر في ساعة يده مستغرباً مضيّ وقت الاستراحة بهذه السرعة العجيبة: ـ حتى أقراص الأسبرين لم تعد ناجعة وهاجمه خاطر مزعج: أقراص الأسبرين لم تعد تنجع أم أن جسمه لم يعد...؟.. لقد أصبح الصداع ملازماً له منذ شهور طويلة، أصبح قدره اليومي، لم يحاول أن يستشير طبيباً، صاحب الأسبرين واكتفى. نهض من مكانه غصباً عنه، حاملاً ألمه الشديد، وهمّاً يفوق الألم من دخول هذا الفصل بالذات في هذه الحصة الدرسية الأخيرة.. كان طلبة الصف الأول الثانوي الشعبة الرابعة من أشقى طلاب المدرسة وأكثرهم إثارة للشغب والفوضى. لم يكونوا طلاباً كما يقول الأساتذة عنهم، كانوا معجونين بماء الجن على الأقل. كم خرج من حصتهم مكدود الحيل مصدعاً يوم لم يكن مصاباً بالصداع، يكاد يندم على الساعة التي اشتغل فيها بالتدريس، ويوشك أن يصب جام غضبه على والده الذي أحب العلم، وأحب لابنه أن يدخل المدارس والجامعات ليمارس التعليم مهنة الأنبياء والدعاة.. ـ رحمك الله يا أبي.. لولا الجامعة التي عشقتها لكنت الآن سباكاً. أو نجاراً، أو ميكانيكياً، أو.. أو... أو غير ذلك من هذا المهن التي تدرُّ ذهباً في هذه الأيام.. بعد أن استهان الناس بالعلم وأهله.. أطربك كثيراً يا أبي ـ لقبُ «أستاذ» الذي أصبحت أنادى به، ونسيت تلف أعصابي، وتصدع رأسي، وصراخي حتى تتقطع حبال صوتي وأنا أعلمهم المبتدأ والخبر والتمييز والمفعول به، ثم أجد عقب كل شرح أكثر من حمار ينصب المبتدأ، ويرفع التمييز والمفعول به. *** راح يتجه نحو الفصل وهو يجر قدميه جراً، سائلاً الله أن يلهمه القوة والصمود حتى تنقضي هذه الحصة اللعينة، وأن يلهم هؤلاء الجنّ الداخل إليهم الرأفة به وبأمثاله من الأساتذة المساكين الذين لم يعد يوقرهم أحد.. كان الصف ـ كالعادة ـ قائماً قاعداً، كحمام سوق مقطوعةٍ مياهُه، هذا يصيح، وهذا يغني، وهذا يتشاجر مع زميله، وذاك فوق المقعد، وذياك يرمي الآخرين بالطباشير، ولم يكن مقعد في مكانه.. لم يكن صفاً دراسياً.. كان كساحة معركة، أو كزريبة بهائم. بقي أكثر من خمس دقائق يصيح فيهم كالمجنون: ـ اجلس يا ولد.. اقعد يا عفريت.. اهدأ يا شيطان. ويضرب الطاولة بكلتا يديه حتى خفَّ الزعيق والصفير قليلاً. أراد أن يوبخهم، أو ينصحهم، أو يهدّدهم، ولكنه كان يدرك أنه لا جدوى من ذلك كله. بعد أن جُرد الأستاذ من صلاحيات كثيرة كانت له. آثر لذلك أن يبدأ درسه: ـ والآن أيها العفاريت بعد أن هدأتم.. درسنا.. علق أحد الطلاب على الفور: ـ لسنا عفاريت يا أستاذ.. بلعها، وأكمل متذرعاً بالصبر: ـ حسناً.. درسنا عن الحال.. صاح أحد الطلاب.. ـ أعطيتنا الحال يا أستاذ في الدرس الماضي.. أحسّ بالحرج، إنه مصدّع غير قادر على التركيز، تلفّت إلى الطلاب وسألهم: ـ أعطيتكم الحال؟ مطّ الطلاب أصواتهم بلهجة واحدة وكأنهم ينشدون أغنية: ـ أخذنا الحال يا أستاذ. قال مدارياً ارتباكه: ـ حسناً.. حسناً.. سأسألكم بعض الأسئلة عنه ثم ننتقل إلى درس جديد... زعق طالب من أول الصف: ـ أخ.. ضربني يا أستاذ أحدهم بالطبشورة.. استدار عن السبورة، وواجه الطلاب غاضباً: ـ من قليل الأدب الذي يرمي الطباشير؟ لم يرد أحد، فقال الأستاذ مهدّداً: ـ والله سأكسر رقبة من يشاغب.. ولن يفلت من عقابي.. وراح يرمقهم بنظرات غاضبة، ثم تابع درسه: ـ سأسألكم بعض الأسئلة عن الحال.. ما أنواع الحال؟ صاح أحد الطلاب: ـ لم نأخذ الحال يا أستاذ.. اعترض عليه طالب آخر، فصاح من غير استئذان.. ـ أخذناه يا أستاذ.. اعترض آخر: ـ لم نأخذه يا أستاذ.. ساد الصف الهرج والمرج، طالب يصيح أخذناه، وآخر يزعق فيه: لم نأخذه، لم يعد الصف صفاً، انقلب إلى ساحة قتال.. كان الصداع يخز رأس الأستاذ كالإبر، بصعوبة وجد صوتاً حتى يزعق فيهم: ـ اسكت أنت وهو.. تعلموا الأدب أيها القرود.. وراح يضرب الطاولة بقبضة يديه، وشاركه بعض الطلاب في ضرب مقاعدهم، ساد الهدوء قليلاً، ولكن مطارق كالفولاذ كانت تضرب رأس الأستاذ بقوة. ـ حسناً.. سأعيد لكم الحال.. وبدأ يشرح: ـ الحال.. ولم يكد يتم الكلمة حتى صرخ أحد الطلاب: ـ آخ.. أحدهم قرصني من الخلف يا أستاذ.. قطع كلامه، وهدد ملوّحاً بقبضة يده: ـ قلت سأكسر رقبة من يشاغب.. إنكم حقاً قليلو الأدب.. علّق أحدهم: ـ ليس الجميع يا أستاذ.. تجاهل مغتاظاً، وأراد أن يتابع: ـ الحال اسم منصوب.. قاطعه أحد الطلاب: ـ ألا يأتي مرفوعاً يا أستاذ؟ كظم غيظه مرة أخرى. كان يحس جفافاً في حلقه، والإبر تزداد وخزاً في رأسه، أكمل: ـ الحال اسم منصوب نكرة.. قاطعه أحدهم: ـ ألا يأتي معرفة يا أستاذ؟ صرخ فيهم وهو يحس أن أعصابه تخرج مع صوته: ـ اخرس أنت وهو.. ولا تسأل حتى أنتهي من الشرح.. فهمت؟. رددوا بصوت واحد كما يرددون معزوفة: ـ فهمت.. وأراد الأستاذ أن يكمل، فوقف طالب ورفع يده وهو يتراقص في مكانه بشكل مضحك: ـ أستاذ.. أستاذ.. حاول أن يتجاهله وأن يكمل الشرح، ولكن الطالب ظل يرفع يده ويصيح متراقصاً وهو يهز ساقيه: ـ أستاذ.. أستاذ... من فضلك... زعق فيه: ـ ماذا تريد أيها الـ..؟ ـ الحمام.. الحمام يا أستاذ.. ضجّ الصف بالضحك، وتعالت الأصوات والتعليقات، وانطلق الطالب مهرولاً قبل أن ينتظر الإذن وهو يقفز على رجل واحدة.. ازداد وخز الإبر في رأسه، وازداد جفاف حلقه، ازدرد ريقه بصعوبة، انتظر قليلاً حتى هدأ ضحكهم وصخبهم.. وأراد أن يكمل: ـ الحال.. صاح أحد الطلاب من الخلف: ـ سرقوا قلمي يا أستاذ.. تجاهل: ـ الحال.. انتفض أحد الطلاب من مكانه وهبّ واقفاً وهو يصيح كالمجانين: ـ آخ.. وخزني أحدهم بدبوس في ظهري يا أستاذ.. تذكر وخز الإبر في رأسه، وأعاد متجاهلاً: ـ الحال.. فتح الباب، ودخل الطالب الذي خرج إلى الحمام يهرول بشكل تهريجي، فقهقه الطلاب، وقال له أحدهم: ـ شفيتم.. ازدادت قهقهة الطلاب، وقال الأستاذ بشكل آلي من غير أن يسمع أحد: ـ الحال.. وقف طالب، ورفع يده، وراح يشير بإصبعه يميناً ويساراً: ـ أستاذ.. أستاذ.. أشار إليه أن يجلس.. ولكن الطالب لم يجلس، بقي يرفع يده، ويشير بها، ثم صاح: ـ أستاذ.. أستاذ.. أنا محصور أريد الخروج إلى الحمام.. وصاح طالب آخر: ـ وأنا بعده يا أستاذ.. وجاوبه آخر: ـ وأنا بعده يا أستاذ.. أحس أن ساقيه ستنهاران، لم يعد يشعر بما حوله، بدا له الصف وكأنه يدور به، صاح من غير وعي: ـ حسناً.. اخرجوا جميعاً إلى الحمام.. وانهار على الطاولة واضعاً رأسه بين كفيه، وقد اندفع الطلاب خارج الصف كالخيول النافرة، يملؤون الدنيا زعيقاً وضجيجاً.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |