جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

آغاتا كريستي الملكة الثانيـة للإمبراطورية البريطانية ـــ عبد الباقي يوسف

استهلال‏

تعد الروائية آغاتا كريستي سيدة للرواية البوليسية في تاريخ الرواية، كونها مؤسسة لهذا الشكل في السرد الروائي، وقد استطاعت أن تستقطب شرائح متعددة إلى قراءة الرواية.‏

المرأة التي عاشت كثيراً ورأت كثيراً وارتحلت كثيراً وكتبت كثيراً , قالت ما لم تقله كاتبة من قبلها, صورت أجواء روائية غاية في الإثارة والحساسية والجرأة الأدبية, ولو لم تكتب اسمها تحت كل هذه الإبداعات البوليسية لما كان بوسع أحد أن يتصور بأن ثمة امرأة غارقة في الرومانسية تقف خلف هذه الأجواء كلها.‏

صاحبة أكثر الكتب قراءة في العالم‏

عاشت كريستي ثمانين سنة, وأنتجت ثمانين كتاباً واعتبرت أعظم سيدة في العالم سنة 1971 ورسخ اسمها منذ ذلك التاريخ في ضمائر ملايين القراء من مختلف بقاع العالم ومن مختلف اللغات الحية، فقد بيع لها ملياران ونصف نسخة من مجمل مؤلفاتها, وهو الرقم الذي لا يتجاوزه أحد في العالم غير عددٍ قليل, وصارت كريستي السيدة الأولى في عالم الأدب البوليسي يقوم كبار المخرجين بتحويل رواياتها إلى أفلام سينمائية وتتبارى دور النشر الكبرى لطباعة وترجمة أعمالها في طبعات متتالية.‏

سأتحدث بسطور قليلة عن حياة وأدب هذه الكاتبة التي ولدت يوم 15أيلول من عام 1890 لأم إنجليزية وأب أمريكي.‏

تصف كريستي مرحلة طفولتها: / كان شعري مرفوعاً كما كان دارجاً في تلك الحقبة ويسمى -على الطريقة الإغريقية- مع ضفائر عالية تحيط بها عصابة حريرية بيضاء ملونة، كان هذا الزي فعلاً زياً أنيقاً.‏

وعن مرحلة طفولتها تقول :«من أمتع سنوات حياتي وأسعدها، سنوات طفولتي الأولى, كان لدي بيت وحديقة كنت أعشقهما, ومربية ممتازة, وكان أبي وأمي يجسدان الحب والحنان وجعلا من حياتهما حياة ناجحة وهانئة».‏

وكأي امرأة عادية فقد تزوجت وأرادت أن تبني بيتاً وتربي أطفالاً.‏

تجربـة الزواج‏

كانت في الرابعة والعشرين عندما التقت السيد أرشبالد كريستي وتزوجته, وكان طياراً, ولكن هذا الزواج باء بالفشل على الرغم من أنه دام سنوات وأثمر ابنتها روزالين, ففي عام 1928اكتشفت كريستي أن زوجها يحب سكرتيرته, وهي فتاة سمراء تدعى نانسي نيل تصغرها بعشر سنوات, ويسعى للزواج منها وهي العقبة الوحيدة في وجه هذا الزواج. وبالفعل فقد هرب الرجل من كريستي ليتزوج من هذه السكرتيرة الجميلة فكان ذلك بمثابة وقع الصاعقة على آغاتا التي استسلمت للأوهام على الرغم من مواهبها الأدبية, وما زادها كآبة في تلك المرحلة أن والدتها فارقت الحياة فبقيت كريستي في أزمة نفسية حادة أدت بها إلى ترك سيارتها في إحدى الطرقات واللجوء إلى فندق على أحد السواحل تحت اسم مستعار هو اسم سكرتيرة زوجها, وبدت فاقدة للذاكرة تطلب من الناس التعرف إليها وتحديد هويتها, ثم نشرت رسالة بهذا الأمر في إحدى الجرائد المحلية ولكن دون جدوى لأن الرسالة كانت محررة باسم آخر, لكن فيما بعد تعرف إليها بعض أهلها ونقلت إلى مصح نفسي تتلقى العلاج.‏

بدايات الدخول إلى عالم الكتابـة‏

بعد بقاء طويل تحت الإشراف الطبي في المصح تماثلت كريستي للشفاء وعادت إلى القلم علّه ينسيها صفعة الحب فكتبت روايتها /الرجل القاتل/ وهي تعاني أزمة المرأة المطلقة التي هجرها رفيق دربها ليقترن بامرأة أخرى. لكن تبقى المرارة تعتصرها مدى الحياة فيبدو هذا جلياً في رواياتها التي تصور في بعض المقاطع واقع هذه المرارة الشخصية, وأذكر هنا مقاطع البداية من روايتها /المرآة المكسورة/ التي تقول فيها: مارينا غريغ امرأة جميلة ذات موهبة رائعة, كانت لها قدرة عظيمة على الحب والكراهية, ولكنها لم تكن مستقرة فمن المؤسف حقاً أن يفقد المرء الشعور بالاستقرار. وفي /ذاكرة الأفيال/ تقول: السيدة بيرتن كوكس تفتح من جديد خزائن ماضي رافينز كروفتا, ولكن هذا الماضي مختلف ومخيف وفي /تحريات باركرباين/ تكتب: أحست السيدة باليأس والأسى, ولكن حياتها انقلبت رأساً على عقب بعدما قرأت في الصحيفة إعلاناً يقول: هل أنت سعيد.‏

مرحلة جديدة من الحياة والكتابـة‏

لم تستسلم كريستي لليأس ولكتابة المرثيات, وهنا تقرر أن تبدأ فصلاً جديداً من حياتها, هذا الفصل الذي سيكون بطله زوجها الثاني, فقد سافرت إلى العراق وتزوجت من السيد «ماكس ماللون» وهو عالم آثار كان يعمل في المناطق الأثرية في العراق في محاولاته للكشف عن مدينة /أور/ السومرية, وربما كرد على زوجها السابق الذي تزوج امرأة تصغرها بعشر سنوات, فقد كان هذا الزوج الثاني يصغر آغاتا أيضاً بست عشرة سنة , وكان زواجاً فاشلاً ولم يثمر أطفالاً، وفي العراق قامت بتأليف روايتها /جريمة في العراق/, أما ما لفت الأنظار إليها بقوة ككاتبة بارعة في الاتجاه البوليسي هو كتابها /أساليب القتل في القضايا الغامضة/وبخاصة شخصية/هيركول بايروت/ التي غدت محببة في صفوف كبار الممثلين السينمائيين والمسرحيين.‏

بالطبع هذا يعود إلى تمكن الكاتبة من أدواتها وانتقاء مواضيعها وبالتالي عدم الخروج عن خطها العام الذي عرفت به, فكانت كل رواية هي لبنة جديدة من ذاك الصرح الذي شيدته آغاتا كريستي بسهر الليالي والسفر والقراءة والإصغاء الجيد للآخرين, فكانت توظف كل لحظة من لحظات حياتها لأدبها وعملها الدؤوب المستمر دون كلل أو ملل. كما أن كريستي تنتقي موضوعاتها بدقة, فإنها تنتقي عناوين رواياتها وكذلك الجمل المعبرة عن أي عمل جديد تقدمه ومن عناوين هذه الروايات: «لغز ستافورد – ليل لاينتهي – القضايا الأخيرة للآنسة ماريل – ذو البدلة البنية – الحصان الأشهب – المرآة المكسورة»‏

تبدأ كريستي رواياتها بجمل تجذب القارئ فتدخله بتدرج إلى وقائع عالم الرواية, فيشعر قارؤها برغبة لقراءة رواية جديدة وكأنها تكتب سلسلة متصلة.‏

الملكة الثانيـة للإمبراطورية البريطانيــة‏

إلى جانب كل هذا المجد الأدبـي وهذه الشهرة العالمية التي حققتها بقيت آغاتا كريستي التي لقبت بـ :/الملكة الثانية للإمبراطورية البريطانية/سـيدة هادئة الطبع, تعيش حرارة وبرودة وقائع الحياة الاجتماعية العامة، وبعد هذه التجارب كلها والمحن والإبداعات كلها قالت في نهاية حياتها: /هذه نزهاتي الطويلة قد انتهت, وحمام البحر الذي آسف عليه, وتناول شريحة من اللحم الـ(ستيك ) أو التفاح, أو ثمار العليق, وهاهي متاعب الأسنان أيضاً, والحرمان من الطباعة الأولى الدقيقة, لكن مازال هناك الشيء الكثير.. الأوبرا.. الموسيقى.. ومتعة الإيواء إلى السرير والذهاب في نوم عميق أحلم فيه بأشياء متنوعة. شكراً لله على هذه الحياة الجميلة التي عشتها, وعلى كل هذا الحب الذي لقيته/.‏

لكن بقي من هذه السيدة الكثير, بقي منها ذاك الإرث الروائي والأدبي العظيم كله, وبقيت شخصية امرأة كافحت من أجل ألا تستسلم لليأس الذي كاد أن يستبد بها.‏

لقد رغبت كريستي في أن تقول شيئاً لأبناء هذا العالم, وقد ترجمت رواياتها إلى غالبية اللغات الحية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244