جريدة الاسبوع الادبي العدد 1099 تاريخ 12/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ِبشْر فارس : رائد المذهب الرَّمزي بين الرَّمزيَّة والإيقاع ـــ محمد علاء الدين عبد المولى

عندما كان الشاعر ((بِشْر فارس)) ينشرُ قصائده التي تحمل عناوين مثل ( الخريف في باريس – الشتاء في باريس – الربيع في باريس – الصَّيف في باريس – الخريف في برلين – الخريف في فنلندة .... الـخ ) . كان يجد ردود فعلٍ ضدّ قصائده لأكثر من سبب ، وخلاصة الأسباب أن هذا الشاعر يكتبُ تحت تأثير (الرَّمزيَّة) الأوربيَّة . وفي ذلك الأوان كانت نظرةُ المناخ النّقدي العربيّ لا ترحّب كثيراً بالرمزية نظراً لما توهَّمه أعداؤها من أنها تعني الانقطاع عن التّواصل مع القارئ بما تُسبّبه من غموضٍ وإبهامٍ . ويضاف إلى ذلك تلك الرؤية القاصرة لطبيعة الرَّمزيَّة كمذهب أوربيّ عاملَهُ التّقليديون والاتّباعيون معاملةَ العدوّ بشكل مُسْبقٍ .‏

من هنا يُتّهمُ بشر فارس بأنه يتّخذ من الطبيعة الأوربيّة موضوعات لشعره ، في القصائد الّتي أشرنا إلى عناوينها . وهي قصائد تدلّ مباشرةً على فصول الِسَّنة كما عاناها الشاعر في أكثر من مدينة أوربيَّة.‏

ولكن ما حقيقة الأمر ؟ ما علاقة الرمزيّة بفصول السنة ؟ وهل الفصول هنا هي عبارة عن تحّولات في ظواهر الطبيعة من الربيع إلى الصيف إلى الخريف ...؟ وما الرموز التي يمكن أن يكتشفها الشاعر ، أو القارئ في هذه القصائد ؟.‏

يشير السّيد جورج عيسى في مقدّمته لشعر بشر فارس في الكتاب الصادر عن وزارة الثّقافة ، إلى أنّ الَّطبيعة عند الَّرمزيين تختلفُ عنها عند الرومانسيّين ، فهؤلاء يتَّخذون موضوع الطَّبيعة (( متنفَّساً لعواطفهم وأحاسيسهم الداخلية وجعلها تشاركهم مشاعرهم ، فهؤلاء يُسقطون مشاعرهم على الَّطبيعة )) ص19.‏

أمّا الّرمزيون فهم يتجاوزون مسألة إسقاط العواطف والمشاعر ليعانقوا الَّطبيعة على أنها رموزٌ وإشاراتٌ ، يتعاملون مع ما توحي به أو تشير إليه . وهذا لأن الّتعامل الرمزي مع مرادّ الحياة لا يقفُ عند المستوى المباشر والملموس للّظاهرة ، وإنَّما يستقر في الَّرابطة الكامنة بين أفق الَّطبيعة ، والمرأة ، والوجود ، وبين ذات المبدع . من هنا يتحّول معنى الربيع من مستواه الزمنيّ والَّطبيعي ليرتبط بمستوى داخليّ في أغوار المبدع . ويأخذ الخريف كذلك معناه من خريف النَّفس والعاطفة والإحساس ، لا من اصفرار أوراق الشجر وغيومٍ رماديّة كئيبة .‏

إن الرماد يصبح رماد القلب ، والكآبة تحلّ في الدّم والشّهيق والزّفير ...‏

لقد هُيَّئَ للشعر العربيّ أكثر من اسمٍ رائد أنتج أدباً جميلاً يدور في فلك الَّرمزيَّة . ونحن هنا نريد أن نزيل الغبار عن معنى الَّرمزيَّة ، وأن نُخرجه من حدوده المدرسية ، ونتكلم عنه خارج الّتمذهب والتّحديد . فالحقيقة تقتضي أن نرى في أساس كل نصّ إبداعي ، قديمٍ أو حديث ، رموزاً معيَّنة لأن الرمز أداةٌ لازمة ولا غنى عنها لأي إبداع حقيقيّ فهو الذي يتيح للمبدعين أن يحوّلوا الواقع المحسوس والمباشر إلى رموز وتجريدات ، وأن يحوّل في الوقت نفسه المجردات إلى كيانٍ ملموس . وفي الحالتين يتمّ الاعتماد على العلاقة مع الرمز وبهذا يصبح الرمزُ عنصراً مكوّناً من عناصر التجربة الإبداعية وليس حكراً على مذهب أدبي ما .‏

أمّا لماذا تمّ إطلاق الرمزية على مجموعة من الأدباء ، فذلك يتعلّق بشروط تاريخية واجتماعية كان يتمّ فيها تدشين مراحل جديدة ومتمايزة ردّاً على استغراق الأدب في الواقع المباشر ، أو في العاطفة الواهنة وحدها ، وتداعياتها ... ولكن المدقّق في الأمر يجد أن ما فعله المذهب الَّرمزيُّ كمدرسةٍ مؤطّرة ومحددة ، كان الأدب العظيمُ جميعه يقوم به . وأن ما سيفعله الأدب فيما بعد هو من حيث المبدأ الشيء ذاته الذي تعبت عليه الرمزية . والآن لم يعد مجدياً أن نصنّف من يعمل في مستوى الَّرمز ، ضمن خانة الرمزيّة ، لأن المسألة باتت تتعلّق بطبيعة الإبداع الشَّاملة والتي هي أوسع من اعتقالها في لائحة مطالب رمزيَّة ... حتّى ليمكننا الادّعاء الآن بأنه لا جدوى من أدبٍ خارج الَّرمز ...‏

وإذا عدنا إلى المدرسة الرمزيّة وتأثّر الشعر العربي بها ، وجدنا بشر فارس ، وصلاح لبكي وسعيد عقل وبدايات نزار قباني ... وغيرهم ، قد اتخذوا من منطلقات الرمزية كمذهبٍ أساساً لكتابتهم ، كلٌّ حسب طاقته وهويّته الفنية المتمايزة عن الآخر . ولكن ممّا يلفت الّنظر حقّاً لدى جميع شعراء الرمزيّة هؤلاء انشغالهم بالتَّعبير عن التّجربة تعبيراً موسيقيّاً لا يمكن للقارئ أن يغضَّ عنه نظراً . فهو تعبير منتشر في نتاج هؤلاء انتشاراً شكَّل سمةً فنّيةً واضحةً . وهذا ليس أمراً طارئاً . فالَّرمزيون أعطوا الموسيقا حيّزاً وافياً من اهتمامهم وتنظيرهم وإبداعهم وقد تجلّى ذلك عند الشعراء العرب بأن بذلوا قصارى إمكانياتهم في سبيل صياغة تجاربهم ونقلها للقارئ ، بقالبٍ موسيقيّ خاصّ يعطي الأولويّة لرصد حركات المادّة والَّطبيعة والَّذات ، والْتقاط الّتناغم المتخفّي فيما بين الأشياء ، بما يقتضيه ذلك من اللُّجوء إلى لغةٍ تجاهد حتّى الَّرمق الأخير لتكون موسيقيّةَ بامتياز .‏

ولذلك سببٌ خفيٌّ ربّما كان من النادر أن يبحث فيه أحد وهو يتعلّق بالصَّلة بين أسلوب عمل الرمز ، وأسلوب عمل الموسيقا . فالرمز يسعى لتجريد المادّة ورَفْعِ الشيء إلى مستوى الكثافة والّتلخيص والشّمول ، بحيث يصبح الشّيءُ لا نفسَهُ ، بل كما تحّول إلى رمزٍ .‏

وكذلك الموسيقا ، من جهة اعتمادها على أقصى درجات التَّجريد . بل هي أشدّ الإبداعات هوساً بالتّجريد .‏

من هنا يلتقي الرمز والموسيقا في أداء عما كلًّ منهما وربّما تفّوقت الموسيقا على الشعر في ذلك ، في مسألة تحقيق التّجريد المطلق . ففي الشعر تبقى اللّغةُ عائقاً مهما تجاوزناه ، يبقى مسيطراً بحضوره . ولكن هذه اللغة عندما يشتغل بها الرمزيّون فسيحوّلونها إلى علاماتٍ منتخبةٍ من الإيقاع ، وسوف يسهرون على اختيار الكلمات الملائمة لفعل الموسيقا، من هنا انهمك الرمزيون في اشتقاقات المفردات ، ونَحْتِ الكلمات من مقاطع قصيّةٍ لا تُرى . وهم يقفون أمام حاجز اللغة فيختصرون في استخدامها لتبقى فسحةٌ للصَّمت أكثر. ويختارون الإيقاعات المختصرة إلى أشدّ درجات الاختصار . لهذا نرى استخدامهم الدّائم والحثيث للأوزان الرشيقة التي لا يتجاوز عدد تفعيلات الشطر الواحد منها تفعيلتين أو ثلاث تفعيلات ... فانتشر بين أيديهم البحر السّريع ، ومجزوء الرجز ، والهزج ، ومجزوء الخفيف، ومجزوء الكامل ومجزوء الرّمل ...الـخ . وذلك تأكيداً منهم على غايتهم في الاقتصاد في استخدام الكلام طالما أنهم يحوّلون العالم إلى رموزٍ يكفي وجودها ويُغني عن اللّغة الفضفاضة...‏

هذا وقد شُغل بشر فارس بموضوع أوزان الشعر إلى درجة أنه اجتهد في ابتكار أوزانٍ جديدة ، هي أيضاً مكثّفة ومختصرة . وإذا كان النقاد والدارسون أعطوا موضوع الموسيقا في المذهب الرمزي الكثير من الاهتمام ، فإنّه يمكن لنا هُنا أن نقف متسائلين أمام اجتهادات بشر فارس الإيقاعية وسنرى الآن أن الأمر يستحقّ الوقوف والمساءلة .‏

فقد زعم بشر فارس أنه اخترع بحراً على الوزن ( المنطلق ) ، تفعيلاتُه هي : ( فاعلاتن مفاعلَتُنْ ) في كل شطر . وكتب على هذا الوزن عدداً من القصائد : ( مقاطع من قصيدة النّاي – قصيدة قيثار مغترب – أنشودة الفلاّح – الخريف في فنلندة ) .‏

فيقول مثلاً في قيثار مغترب :‏

نوح قيثار مغترب‏

سَلْسَلَ الوجدَ بالَّطرَبِ‏

حَبَسَ الأمسً في وترِ‏

جُنَّ من جَسَّ مدَّكر (ص53)‏

ويقول في مطلع أنشودة الفلاح :‏

وغديرٍ جرى بدمي نحو حقلٍ من الفِتَنِ‏

نزهةُ الأرض من سقمي أنا أسطورةُ الَّزمن (ص68)‏

ولدى تحليل الإيقاع الوزنيّ في هذه القصائد نرى ما يلي :‏

1- نوح قيـ (فاعلن ) – ثار معـ ( فاعلن ) – ترب ( فعِلن )‏

2- وغديـ ( فعلن ) – رٍ جرى ( فاعلن ) – بدمي ( فعِلن )‏

وهذا الوزن هو ( فاعلن فاعلن فاعلن ) في كلَّ شطر وهذا وزن معروف في البحور العربيّة باسم ( المتدارك ) مع إضافة ( فاعلن ) واحدة لكل شطر ليصبح المتدارك التّام . فلماذا سّماه بشر فارس بالوزن المنطلق ؟ وإذا حلّلنا القصائد على تفعيلاته ( فاعلاتن مفاعلتن ) لنتَجَ عندناما يلـي : فاعلن هي نفسُها فاعلا ( وغديـ ) وفاعلن هي نفسُها ( تُنْ مفا ) وفاعلن هي نفسُها ( علتن ) وهذه الأخيرة من جوازات فاعلن بعد حذف الألف . فما هو الجديد في اجتهاد بشر فارس ؟ أعتقد أنه اجتهاد يثبت الآن عدم صحَّته . فإذا كان لدينا وزنٌ أصليٌّ معروف ، فلماذا نبحث له عن تسميةٍ أخرى ؟ هل الهدف تبديل الأسماء ، والوزن هو هو ؟ لقد ردَّ بشر فارس على انتقاد أحدهم له حول هذا الوزن بأن المتدارك لا يتمّ فيه التزام (فعِلن) في المعروض . وبناءً عليه لا يمكن تسميتها إلاّ ( علتن ) من ( مفاعلتن ) .‏

إن هذا في زعمنا لا يغيّر من حقيقة الأمر شيئاً فالبحر المتدارك من جوازاته فعلن (بكسر العين) وإذا لم يشترط النّظام الإيقاعي ضرورة الالتزام بها ، فهذا يعني أن بشر فارس اختار لنفسه اختياراً حرّاً أن يلتزم بها . فهل إذا التزم بها يقوم بتغيير اسمها ؟ بل إن هذا يدخل في باب لزوم ما لا يلزم وهي سمةٌ إيجابية للشاعر ، على ألا يسمّي ذلك بحراً جديداً . إن الابتكار يتمّ من الأساس ،وما فعله بشر كان تعديلاً فرعيّاً ، لا تغييراً جذريّاً.‏

على أن بشر فارس وقع في خطأ أكبر من هذا عندما خرج على نظام الوزن في قصيدة ( في جبال بافاريا ) :‏

من لقلبي المشتاقْ‏

ما درى ما يشتاقْ‏

نازعَتْهُ الأهـواءْ‏

وهو مسلوب الرجاءْ (ص47)‏

وهذه القصيدة من مجزوء ( الرمل ) : فاعلاتن فاعلانْ . ولكن الأشطر الأولى منها كانت كلها خارج هذا الوزن وجوازاته . حيث جاءت كما يلي): من لقلبل – فاعلاتن ) ( مشتاقْ – فَعْلانْ) ( ما درى ما – فاعلاتن ) ( يشتاق – فَعْلان ). إن فعلان هذه ليست من أسرة تفعيلات الرّمل . ولا يمكن قبولها إلا على أنها من بحرٍ آخر ، بحيث تجاورت في الشطر الواحد تفعيلتان كلّ منهما من عالمٍ وزنيّ مختلف.‏

طبعاً لا يُقصد بهذه الملاحظات الّتقليل من أهمية بشر فارس . فنحن هنا ننتقد جانباً يتعلّق بالأوزان وحدها ، لا مستواه الإبداعي الرَّائد والمشهود له . ( 1 )‏

( 1 ) - المصدر: شعر بشر فارس – رائد المذهب الرمزي في الأدب العربي – جمعه وقدّم له وعلّق عليه جورج عيسى – وزارة الثقافة 2000 .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244