|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
فيرجيل والأرض الموعودة ـــ د.غالب سمعان انتمى الشاعر الروماني القديم فيرجيل Virgil (70-19 ق.م) إلى عائلة رومانية، أورثته ميزاتها السيكولوجية الأخلاقية، وساهمت في اندفاعه باتجاه عوالم رعوية فردوسية، وحياة زراعية، يحياها فلاحون طيّبون وراغبون في إقامة نمط من العيش المثالي الحافل بالعلاقات الإنسانية الودية، ومما هو معروف عن والده أنه كان مزارعاً بسيطاً، وأنه استطاع باجتهاده وإخلاصه، نيل ثقة سيّده، الذي زوّجه من ابنته، وأورثه أرضاً زراعية، آلت فيما بعد إلى ابنه الشاعر فيرجيل، الذي أحب الطبيعة، وامتدح الحياة الريفية، وفضّلها على الحياة في المدينة، واعتقد بأهمية العمل والكدح، إذا ما أراد المرء الانتصار في صراعه مع الطبيعة، والظفر بالعيش الهانئ، أما والدته فقد اعتقد البعض أنها كانت ساحرة، وهو ما يوحي بأنها كانت من النمط الذي يتعلق بالماورائيات والأساطير، وعلى الرغم من اهتمامه بالفلسفة المتحرّرة من الاعتبارات الخارقة للطبيعة، فإن فيرجيل بقي على صلة أقوى بالماورائيات والأساطير كوالدته، وهناك من اعتبره ساحراً مثلها، وقادراً على التنبؤ، وفي هذا السياق تأتي إشارته الهامة في مؤلفه (الرعويات The Eclogues) وتحديداً في "الرعوية الرابعة" إلى ولادة "طفل إلهي" تكل إليه الأقدار مهمة إحلال السلام والازدهار في الأرض الرومانية، التي شهدت حروباً أهلية مريرة، وهي النبوءة التي تم تفسيرها بطرق مختلفة. والواقع أن هذا الشاعر الحالم بإمكانية حلول السلام، وقيام أمة متماسكة، التقط بوادر الانفراج التي لاحت في الأفق، عندما انتصر أوكتافيوس وأنطونيوس على قتلة الإمبراطور يوليوس قيصر، وتحققت تماماً عندما انتصر أوكتافيوس (الذي دعي بالإمبراطور أغسطس) على أنطونيوس وكليوباترة في موقعة أكتيوم، فانتهت الحرب الأهلية، وعم السلام، وابتدأ عهد الرخاء والازدهار، وهو ما أبهج الشاعر فيرجيل، الذي بدا بتكوينه، ومن خلال مؤلفه في (الرعويات) راغباً في نمط من العيش الإنساني المثالي. ومما أبهجه أيضاً، أن الإمبراطور نفسه شمله بعطفه، وشجعه على امتداح الرجل الطيّب والخبير بالزراعة، وأن اعتقاده بوجود دورة زمنية، ينتقل فيها الجنس البشري، من عصر ذهبي إلى عصر حديدي رديء، تبدو على توافق مع اعتقادات الشاعر اليوناني هيزيود (lived 8th Century BC) Hesiod الذي سبقه في الكتابة، عن الشؤون الزراعية، وترك تأثيرات كبيرة عليه، ويبقى أن فيرجيل امتلك رؤية أشمل وأكثر اتساعاً، واعتقد بإمكانية انتقال العالم إلى عصر ذهبي قائم على ركائز مثالية، في حين أن هيزيود الذي شغلته الإشكالية الناجمة عن ظلم أخيه له، وسلبه حقوقه، اعتقد بأن العصر الذهبي قد ولى، ولن يرجع ثانية، ولم يتطرق إلى قضايا الوطن والأمة. ومن ناحية أخرى امتد تأثير فيرجيل عبر القرون، وطال أدباء وشعراء عالميين كثر، ففي الأدب الإنكليزي الرومانتيكي حاول الشاعر جون كيتس John Keats (1795-1821) في بداية حياته الإبداعية، ترجمة ملحمة (الإنيادة Aeneid) التي اشتهر بها الشاعر الروماني، وكانت أولى مؤلفاته الهامة، ديوانه الذي حمل عنوان (إنديميون Endymion) وفيه يواظب الأمير الراعي إنديميون على مطاردة المتع الحسية، في أجواء رعوية خيالية حالمة، ويقع في غرام إلهة القمر سيلين، ويحيّي عاطفة الحب دون انقطاع، ويضفي على الجمال الحسي معنى متعالياً Transcendental وغير ملموس. أما في الأدب العربي الحديث فقد أبدع الشاعر الرومانتيكي أبو القاسم الشابي (1909-1934) أشعاراً كثيرة، يصف فيها الطبيعة وكائناتها، ويحنّ إلى الحياة الآمنة في ربوعها، والخالية من المتاعب والأوجاع، وفي قصيدته (من أغاني الرعاة) يصوّر المظاهر الطبيعية الخلابة، ويبدو كراع يهتم بخرافه في تلك الأجواء الفاتنة، ويحرسها من الذئاب، التي ترمز إلى الشرور، التي يحفل بها السياق الحياتي الواقعي. وفي جملة إبداعاته الأدبية، يبدو جبران خليل جبران (1883-1931) على صلة قوية بالحياة الرومانتيكية البدائية في الغاب، وفي قصيدته (البلاد المحجوبة) التي وردت في كتابه (البدائع والطرائف) ينفر من الواقع، وعالم الخبرة، وما فيه من انحطاط ومعاناة، ويسعى باشتياق وتلهّف، إلى عالم يوتوبي عامر بالحب والفرح، وهو يكتشف اكتشافاً على قدر كبير من الأهمية، عندما يقرّر أن ذلك العالم قائم داخل الذات وليس خارجها. ويبدو أن الشاعرة الإنكليزية كريستينا روزيتي (Christina Rossetti) (1830-1894) التي سيطرت على أشعارها نفحات أخلاقية دينية، قد اعتقدت اعتقاداً مشابهاً في قصيدتها (أرض الأحلام) التي تحلم فيها بالراحة الكاملة، دون أدنى قدر من المعاناة. على أن الشاعر فيرجيل أدرك أن كتاباته الحالمة في (الرعويات) وفي مؤلفه اللاحق (الزراعيات The Georgics) الذي تبدو فيه أجواء رعوية أيضاً، وحياة طيبة، يحياها الفلاحون البسطاء، ليست تلك الكتابات التي تعبّر عن الحقائق البشرية تماماً، فالحياة تحفل بالصراعات والحروب، وفي هذا الديوان الثاني، الذي يضم أربعة كتب، يتطرق الشاعر إلى إشكاليات الحرب والسلم، والموت والبعث، وثمة إشارات إلى الصراع الذي يخوض الإنسان غماره، ضد التدهور والمرض والموت، وإلى الطهارة، وانتصار الحياة في نهاية المطاف، وحقيقة كون الحب أقوى من الموت، بالإضافة إلى أهمية الكدح، وتكريس الإنسان قواه في الأعمال النافعة، وفي خدمة الوطن، أي في أداء تؤيّده روح وجوهر الكون. ومما يصوّره في ديوانه هذا، الأهوال التي حدثت في أعقاب اغتيال يوليوس قيصر، والفوضى التي عمّت الإمبراطورية الرومانية، وهو يقدم أوكتافيوس باعتباره الأمل الطالع، الذي تحقق من ناحية واقعية. أما الإشارة إلى علامات الشؤم في الطبيعة، والخلل الطارئ عليها، فإنه مما يتوافق مع الفكر الفلسفي الرواقي، الذي اطلع عليه الشاعر، فتلك الأحوال من نواميس الكون التي ألقي بها إلى الفوضى، وربما اعترض الكثيرون على إمكانية اعتبار يوليوس قيصر إمبراطوراً أخلاقياً، باركت حكمه العناية الإلهية، فالكاتب الألماني بيرتولت بريخت (Bertolt Brecht) (1898-1956) يصفه في مجموعته القصصية (أوراق من الروزنامة) تحت عنوان (يوليوس قيصر والجندي) بالديكتاتور، ويصف الأوضاع التي سادت روما، في أيامه الأخيرة بالسوء الفادح، فالعلاقات القائمة على أساس التنافس بين الشيوخ ورجال المال، وصنّاع الأسلحة وعامة الشعب، بالإضافة إلى الاضطراب السياسي والحربي، تقدّم انطباعاً بأن نهاية هذا القيصر باتت وشيكة، وأن الإمبراطورية الرومانية على وشك الانزلاق باتجاه هاوية الفوضى، وهو ما حدث في الواقع، وإلى ذلك يصف الكاتب الألماني حال المحارب القيصري القديم تيرنيتوس سكابر، الذي ظن أن بإمكانه استثمار مكانته في تحقيق مكاسب ليست أكثر من عادية، غير أن أحلامه انهارت، وتم اغتيال خطيب ابنته لوسيليا، وهو سكرتير القيصر تيتوس راروس، قبيل اغتيال القيصر نفسه، وبالإجمال فإن أوضاع روما في ذلك الأوان، بلغت درجة متقدمة من التدهور، ويبدو أن نظرات فيرجيل الفكرية أقل اتصافاً بالموضوعية والإنصاف، مما هو عليه الحال لدى بيرتولت بريخت، الذي كشف كل ما يتخفى وراء الأقنعة، من شعارات براقة، وأحلام وردية. وفي كل الأحوال، ربما أمكن اعتبار فيرجيل من أولئك الشعراء الذين يؤيّدون الحكم الاستبدادي العادل أو المتنوّر، القادر على إحلال الأمن في الدولة، وعلى تمكين أبنائها من العيش الآمن، وتحقيق إنجازات تطال كافة فروع الحياة الإنسانية، وتدفع باتجاه الازدهار العام. والمعلوم في هذا السياق، أن الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (Thomas Hobbes) (1588-1679) بنى فلسفته على اعتقاد قائل بأن الحياة البشرية تنطوي على إمكانيات التقاتل والفوضى، وهو الفيلسوف الذي مال كالشاعر فيرجيل، إلى حياة خالية من الاضطرابات، وإلى الإشادة بشيوع السلم، وفي كتابه الإشكالي (اللواياتان أو التنّين) ينادي بأن يكون الحاكم استبدادياً، أي قادراً على فرض النظام، ومنع الجماعات البشرية من التقاتل، والإخلال بالأمن العام، وإمكانيات التقدم، ومما هو لافت في بعض من أشعار الشاعر العربي اللبناني خليل مطران (1872-1949) إشادته بهذا النوع من الاستبداد، مثلما هو الحال في قصيدته (وقفة في ظل تمثال رمسيس) التي يحيّي فيها أمجاد الفرعون المصري، الحربية والعمرانية معاً. وليس كمثله الشاعر الرومانتيكي الإنكليزي بيرسي شيلي (Percy Shelley) (1792-1822) الذي هاجم كافة أشكال الاستبداد، وهو الشاعر الذي اختبر في حياته، أنواعا من الطغيان الجائر، وفي قصيدة له حملت عنوان (إنكلترة في 1819) يصور التدهور والظلم الذي حل بالناس، ويحلم كفيرجيل بإمكانية ظهور ما دعاه "الشبح المجيد" غير أن أحلامه باءت بالفشل، عندما ظهر نابليون بونابرت على مسرح الأحداث، وشن انطلاقاً من فرنسا، (التي أصبح إمبراطورها الفرد)، حروباً أدمت الدول الأوروبية، وأنهكت قواها. وهكذا فإن الشاعر الروماني الذي اختبر أهوال الحرب الأهلية، اندفع بالتدريج، باتجاه التعبير عن أحوال بشرية أكثر واقعية، فاقترب من الوقائع القائمة، وانصرف في الأعوام العشرة الأخيرة من حياته، إلى تأليف ملحمة شعرية طويلة، ولدى وفاته في الخمسين من عمره، كانت ملحمته (الإنيادة) قد اكتملت تقريباً، وفيها يصف البطل "أينياس" ومغامراته في البحار، وحروبه لدى نزوله مع أتباعه على شواطئ إيطاليا، وهو البطل الطروادي الذي نجا مع أبيه وابنه من حرب طروادة، التي أحرقت ودمّرت على أيدي اليونانيين، بعد قتال طويل وعنيف. وأينياس بطل ماورائي تحفزه الأقدار الإلهية، إلى القيام بأفعاله، وتدفعه باطراد باتجاه تحقيق هدفه، الذي تمثل في الوصول إلى "الأرض الموعودة" وإنشاء أمة عظيمة، وحياة يوتوبية متألقة. وإذا كانت الفلسفة الأبيقورية القائلة بأن المتعة هي الخير، قد أثرت في فيرجيل في بداية حياته، فإن الفلسفة الرواقية القائلة بالحياة وفق مقتضيات العقل والطبيعة، طغت عليها، واحتوتها في تكوينها، في قرارة نفسه، وهكذا فإن البطل "أينياس" ينطوي على ميزات البطل الرواقي، وهو ممن يحبّون السلم، ويرفضون إرادة القتال، على أنه يخوض غمار الحرب، من أجل تحقيق غايات أخلاقية، أي من أجل إقامة أرض الأحلام المثالية، التي تعمها السعادة والبراءة، وينتشر فيها السلام والازدهار. وكفيرجيل اهتم الشاعر الإنكليزي روبرت ساوثي (1774-1843) Robert Southey بإقامة نظام اجتماعي يوتوبي، على أرض الواقع، وفي قصيدة له حملت عنوان (معركة بلينهايم) يصور الدمار الذي تخلفه ظاهرة الحرب، على العمران، وعلى البشر، الذين يعانون من ويلاتها، ودائماً تبدو له أسباب الحروب واهية، والادعاءات التي تحاول امتداح الانتصارات الحربية، باطلة وزائفة. وأهم ما في ملحمة (الإنيادة) الجزء الثاني الذي يصف فيه فيرجيل سقوط طروادة ودمارها، والكيفية التي نجا فيها البطل أينياس مع أبيه أنخيسيس وابنه أسكانيوس، دون زوجته، التي لقيت حتفها، والجزء الرابع الذي يصف فيه العاصفة التي ألقت بأسطول أينياس على ساحل أفريقيا، وعلاقة الحب الشهوية، التي نشأت مع ملكة قرطاجة ديدو، بالإضافة إلى الجزء السادس، الذي يلتقي فيه أباه في العالم الآخر، ويطّلع منه على أرواح الرومان العظماء، الذين سيظهرون في المستقبل. وفي سياق يركز على الأسطورة الذاتية، والتكوين الصوفي، والأقدار الماورائية، المقررة بصورة قبلية، طلع الكاتب البرازيلي باولو كويلهو Paulo Coelho على العالم، بروايته التي حملت عنوان (الخيميائي)، وفيها يتبع البطل الماورائي سانتياغو أسطورته الذاتية، التي تقوده من أسبانيا، إلى كنز مدفون قرب الأهرامات في مصر، وأثناء رحلته الشاقة، يتردد أحياناً في متابعة ما أقدم عليه، غير أن أحلامه الذاتية المتكررة تمكّنه من إنجاز غاياته القصوى. وفيما يتعلق بالحرب والحب وفكرة الأرض الموعودة، يعدّل باولو كويلهو تعديلات كبرى على ما ورد في التراثات الأممية، فالحرب لا يشارك فيها سانتياغو، والحب ليس شهوياً أبداً، والأرض الموعودة ليست أكثر من كنز مدفون قرب الأهرامات، ولعله مدفون داخل الذات، فما من وجود حقيقي له، وإلى جانب سانتياغو، توجد نماذج ماورائية أخرى، تسعى إلى بلوغ أهدافها القصوى، وإنجاز أسطورتها الذاتية، كالإنكليزي وكالخيميائي، ومثلما تنهار العراقيل التي تقوم في وجه البطل أينياس، في ملحمة (الإنيادة) والتي يمثلها القائد تورنوس، والإلهة جونو، والملكة ديدو، فإن العراقيل التي يواجهها سانتياغو، تزول واحدة تلو الأخرى، أمام إصراره على التقدم باتجاه هدفه النهائي، وإذا كانت رواية (الخيميائي) صوفية في محتواها العام، فإن المؤثرات التي تركت بصماتها على فيرجيل، لدى كتابته (الإنيادة) رواقية وأفلاطونية وفيثاغورثية، وعلى توافق مع المضامين الصوفية الروحية. ويبقى أن هذه الإبداعات الوجدانية، لا ينبغي لها أن تكون عامل تفرقة بين الأمم، والحضارات القائمة على تراث روحي، متجذر في أعماقها، فالغاية التي أعلنها المؤلفون، تهدف إلى إقامة السلام في العالم، وليس إلى إثارة القلاقل والحروب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |