|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ِبشْر فارس : رائد المذهب الرَّمزي بين الرَّمزيَّة والإيقاع ـــ محمد علاء الدين عبد المولى عندما كان الشاعر ((بِشْر فارس)) ينشرُ قصائده التي تحمل عناوين مثل ( الخريف في باريس – الشتاء في باريس – الربيع في باريس – الصَّيف في باريس – الخريف في برلين – الخريف في فنلندة .... الـخ ) . كان يجد ردود فعلٍ ضدّ قصائده لأكثر من سبب ، وخلاصة الأسباب أن هذا الشاعر يكتبُ تحت تأثير (الرَّمزيَّة) الأوربيَّة . وفي ذلك الأوان كانت نظرةُ المناخ النّقدي العربيّ لا ترحّب كثيراً بالرمزية نظراً لما توهَّمه أعداؤها من أنها تعني الانقطاع عن التّواصل مع القارئ بما تُسبّبه من غموضٍ وإبهامٍ . ويضاف إلى ذلك تلك الرؤية القاصرة لطبيعة الرَّمزيَّة كمذهب أوربيّ عاملَهُ التّقليديون والاتّباعيون معاملةَ العدوّ بشكل مُسْبقٍ . من هنا يُتّهمُ بشر فارس بأنه يتّخذ من الطبيعة الأوربيّة موضوعات لشعره ، في القصائد الّتي أشرنا إلى عناوينها . وهي قصائد تدلّ مباشرةً على فصول الِسَّنة كما عاناها الشاعر في أكثر من مدينة أوربيَّة. ولكن ما حقيقة الأمر ؟ ما علاقة الرمزيّة بفصول السنة ؟ وهل الفصول هنا هي عبارة عن تحّولات في ظواهر الطبيعة من الربيع إلى الصيف إلى الخريف ...؟ وما الرموز التي يمكن أن يكتشفها الشاعر ، أو القارئ في هذه القصائد ؟. يشير السّيد جورج عيسى في مقدّمته لشعر بشر فارس في الكتاب الصادر عن وزارة الثّقافة ، إلى أنّ الَّطبيعة عند الَّرمزيين تختلفُ عنها عند الرومانسيّين ، فهؤلاء يتَّخذون موضوع الطَّبيعة (( متنفَّساً لعواطفهم وأحاسيسهم الداخلية وجعلها تشاركهم مشاعرهم ، فهؤلاء يُسقطون مشاعرهم على الَّطبيعة )) ص19. أمّا الّرمزيون فهم يتجاوزون مسألة إسقاط العواطف والمشاعر ليعانقوا الَّطبيعة على أنها رموزٌ وإشاراتٌ ، يتعاملون مع ما توحي به أو تشير إليه . وهذا لأن الّتعامل الرمزي مع مرادّ الحياة لا يقفُ عند المستوى المباشر والملموس للّظاهرة ، وإنَّما يستقر في الَّرابطة الكامنة بين أفق الَّطبيعة ، والمرأة ، والوجود ، وبين ذات المبدع . من هنا يتحّول معنى الربيع من مستواه الزمنيّ والَّطبيعي ليرتبط بمستوى داخليّ في أغوار المبدع . ويأخذ الخريف كذلك معناه من خريف النَّفس والعاطفة والإحساس ، لا من اصفرار أوراق الشجر وغيومٍ رماديّة كئيبة . إن الرماد يصبح رماد القلب ، والكآبة تحلّ في الدّم والشّهيق والزّفير ... لقد هُيَّئَ للشعر العربيّ أكثر من اسمٍ رائد أنتج أدباً جميلاً يدور في فلك الَّرمزيَّة . ونحن هنا نريد أن نزيل الغبار عن معنى الَّرمزيَّة ، وأن نُخرجه من حدوده المدرسية ، ونتكلم عنه خارج الّتمذهب والتّحديد . فالحقيقة تقتضي أن نرى في أساس كل نصّ إبداعي ، قديمٍ أو حديث ، رموزاً معيَّنة لأن الرمز أداةٌ لازمة ولا غنى عنها لأي إبداع حقيقيّ فهو الذي يتيح للمبدعين أن يحوّلوا الواقع المحسوس والمباشر إلى رموز وتجريدات ، وأن يحوّل في الوقت نفسه المجردات إلى كيانٍ ملموس . وفي الحالتين يتمّ الاعتماد على العلاقة مع الرمز وبهذا يصبح الرمزُ عنصراً مكوّناً من عناصر التجربة الإبداعية وليس حكراً على مذهب أدبي ما . أمّا لماذا تمّ إطلاق الرمزية على مجموعة من الأدباء ، فذلك يتعلّق بشروط تاريخية واجتماعية كان يتمّ فيها تدشين مراحل جديدة ومتمايزة ردّاً على استغراق الأدب في الواقع المباشر ، أو في العاطفة الواهنة وحدها ، وتداعياتها ... ولكن المدقّق في الأمر يجد أن ما فعله المذهب الَّرمزيُّ كمدرسةٍ مؤطّرة ومحددة ، كان الأدب العظيمُ جميعه يقوم به . وأن ما سيفعله الأدب فيما بعد هو من حيث المبدأ الشيء ذاته الذي تعبت عليه الرمزية . والآن لم يعد مجدياً أن نصنّف من يعمل في مستوى الَّرمز ، ضمن خانة الرمزيّة ، لأن المسألة باتت تتعلّق بطبيعة الإبداع الشَّاملة والتي هي أوسع من اعتقالها في لائحة مطالب رمزيَّة ... حتّى ليمكننا الادّعاء الآن بأنه لا جدوى من أدبٍ خارج الَّرمز ... وإذا عدنا إلى المدرسة الرمزيّة وتأثّر الشعر العربي بها ، وجدنا بشر فارس ، وصلاح لبكي وسعيد عقل وبدايات نزار قباني ... وغيرهم ، قد اتخذوا من منطلقات الرمزية كمذهبٍ أساساً لكتابتهم ، كلٌّ حسب طاقته وهويّته الفنية المتمايزة عن الآخر . ولكن ممّا يلفت الّنظر حقّاً لدى جميع شعراء الرمزيّة هؤلاء انشغالهم بالتَّعبير عن التّجربة تعبيراً موسيقيّاً لا يمكن للقارئ أن يغضَّ عنه نظراً . فهو تعبير منتشر في نتاج هؤلاء انتشاراً شكَّل سمةً فنّيةً واضحةً . وهذا ليس أمراً طارئاً . فالَّرمزيون أعطوا الموسيقا حيّزاً وافياً من اهتمامهم وتنظيرهم وإبداعهم وقد تجلّى ذلك عند الشعراء العرب بأن بذلوا قصارى إمكانياتهم في سبيل صياغة تجاربهم ونقلها للقارئ ، بقالبٍ موسيقيّ خاصّ يعطي الأولويّة لرصد حركات المادّة والَّطبيعة والَّذات ، والْتقاط الّتناغم المتخفّي فيما بين الأشياء ، بما يقتضيه ذلك من اللُّجوء إلى لغةٍ تجاهد حتّى الَّرمق الأخير لتكون موسيقيّةَ بامتياز . ولذلك سببٌ خفيٌّ ربّما كان من النادر أن يبحث فيه أحد وهو يتعلّق بالصَّلة بين أسلوب عمل الرمز ، وأسلوب عمل الموسيقا . فالرمز يسعى لتجريد المادّة ورَفْعِ الشيء إلى مستوى الكثافة والّتلخيص والشّمول ، بحيث يصبح الشّيءُ لا نفسَهُ ، بل كما تحّول إلى رمزٍ . وكذلك الموسيقا ، من جهة اعتمادها على أقصى درجات التَّجريد . بل هي أشدّ الإبداعات هوساً بالتّجريد . من هنا يلتقي الرمز والموسيقا في أداء عما كلًّ منهما وربّما تفّوقت الموسيقا على الشعر في ذلك ، في مسألة تحقيق التّجريد المطلق . ففي الشعر تبقى اللّغةُ عائقاً مهما تجاوزناه ، يبقى مسيطراً بحضوره . ولكن هذه اللغة عندما يشتغل بها الرمزيّون فسيحوّلونها إلى علاماتٍ منتخبةٍ من الإيقاع ، وسوف يسهرون على اختيار الكلمات الملائمة لفعل الموسيقا، من هنا انهمك الرمزيون في اشتقاقات المفردات ، ونَحْتِ الكلمات من مقاطع قصيّةٍ لا تُرى . وهم يقفون أمام حاجز اللغة فيختصرون في استخدامها لتبقى فسحةٌ للصَّمت أكثر. ويختارون الإيقاعات المختصرة إلى أشدّ درجات الاختصار . لهذا نرى استخدامهم الدّائم والحثيث للأوزان الرشيقة التي لا يتجاوز عدد تفعيلات الشطر الواحد منها تفعيلتين أو ثلاث تفعيلات ... فانتشر بين أيديهم البحر السّريع ، ومجزوء الرجز ، والهزج ، ومجزوء الخفيف، ومجزوء الكامل ومجزوء الرّمل ...