|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تداعيات كائن الميتافيزيق ـــ جودت حسن هذه هي الخمسة عشر قرناً تنصرم بكلّ خيلاء؛ بكلّ ضجيج؛ بكلِّ براءة مفتعلة، بكلّ بلاغة خضّتْ معها تلال الرمال، وكانت الرمالُ متحرّكةً دوماً، وكان الخيالُ سبّاقاً إلى المعارك؛ وكنّا «في الصّدر» دائماً، ولم نقبلْ أنْ نكون في «العجز»... هذا هو توصيفنا الذي لا يتقدّم ولا يتأخر: لا يُناقِش ولا يُناقَش؛ لا يُحكِّم ولا يُحاكم؛ لا يقبل بغير منطقة الذاتي الذي يختلف عن كلّ منطقٍ آخر في الدنيا.. الخمسة عشر قرناً تنصرم، ولم نشغلْ بالنا بالفلسفة وتفسير العالم كما يجب؛ ولم نعملْ على تغيير العالم كما يجب؛ وحاربنا المصطلحات بالشرطة والرشوة..! العالم الشرقيُّ ينشغل بقصّة واحدة لا غير لها طرفان؛ أوّلهما جودة كمنطق عُرْفي؛ والآخر كوجود فيما بعد الموت.. الوجودان يحكمهما الميتافيزيق.. وفي سلّةٍ واحدة نذهب إلى خلق العالم على كيفنا؛ جاعلين التاريخَ قميصاً لا يصلحُ لدكان المراثي والمعلّقات.. وينبغي أن يكون النقد هنا ميتافيزيقياً... ـ على طريقة الشعر ـ وإلاَّ فنحن ساقطون في الهوى والوحل؛ وسوف يتخلّى عنّا الوزنُ في أوَّل صوتِ طبلٍ يدقُّ في بريّةٍ تمتلئُ بالبلاغةِ والذئابِ والرمل وحوارٍ لا يقعدُ على كرسيٍّ، ولا يذهبُ إلى صيد الأرانب.. لا يمكن تفسير العالم بجملةٍ واحدة في شرقٍ يعيش على التأويل القاصر منذ خمسة عشر قرناً بالتمام والكمال، والحمدُ لله أنّ كتاب «الأغاني» ما يزال ساري المفعول؛ وأنّ طلاّب الجامعات يُلحَّون في طلبه لكتابة السيرة الذاتية لمجنون له أكثر من اسم؛ وأكثر من صفة، وأكثر من قبيلة، وأكثر من أطلال؛ وأكثر من توصيف؛ وناقة واحدة يذبحُها كلَّ ليلة ليتسلّى مع الذئاب التي تشاركه في احتفالات البريّة لذّة الشوق إلى المطلوب؛ هو جسدٌ من قبل العاشق ليمتدحه؛ وهو جسدٌ أيضاً للطرف الذئبيّ الثاني ليؤكل فقط..! حدّا الميتافيزيق الذي يملأ صفحات الوعي في رملٍ يعدُّفا على مهله؛ ويسنّثا مع الرياح الكونيّة في جهاتٍ عديدةٍ يلخِّصها المكانُ كبعدٍ وحيد لإنسان عقلهُ يحبو على الأرض باحثاً عن لذّته القصوى في التعذيب بشقيّه المتّجه إلى الآخر «كسادتي»؛ والمتّجه إلى الذات والداخل «كمازوخيّ»؛ والمكان بُعْدٌ لا يمكنُ تغييره بحوار أو مقعد أو هواء أو كرسيّ أو فذلكة أو تأويل يعتمد على التاريخ؛ أو فلسفة يجب عليها أن تغادر حقل الصّيصان..! تفسيرُ العالم؛ منطق الوعي في أقصى كرسيه على مكانٍ يشرفُ على التاريخ كبُعدٍ روحيّ لا بدّ منه؛ ومن ثمَّ العمل على تأييد سلطة العقل «العاقل» الذي لا يحبُّ إلاَّ المكان الذي يفاخرُ بخرافته في المكان فقط؛ حيث يتحوّل الزمن بكلّ بساطة هنا إلى روح نافلة؛ والحروب إلى كوارث جميلة لتتمتّع بسماع الرثائيات والبكائيات وجهات الشعر...! تفسيرُ العالم نعم؛ إنّما بتأويل واحد، له عينٌ واحدةٌ في وسط رأسه؛ هذا إذا صدّقنا الأساطير؛ في شرقٍ لا يستمتعُ بغير الأساطير، وجسد يلتذُّ بكلّ خرابٍ يحصل في العقلَ...!. تفسير العالم لا تغيير كرسيّ الرمل الذي تدورُ رحى البلاغة عليه كسيّدة تهندسُ أعمال التاريخ المأزوم غير الموجود إلاَّ في أذكار الغير المرضى...! حلمٌ بعودة الحصان الذي يجري بالبلاغة في سوق عكاظ، والناس تأكلُ التمر فقط، وتشربُ العذبَ من الأغاني؛ وتستوقفُ كلَّ مقدَّسٍ لتضيفه إلى دائرة المحرّمات الذي يعطينا الشعور بأنّنا في «الصدر» وأنَّ «العجز» للآخر الذي تلهيّه الغريزة فضيحة العقل؛ في تسيير ذمّة التاريخ الذي لا يغنينا إلاَّ كإيقاع وبلاغة وكرسيّ حكم..!! تاريخٌ مشى في غفلةٍ من التمر ومن آكليه حتّى نهاية القرن العاشر الميلادي؛ نهاية القرن الذي ارتسمت فيه الدوائر «الفلسفيّة» على عقولٍ «أنجزتْ» معجزتها الكبرى، بالتخلّي عن «العقل»؛ ويالها من مأثرة لم يقُمْ بها أحدٌ فيه «زعزوعةُ» عقلٍ واحدة...! في تاريخ كان يمشي على عكّاز؛ فأصبح يمشي على أربعٍ وبلا عكازٍ؛ أليست هذه معجزة أكبر من العقل الذي يحبّ أقفاص الحديد والبلّور، ولا يُستثار إلاَّ كالشعراء المجانين عندما تهبُّ على وجوده شقراء ضيَّعها «اللّوف» في غرفاتٍ للجسد تعلنُها الغريزة ـ بنتُ العقلِ؛ كلَّما كان العقلُ غائباً عن رأسه وعن تاريخه وعن زمانه وعن بلاغته التي لا يحيا بدونها كأنّه سمكٌ لا يقتله إلاَّ الماءُ المتراكمُ في زرقةٍ لها بحرُها وألغازها ومخازيها وانتصاراتُها وجنودها وجنونها ودوائرُها المغلقة بإحكام لئلاَّ «يخربطَ» الهواءُ الشرقيُّ تنانير النساء الذاهبات إلى تحويشِ التمر في جغرافيا لا تصلحُ إلاَّ لسكنهِ رياحٍ تعيش في حريّة إلغاء المكان كزمنٍ خاصّ....! البعضُ؛ في الدنيا التي تتّسعُ لغيرنا؛ ويالها من مأثرة تكاد تكون أكثر من ميتافيزيقية: أن يتّسعَ الكونُ لغيرنا، أنْ يكون هناك في الدنيا من يستمتع بأكل شيء غير التمر، وأنْ يستمتع هذا الكائن بشيءٍ غير البلاغة؛ وأنْ يكون لهذا «الكائن» اسم وصفة وإعراب؛ وأنْ يكون له زمانه وتاريخه وحروبه وقوانينه ومجانيته ومكانٌ ينطلقُ فيه ليتّسعَ كرسيُّ التاريخ حيث تطلعُ الشمسُ على الجميع فيوقتٍ واحد؛ وتغيبُ عن الجميع في وقتٍ واحد؛ حيث «يقبعُ» هذا «الآخر» موجوداً بكثافةٍ وبلا غثيان؛ وقادراً على التحرّك بلا سحر ولا تعاويذ ولا شعر ولا زعماء ولا ضجر.. واحدٌ يتّسع له التاريخ ويحضنُه زمان فيه نساء وفيه بُرَكٌ من العطر، وفيه بلاغةٌ أخرى، وفيه نساءٌ يحدثُ من أجلها قتلٌ، وتتطّورُ الحروبُ من أجلهنّ؛ وهذا أجملُ مافي هذا التاريخ الأزعر الذي يمدُّ بساطه ليحتوي الآخر؛ ليوجد الآخر؛ ليكون الآخر؛ على فرشةٍ واحدة، على حصانٍ واحد مجنون تحرِّكهُ الحرب كلَّما ضجر حكّامُ الأرضِ منْ متَّةٍ تستهلكُ ماء الأنهارُ..! لماذا نشغل أنفسنا بتفسير الدنيا والعمل على تغييرها؟ الدنيا بساطٌ لا ينبغي أنْ يتغيّر؛ وإذا تغيّر فلا يجب أنْ نكون إلاَّ كما قال الشاعر: «لنا الصّدْرُ دونَ العالمين أو القبرُ»! وكانت الدوائر محكمة الإغلاق، كلُّ شيءٍ محكم الإغلاق، التاريخ، الزمان، المكان، الكلام، القاموس، الصباحات، الرمل، الشواطئ التي لا وجود لها إلاَّ في روايات «الآخر»؛ وزرقةٌ يكذبون علينا في وجودها في البحار، وهي غير موجودةٌ إلاَّ في العيون..! «آخرٌ» لعين؛ يفهم في التاريخ والجغرافيا والفلسفة، ومكَّنتْهُ فلسفتهُ من اجتياز الحدود الواقعية على الرغم من كلّ حواجز «الميتافيزيق» و«الأساطير» التي أقمناها على الطرقات، برّاً وبحراً وجوّاً.. ومازال الآخرُ مشغولاً بـ «تفسير» العالم ليغيّره.. وما زلنا مشغولين بالعيون التي تقتلنا بلا سيوف ولا سهام..! الآخر يتساءل في كلِّ صباح: كيف أكونُ أكثر جمالاً؟ ونحن لا نتعبُ من كرسيِّ الميتافيزيق التي نسألها ببلاغة: هل يغيِّرُ الزمنُ في دوائرنا المغلقة بإحكام؟.. إذا كان الأمر كذلك؛ وهو كذلك؛ فيا ويلتا.. ويا ويلنا...!!. الدنيا تتغيّر بتفسير وبلا تفسير؛ هي تتغيّر بعقل وبلا عقل، وهي تتغيّر بحكّام وبغير حكّام؛ هي تتغير بفلاسفة وبغير فلاسفة؛ هي تتغيّر بدوائر مغلقة وبدون هذه الدوائر.. تتغيّر الدنيا «كعاهرة»؛ كلّ يوم بفستان؛ كلّ يوم بسهرة جديدة؛ كلّ يوم بتاريخ جديد؛ كلّ يوم بقصّة جديدة كلّ يوم بشمس تعملُ على تغيير العشب والأشجار والبحار واليابسة... شمسٌ تغيّر حتّى في المصطلحات التي يريدها «على حرب» جاهزة لصنع دوائر جديدة أو مكعّبات أو مربّعات.. والعالم دوائر! والعالمُ حروب؛ والعالمُ طروادة وحروب ونساء وبترول... والعالم: عقل...! مصيبة أنْ يكون العالمُ عقلاً! مَنْ نصّبه حاكماً على التاريخ؟ ماركس؟ هيغل؟ الفلاسفة كلُّهم..؟ ألم يكنْ جديراً بهم الاكتفاء بطبخة «لوف» على الحطب، والعودة إلى الغنائيّة في الشعر..؟ هذا أمر لا يحدث في التاريخ مرّتين؛ والغنائية نفسها تتطّور «كعاهرة» في القصائد، وأصحاب الشاليهات والطبول والمراسيم ملّوا من ثيابها الفضفاضة وهم يبحثون عن أصلٍ آخر ولو كان من أصلٍ «داروينيّ»؛ فالملل إذا خرج عن حدِّه يحتاجُ إلى حرب، والحربُ تلهّي «كائن الميتافيزيق المطلق» عن شغله بالقاموس والأصل وتزيين القصائد الجديدة التي تبحثُ عنْ كعبةٍ لم تعُدْ موجودة في العواصم...!. كائن «الميتافيزيق المطلق» يحبُّ الشمس في كأسه وحيداً عندما يبكي جسده الضائع في امرأة جميلة لها شقرةٌ «تُنزِّلُ»الملائكةُ وطيورها من حالقِ الأجواء...!. رامبو؛ الشاعر الفرنسيّ الملعون، لخّص ما لا يمكن تلخيصه؛ في قصائد صغيرة مازالت «تثقبُ» دوائر الميتافيزيق حيثما حلّت؛ عليها اللّعنة؛ لكنّها لعنة ملائكيّة تسمحُ لها با لطيران والسيولة في كلّ مكان كأنّها من صلب «الدولار»؛ عملةٌ لا يمكن صدُّها لأنّها تلخّص التاريخ والزمان بلا فذلكات الرهبان وشيوخ العشائر؛ عملةٌ تستأهل أنْ ؟؟؟ قليلاً فيها في حياةٍ تغمرُنا مياهها بالرصاص والوحل، يقول رامبو في «صياد الأعمال الكبرى»: *ابتدعت أزهاراً جديدة ونجوماً جديدة ولغاتٍ جديدة... (ويتابع): إنَّ عهد اللّغة العالمية سيأتي؛ وستكون من الروح إلى الرّوح؛ مختصرة كلَّ شيءٍ و... الشعب لم يعُدْ عاهرة..»!. كائن «الميتافيزيق المطلق» يحبُّ الأزهار كما هي في أوّل حلّة؛ في أوّل سلّة؛ أو في.. أوّل أنامل ورديّة يصعب التفريق بينها وبين باقات الورد..!.. اللّعنة إذاً، على لغة تغيّر هندامها كلّ قرن أو قرنين؛ وبلاغة تنزل عارية إلى الشواطئ لتنادي بشمسٍ تطلع على الجميع بلا حروب ولا طروادة ولا هيلين..!. مازالت حكمةُ الشعراء أوّلاً والفلاسفة ثانياً قائمة، وهي تدعو إلى تفسير العالم لنقفز إلى الدرجة الثانية في بناء هيكل «الكائن» الميتافيزيقيّ حيناً؛ الواقعيّ أحياناً، المحارب العاهر أكثر الأحيان.. الآخر يطرح الأسئلة بلا ملل... ونحن نكرِّر البلاغة بلا مَلَلٍ...! إنّها معجزة كائن الميتافيزيق الرائع؛ الذي يموت دائماً على كرسيه الهزّاز آملاً من الملائكة أنْ تجد له قبراً تراجيديّاً يليقُ بـ «بلاغته»... ولكنّ الحقيقة موجودة لشؤون أخرى؛ وليس من أولوليّاتها تزيين القبور «التراجيدية» هذا إنْ وُجدتْ...!. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |