جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مع سبق الإصرار ـــ بشرى البشوات

تملصت من ذلك الإغراء بصعوبة، لكنه ظل يراودني حتى تقمصني، وأقنعني بجدوى الأمر. أعدت القراءة أكثر من خمسين مرة حتى حفظته بشكل ممتاز ومضيت إلى التنفيذ.‏

كانت الأفكار مرتبة على هذا النحو:‏

قبل تلك الليلة لم أذق طعم النوم، فتح الأرق جفوني وبخفة متناهية رشَّ ملحاً على اتساع الحدقة المستديرة. لقد جزَّ النوم ورماه على طول ذراعه إلى نهر يجري. وأنا أتقلّب على جنبي، أستند ورأسي يضرب مثل رقّاص الساعة، وأنفضه لأتخلص من دقاته الملتحقة بصف عسكري يؤدي تحية الصباح.‏

بعد تلك الليلة أيقنت بأنني سأنام طويلاً، بعد أيام التعب والتفكير المتواصل.‏

صوت محركات الماء النشطة في تلك الساعة، آت من مكان غائر، والحارة تبنّت عملية اختطاف الضوء وأطفأت المصابيح المعلقة على أبواب منازلها، وظلت مختنقة بصمت مر، لأن أحدهم قد سحب لسانها من جذره.‏

ألفت هذه الحارة جسدي واعتادت عبوره المتأخر، كما اعتادت غيابه الطويل، لذلك لم تزدريه، تركته يشق عباب ضجرها بسلام، حيطانهم المدهونة بالنعاس كانت هي الأخرى صماء، وطلاء بلا لون أو رائحة يسيل من فوق الأسطحة.‏

خطوة.. خطوة مشيت فوق قميص الصفيح الذي لبسته الحارة، بدل قميص الإسفلت المهترئ من وقع الخطوات والعجلات. صوت خطوات قدّمي كان مزعجاً، وددت لو أمشي حافياً أو أن أسير على أربع كي لا أصدر المزيد من الضوضاء.‏

قدمي اليمنى كانت سباقة في حفلة المسير تلك، فهي تحفظ تفاصيل الدرب عن ظهر قلب.‏

كنت عجولاً وأنا أعرف بأنهم لن يضبطونني متلبساً بهذا المرور المتأخر، ولا حتى بسرقة ساعات غفوتهم.‏

تواطؤ الليل مع فكرتي الشنيعة وهبوطه المبكر، سهّل عليّ المهمة، أسير وسط الطريق وأعمدة النور المنتصبة هنا وهناك تسكب ضوءها في مكان آخر لأن ظلاً لم يكن معي، لم يكن أمامي، لم يكن خلفي.‏

أردت أن أطرق على الأبواب المطمئنة، أتوسل إليهم: ليخرج أحد إليَّ، لكنهم امتطوا ظهر اللامبالاة وفرّوا وأنا ماضٍ باتجاه بيته مع سبق الإصرار والترصد. ومازالت ذاكرتي تعيد الخطوات، وتكررها مرة تلو الأخرى.‏

لو أن أحدهم يفتح صدر شبّاكه أو طاقة غرفته لثانية واحدة بائسة، سيراني، سيعرف ملامحي.‏

أيادٍ كثيرة كأخطبوط تمتد نحوي، وكنت أتخلص من قبضاتهم بحركة انسيابية سريعة، كنت لزجاً، هكذا خيّل ليّ..!!‏

صورة وجهه لم تفارقني، وصورة العبث الذي كنا نتقاسمه معاً، وننزلق بعد ذلك إلى قاع عميقة.. وحين يأتي الصحو ينتشلني من مخالب الغياب واللاوعي، وبصعوبة بالغة أتكئ عليه، ونمضي معاً إلى قاع جديدة.‏

بيننا خبز وملح كما يقول الناس، ونحن الإثنين نحب الطعام باهتاً دون ملح.‏

كمية الشحوم والدهون المتراكمة فوق قلبه تكفي لقتل فيل، لكنه لم يمت.‏

فهو يأكل مثل ثور ويعبّ الشراب دونما حساب، حاولت مرة أن أحشو فمه بورقة خس، لكنه بصقها في وجهي.‏

قلت له: إنك مقرف. مسح فمه بطرف كمه، وضحك حتى ظهرت أسنانه المنخورة. وأوصد باب الحديث بيننا بإشارة رسمها فوق شفتيه. كنت أسكت لأنني أعرف عاقبة هذه الإشارة.‏

لن يكرر هذا المشهد مرة ثانية. السلم المعدني المؤدي إلى غرفته عال مثل جبل، والدرجات التسع صعدتها على مشطي القدمين ودخلت الغرفة، رأيته في سريره، ينام على ظهره يشابك ذراعيه فوق صدره. كان شخصاً هادئاً متحفظاً سريع الشك والغضب، كما كان سريع الهدوء والاقتناع، كالأطفال تماماً وهذا ما كنت أحبه فيه.‏

أشياؤه الكثيرة تراقبني، تقتسم الغرفة معنا نحن الإثنين، الدمى الروسية التي رتبها بشكل عشوائي ليكسر مقولتها... انقصف وسقطت ورقة منه على سطح الطاولة. لوحاته التجريدية على جدرانه الزرقاء الداكنة خطوط وألوان لها دلالات واضحة وعواطف ومعان شتّى، ومع ذلك كنت أمياً فيما يتعلق بفنونه تلك.‏

تأملته ملياً، دققت النظر إلى بقعة بحجم قطعة نقود معدنية في رأسه، بيضاء دون شعر، هذه الثعلبة، أخبره الطبيب بأن شفاءها أمر سهل: لا تقلق الثعالب يحدث لها هذا ويعود فراؤها لما كان عليه.‏

كان صدره يرتفع ثم ينخفض، ليس صدره بل كان جسده يصعد ثم يهبط.‏

صوت شخيره المتقطع يضرب الجدران والسقف والأرض، ثم يرتد إلى أذني، يلتقطه الصيوان ويدفعه باتجاه الدهليز إلى العظيمات التي تهتز أمام الغشاء، ويبدأ الشريط يتحرك أمام عينيّ والأصوات الكثيرة التي خبرناها، وسمعناها معاً ذات يوم تأتي في الزمن ذاته..‏

لن أكرر هذا المشهد أكثر من مرة،... ستكون مرة وحيدة، متقنة ومقنعة وممتازة، لأن الوقت ضيق وهذه الفرصة لن تتاح كثيراً.‏

بذلت مجهوداً لأحفظ الترتيبات والأسطر الأخيرة وكيف سأنتهي..؟‏

أنا لا أريد هذه النهاية، لكني لست صاحب قرار فيما يختص بهذا الأمر.‏

أخذت مرآة صغيرة كان يستخدمها لحلاقة ذقنه وقربتها من وجهه، أردت أن يرى نفسه للمرة الأخيرة، لم تتح هذه التجربة لأحد غيره، أن يطالع نفسه بالمرآة وهو مستسلم للنوم، أعدت المرآة إلى مكانها، مشيت بضع خطوات في الغرفة، سحبت الستائر وأدرت المفتاح في قفل الباب، لقد أقفلت علينا.‏

تنفست بعمق، نظرت إليه، تحرك ببطء ليذّب بعوضة أمام عينيه. كان طنينها واضحاً في هذا السكون.‏

رجعت للوراء فتحت درج مكتبه، أخرجت الخنجر الصغير الذي كنت قد أهديته إياه في عيد الأربعين، وبين المكتب والسرير أربع خطوات فقط، وأربع خطوات مثل السنوات الأربع وهي عمر صداقتنا.‏

رفعت ذراعي عالياً وهويت بكل قوتي على صدره... طعنته طعنة، طعنتين، ثلاث، أربع.‏

لم ينزف كثيراً ومع ذلك غطيت جثته بأكثر من غطاء، وظللت صاحياً قربه حتى طلوع الفجر. وغادرت الحارة التي اعتادت عبوري المبكر، كما اعتادت غيابي الطويل.‏

لم يكتشف أحد الأمر، إلا بعد أن بدأت الحشرات الزاحفة تتسرب من تحت الباب وتنزل الدرجات التسع، ورائحة نتنة تسيطر على الزقاق....‏

في تلك الأثناء، كنت في مكان ما، أتقاسم العبث مع أحدهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244