الـخ . وذلك تأكيداً منهم على غايتهم في الاقتصاد في استخدام الكلام طالما أنهم يحوّلون العالم إلى رموزٍ يكفي وجودها ويُغني عن اللّغة الفضفاضة... هذا وقد شُغل بشر فارس بموضوع أوزان الشعر إلى درجة أنه اجتهد في ابتكار أوزانٍ جديدة ، هي أيضاً مكثّفة ومختصرة . وإذا كان النقاد والدارسون أعطوا موضوع الموسيقا في المذهب الرمزي الكثير من الاهتمام ، فإنّه يمكن لنا هُنا أن نقف متسائلين أمام اجتهادات بشر فارس الإيقاعية وسنرى الآن أن الأمر يستحقّ الوقوف والمساءلة . فقد زعم بشر فارس أنه اخترع بحراً على الوزن ( المنطلق ) ، تفعيلاتُه هي : ( فاعلاتن مفاعلَتُنْ ) في كل شطر . وكتب على هذا الوزن عدداً من القصائد : ( مقاطع من قصيدة النّاي – قصيدة قيثار مغترب – أنشودة الفلاّح – الخريف في فنلندة ) . فيقول مثلاً في قيثار مغترب : نوح قيثار مغترب سَلْسَلَ الوجدَ بالَّطرَبِ حَبَسَ الأمسً في وترِ جُنَّ من جَسَّ مدَّكر (ص53) ويقول في مطلع أنشودة الفلاح : وغديرٍ جرى بدمي نحو حقلٍ من الفِتَنِ نزهةُ الأرض من سقمي أنا أسطورةُ الَّزمن (ص68) ولدى تحليل الإيقاع الوزنيّ في هذه القصائد نرى ما يلي : 1- نوح قيـ (فاعلن ) – ثار معـ ( فاعلن ) – ترب ( فعِلن ) 2- وغديـ ( فعلن ) – رٍ جرى ( فاعلن ) – بدمي ( فعِلن ) وهذا الوزن هو ( فاعلن فاعلن فاعلن ) في كلَّ شطر وهذا وزن معروف في البحور العربيّة باسم ( المتدارك ) مع إضافة ( فاعلن ) واحدة لكل شطر ليصبح المتدارك التّام . فلماذا سّماه بشر فارس بالوزن المنطلق ؟ وإذا حلّلنا القصائد على تفعيلاته ( فاعلاتن مفاعلتن ) لنتَجَ عندناما يلـي : فاعلن هي نفسُها فاعلا ( وغديـ ) وفاعلن هي نفسُها ( تُنْ مفا ) وفاعلن هي نفسُها ( علتن ) وهذه الأخيرة من جوازات فاعلن بعد حذف الألف . فما هو الجديد في اجتهاد بشر فارس ؟ أعتقد أنه اجتهاد يثبت الآن عدم صحَّته . فإذا كان لدينا وزنٌ أصليٌّ معروف ، فلماذا نبحث له عن تسميةٍ أخرى ؟ هل الهدف تبديل الأسماء ، والوزن هو هو ؟ لقد ردَّ بشر فارس على انتقاد أحدهم له حول هذا الوزن بأن المتدارك لا يتمّ فيه التزام (فعِلن) في المعروض . وبناءً عليه لا يمكن تسميتها إلاّ ( علتن ) من ( مفاعلتن ) . إن هذا في زعمنا لا يغيّر من حقيقة الأمر شيئاً فالبحر المتدارك من جوازاته فعلن (بكسر العين) وإذا لم يشترط النّظام الإيقاعي ضرورة الالتزام بها ، فهذا يعني أن بشر فارس اختار لنفسه اختياراً حرّاً أن يلتزم بها . فهل إذا التزم بها يقوم بتغيير اسمها ؟ بل إن هذا يدخل في باب لزوم ما لا يلزم وهي سمةٌ إيجابية للشاعر ، على ألا يسمّي ذلك بحراً جديداً . إن الابتكار يتمّ من الأساس ،وما فعله بشر كان تعديلاً فرعيّاً ، لا تغييراً جذريّاً. على أن بشر فارس وقع في خطأ أكبر من هذا عندما خرج على نظام الوزن في قصيدة ( في جبال بافاريا ) : من لقلبي المشتاقْ ما درى ما يشتاقْ نازعَتْهُ الأهـواءْ وهو مسلوب الرجاءْ (ص47) وهذه القصيدة من مجزوء ( الرمل ) : فاعلاتن فاعلانْ . ولكن الأشطر الأولى منها كانت كلها خارج هذا الوزن وجوازاته . حيث جاءت كما يلي): من لقلبل – فاعلاتن ) ( مشتاقْ – فَعْلانْ) ( ما درى ما – فاعلاتن ) ( يشتاق – فَعْلان ). إن فعلان هذه ليست من أسرة تفعيلات الرّمل . ولا يمكن قبولها إلا على أنها من بحرٍ آخر ، بحيث تجاورت في الشطر الواحد تفعيلتان كلّ منهما من عالمٍ وزنيّ مختلف. طبعاً لا يُقصد بهذه الملاحظات الّتقليل من أهمية بشر فارس . فنحن هنا ننتقد جانباً يتعلّق بالأوزان وحدها ، لا مستواه الإبداعي الرَّائد والمشهود له . ( 1 ) ( 1 ) - المصدر: شعر بشر فارس – رائد المذهب الرمزي في الأدب العربي – جمعه وقدّم له وعلّق عليه جورج عيسى – وزارة الثقافة 2000 . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |