جريدة الاسبوع الادبي العدد 1100 تاريخ 19/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الجلاء... حرية وإبداع ـــ أ.د.حسين جمعة

هاهي ذي الذكرى الثانية والستون لجلاء المستعمر الفرنسي عن أرض الوطن تتجدد لتؤكد احتفاء أبنائها بالحرية والكرامة والتنمية والارتقاء والإبداع، وكان الشعب البطل قد احتفل بالجلاء رسمياً ورفع العلم على سارية المجد الوطنية في (17/4/1947م) على حين كان الجلاء الحقيقي في (15/4/1946م) علماً أن جلاء المحتل الفرنسي قد حدث في وقت واحد عن سورية ولبنان...‏

وما من عام يمر بالوطن إلاَّ تذكَّر أبناؤه أولئك المجاهدين والمجاهدات الذين زرعوا شجرة الحرية التي رويت عروقها بدمائهم الزكية، ومهروا الأرض الطاهرة بخاتم الفداء الأغلى؛ حين جادوا بأنفسهم ـ والجود بالنفس أقصى غاية الجود ـ وساروا في دروب النضال، فصنعوا لنا بيارق الشرف والمجد ليظل الوطن سيداً ومستقلاً، وليصبحوا رموز فخار واعتزاز لمبدأ الحرية والاستقلال والإبداع...‏

وكان عيد الجلاء قد بدأ في (24/7/1920م) حين تصدى البطل الشهيد يوسف العظمة ورفاقه للجنرال (غورو) في (ميسلون) فكانوا رمزاً للبطولة والشجاعة والفداء والحرية... إذ غدا موقفهم منطلق الوطن كله للتحرر والاستقلال واستعادة الكرامة... فاشتعلت الثورات في أنحاء سورية كلها في الجولان والجبل الأشم ودمشق والغوطة والقلمون وحماة وحلب وإدلب والساحل و... وتوحدت كلها في الثورة السورية الكبرى بقيادة المجاهد البطل سلطان باشا الأطرش ـ فتمثلت الروح الوطنية بأبهى حلتها منذ ذلك التاريخ؛ إذ كان خيار المقاومة خياراً موحداً لأبناء سورية.‏

كانت ثورات التحرر مفعمة بمشاعر الغضب والحقد على المستعمر الفرنسي والإنكليزي الذي تطاول على حق العرب في الحرية والاستقلال فأبى إلا أن يحتل وطنهم، ويرتكب الجرائم الشنيعة بالصغار والكبار، لا يردعه خُلق ولا ضمير... فراح يعيث فساداً في البلاد التي يسرقها وينهب خيراتها، وفي العباد الذين أذلهم وسخرهم لمصالحه...‏

ويعدُّ مفهوم الحرية الذي تجلى في خروج آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن معادلاً موضوعياً لمفهوم التمسك بحرية الإنسان والأرض في كل زمان ومكان، فالجلاء يستولد معاني الكرامة والإبداع والنهوض ما يجعله ناقصاً ومشوهاً ما دام الجولان يعاني الأسر والظلم منذ أربعين سنة حين احتله الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في (5/6/1967).‏

وكان الجولان في عهد الاحتلال الفرنسي قد روي بدماء الشهداء حتى مزج أديم ترابه بمداد دمائهم، منذ العشرينيات حتى الاستقلال بقيادة الأبطال المجاهدين مثل (الأمير محمود الفاعور وأحمد مريود وزعل السلوم وعبد الله الطحان وذياب العمر وأسعد العاص و...).. لقد صنعوا حرية الجولان بعد معارك طاحنة، وتضحيات جمة في (المطلة والقليعة ومجدل شمس وإبل السقي و...) ما يؤكد لنا ـ ونحن نبتهج بذكرى الاستقلال ـ أن الفرحة بالحرية تبقى ناقصة ما لم يتزنر المعنى الأزلي للحرية بكامل استقلال التراب الوطني، والمقاومة ستبقى مستمرة في وجه الغاصب الجديد إلى أن يعود الجولان إلى حضن أمه سورية.‏

بل إن ما نراه اليوم من مخططات صهيونية وأمريكية يهدد حرية الوطن العربي كله لا سورية فقط... ما يحدونا ـ نحن المثقفين والكتاب خاصة ـ إلى أن يكون قلم الحرية والإبداع متحفزاً دائماً لإجهاض أي مخطط يريد النيل من حرية الوطن العربي واستقلاله، وعليهم أن تظل عيونهم مفتوحة على كل ما يحاك لإبادة الشعب الفلسطيني البطل أو اقتلاعه من أرضه وتشريده في أصقاع الدنيا...‏

عليهم أن يفضحوا أيَّ فتنة طائفية أو مذهبية أو عرقية تثار هنا أو هناك لتنفيذ ما رآه أصحاب سياسة (الفوضى الخلاقة)... وهي السياسة التي أدت حتى الآن إلى قتل وفساد لا نظير له في العراق وانقسام واقتتال واختلاف مشين بين الأخوة في فلسطين والسودان، ولا يزال الطريق مفتوحاً أمام لبنان ما دام بعض الساسة والمثقفين غير مدركين لحقيقة ما يخططوا للبنان والوطن العربي كله.‏

فالأدباء والكتاب والمثقفون ـ وهم يحنون رؤوسهم لعظمة الدماء التي بذلت من أجل حرية الوطن ـ يعاهدون أبناءه على أن يصونوا لوحة الخلود والحرية والإبداع، لأن الحرية إبداع، والإبداع خلود...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244