جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كفانا احتفاءً بالتراجيديا.. الدورة الثانية لمهرجان الكوميديا المسرحي في اللاذقية ـــ علي وجيه

للسنة الثانية على التوالي ينجو مهرجان الكوميديا المسرحي في اللاذقية, بفضل جهود مخلصة من مديره الفنان لؤي شانا صاحب تجمع القباني للفنون المسرحية والموسيقية وعدد من المشتغلين بالحقل الثقافي في المدينة, حيث اشتمل المهرجان, الذي أقيم على خشبة مسرح المركز الثقافي العربي من 20 لغاية 27 آذار, على عروض مسرحية للكبار مترافقة بتظاهرة خاصة للأطفال في المسرح القومي, ومعرض كاريكاتير للفنان العالمي علي فرزات في بهو المركز, وتكريم عمالقة الكوميديا: رفيق سبيعي, عمر حجو, ياسر العظمة ودريد لحام.‏

لوحظ هذا العام ارتفاعاً ملحوظاً في سوية العروض المشاركة عن السنة الفائتة, كنتاج طبيعي بعد أن تمكّن المهرجان من تكريس نفسه كنشاط سنوي ضمن تقاليد المدينة الثقافية, واستقدام فرق دولية من تركيا ومصر لإغناء الوجبة المسرحية بشتى الأطياف والأنواع الكوميديا, إضافة إلى تحسن عام في مستوى التنظيم لا يمكن إغفاله.‏

نماذج من العروض‏

عرض الافتتاح: وعكة عابرة.. مسرحة الارتجال بلا ذروات حقيقية‏

عندما يقرر الممثل والمخرج فايز قزق أن يأخذ على عاتقه مهمة التعامل مع مشروع تخرج قديم للمعهد العالي للفنون المسرحية, فهذا يعني أنه يكبت رؤيا ما ينوي لفظها خارجاً وإلقائها عن كاهله, حتى لو تحقق ذلك في نوع مضبوط من الارتجال الممسرح والمشغول بطريقة تحاذي الفوضوية دون أن تلجها..‏

يتعرض الأب, ديكتاتور الأسرة, إلى وعكة صحية تلقيه في غرفة العناية الفائقة بمشفى حكومي مهمل, فتبدأ شخوص العائلة من أبناء وزوجات وأقارب في الإفصاح عن مكنوناتها الخفية, ولفظ كل "القمامة" الداخلية خارجاً!.. ابن بكر انتهازي ,كدح مع والده طوال حياته, يخطط للاستيلاء على الثروة, والأصغر يخفي رسوبه الدراسي عن الأب خشية غضبه.. ابنة طلّقت كانعكاس بديهي لبطالة زوجها, وأخرى مهووسة بالهجرة إلى باريس.. إنها عائلة تعيش على فتات مجتمع مثالي في العالم الثالث والجهات الشرقية من العالم, حيث التوق إلى الثروة والتحرر والنجاح فقط لإرضاء الأهل وما إلى ذلك من إرهاصات تتفق مرة وتتناقض مرات.‏

الديكور متقشف واللون الأسود يطغى على كل شيء, وهو ما يفضي إلى دلالات عديدة: اللا مبالاة, العبثية, دواخل الشخصيات, السوداوية المقيتة التي تخيّم على حالة تراجيكوميدية خلت تقريباً من الذروات الحقيقية, مع الإيقاع اللاهث الذي تفرضه حركات الشخصيات المتلاحقة, والاستلام والتسليم شبه الآني فيما بينها, والانتقالات الفورية التي حولت الممثلين إلى ضحايا بدورهم, واحتمالات التوعك واردة بالنسبة لهم أيضاً!!.‏

استعان فايز قزق في أداء بعض الأدوار الثانوية بطلاب من معهد القباني, وبشكل عام فقد كان هذا العرض الافتتاحي تحيّة موفقة تعد بأيام واعدة في المهرجان.‏

الإيماء البسيط ضد التطرف في.. نشاز‏

يعالج رأفت الزاقوت من خلال عرضه الإيمائي (نشاز) جملة من الحواجز الأيديولوجية والنفسية والاجتماعية عبر جست مسرحي بسيط غير متكلف, فالخشبة "العارية" خالية من أي إكسسوار أو أدوات عدا جسد الممثل, والشخصيات تنحصر في جارين متناقضي الطباع والتفكير و.. التطرف!.. الأول مستهتر شديد اللا مبالاة والثاني مثقف ملتزم.. يحاولان كسب ود جارتهما بشتى الطرق والأساليب حتى لو عنى ذلك تغيير الأيديولوجية إلى النقيض وشقلبة المفاهيم وتقمص حالة الآخر لبعض الوقت.. الجدار المادي مؤشر على جدران أخرى, ونجاح الجارة في التوفيق بين "النشازين" دليل على ضعف هذا الاعتناق الأعمى لأيديولوجيات وأفكار متطرفة.‏

نشاز.. ربما يكون أفضل ما قدم خلال هذا المهرجان, وأكثر العروض تلقياً لردود أفعال إيجابية فيه.‏

بساط أحمدي.. العيش.. في سبيل الله‏

في كل مرة ينجح حكيم مرزوقي في إبهار الجمهور بجديده, وعندما يشكك البعض في جودة عمله القادم على خلفية مشاكل ما في فرقة الرصيف.. عندها فقط يتفوق الحكيم حكيم على نفسه, ويعيد خلق نفسه إبداعياً..‏

بالمقابل, عندما عرضت (بساط أحمدي) لأول مرة في دمشق, سمع الكثير من الأصوات المعلقة على الأداء التمثيلي للعروتين: العربي وكلثوم, وسادت وجهة نظر موحدة في بعض الأوساط النقدية, مفادها أن التمثيل هو نقطة ضعف جلية في صميم العرض كله.. نذكّر بذلك لنؤكد على نقطة هامة تكمن في النضج الهائل الذي وصل إليه بطلا العرض عندما قدم في مهرجان الكوميديا الثاني, تلبّس كامل للشخصية المتعايشة بسلام مع اللا وعي, وتكيف عفوي مثير للإعجاب مع الأخطاء التقنية التي وقعت في صالة المركز الثقافي باللاذقية.. ناهيك عن النص المميز الذي يجبر المشاهد على التواطؤ مع العرض, حيث يضع مرزوقي حنكته في ورق زاخر بالحوارات الفلسفية والنقاش الخلاق, الذي يزج الحضور في صلب تساؤلات محرجة حول الدين والخالق والإرهاب.. النفاق والاعتدال والتطرف.. الشرق والغرب وطرائق التفكير والتأويل.. كل ذلك من خلال شخصيتين متناقضتين مع النفس والآخر والمجتمع كله, وحدوتة بسيطة تتعقد شيئاً فشيئاً لتكشف أن السجادة تخفي سر الحكاية, وأن وراء الأكمة ما وراءها!!‏

(بساط أحمدي) يعلمنا.. أن العيش في سبيل الله ممكن أيضاً.‏

مصاعب مالية..‏

الأسبوع الأدبي علمت بالمصاعب المالية التي واجهت لؤي شانا والتكاليف الباهظة التي لم يغط الرعاة ربعها, مما دفعه إلى فتح باب بيع البطاقات لجسر الهوة الهائلة بين السيولة والتكاليف, كما كان عدد الحضور أقل من المتوقع, وهو ما يمكن تفسيره بعقلية شعبية لا تتعامل مع المسرح كطقس اعتيادي, في ظل خمول ثقافي خيّم على المدينة الساحلية لسنوات عدة.‏

نبع للإيجار..‏

هو اسم العرض التركي المشارك في المهرجان, والذي أدى اعتماده على الحوار بشكل شبه تام إلى خلق حالة إحراج كبير بين الجمهور الذي لم يفهم شيئاً من اللغة التركية, وبين الممثلين الذين عمدوا إلى التحدث مباشرة مع جمهور الصالة لدفعه إلى التفاعل والمشاركة. مدير المهرجان صارحنا أنه لم يتسنّ لهم الاطلاع على شغل الفرقة قبل مجيئها بسبب مماطلتها في التجاوب, وهو لا يعفي المنظّمين من تحمل مسؤولية تضييع يوم كامل دون جدوى!.‏

ومضات..‏

* لم تتمكن الفرقة التونسية من الحضور بسبب مشاكل إدارية تتعلق بها, وهو ما يذكرنا ببلد آخر تقع فيه هذه المشاكل عادةً!!.‏

* لم يتجاوب المسرح القومي في طرطوس مع فكرة نقل العروض إلى هناك بعد اللاذقية, مسوّقاً حججاً واهية بنظر مدير المهرجان لؤي شانا.‏

* أثّر تكريم دريد لحام في الحضور الذين صفقوا طويلاً للفنان الكبير, خاصة بعد غنائه لمقاطع من "بكتب اسمك يا بلادي" على خشبة المسرح.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244