جريدة الاسبوع الادبي العدد 1100 تاريخ 19/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

احتلال الاستقلال ـــ عصام خليل

تحتفل الغالبيّة العظمى من دول العالم بما تسمّيه اليوم الوطني، أو يوم الاستقلال؛ ويرمز هذا اليوم إلى السّيادة الوطنيّة، واستقلال القرار السّياسي لمجموعة بشريّة، على أرض إقليم معيّن. وقد ينشأ الاستقلال نتيجة تفكّك كيان سياسيّ قائم، إلى كيانات متعدّدة، أو انفصال إقليم من الأقاليم، عن الكيان الذي يرتبط معه بوحدة سياسيّة.لكنّ مفهوم الاستقلال يكتسب مضموناً وجدانياً أعمق، لدى الشّعوب التي يرتبط استقلالها بالتحرّر من الاستعمار، أو من مصادرة كيان سياسي أجنبي لإرادتها الوطنيّة؛ذلك أنّ مثل هذا الاستقلال يكلّفها تضحيات جسيمةً، تظلّ ـ مدى الدّهر ـ حيّةً في الذّاكرة، تتناقلها الأجيال بكثير من التبجيل والتّقديس، وترسّخها المنظومة الفكريّة- التربويّة، عبر قراءة التاريخ ، بوصفها مؤسِّسةً للمصير، وصانعةً للمستقبل.‏

لكنّ الاستقلال ليس برهةً تاريخيّةً لا تتبدّل، ولا لحظةً يتوقّف الموت في سبيلها عند تحقيقها، ولعلّ الاحتفاظ بها، وترسيخها، يحتاج إلى تضحيات وجهود، لا تقلّ عن التّضحيات والجهود التي أنجزتها؛ وفي تاريخنا العربيّ المعاصر ما يؤكّد هذه الحقيقة، ويقدّمها واقعاً ملموساً، شبه يوميّ. فالدّول العربيّة التي حازت استقلالها بالثورات، والقتال، والتّضحيات المريرة، ما تزال تتعرّض للضّغوط، ومحاولات التأثير على قرارها السّياسيّ، وقد سقط بعضها أسير الاستجابة إلى هذه الضّغوط، وأصبح الموقف السّياسيّ فيها رهين مسايرة المصالح الأميركيّة، وتحولت سياسات بعض الدّول العربيّة، إلى عنصر ضغط على دول عربيّة أخرى، في إطار الانضواء ضمن توجّهات سياسيّة، لا تخدم المصالح الوطنيّة، ولا المصلحة القوميّة، ولا تفضي ـ بالنّتيجة ـ إلاّ إلى سلب استقلاليّة القرار الوطنيّ، وتحويل الموقف السّياسيّ الوطنيّ إلى مستجيب آليّ، لما تمليه برامج وسياسات خارجيّة تتناقض مع الإرادة الوطنيّة، وتحوّل الاستقلال إلى حالة صوريّة، خاليةٍ من أي مضمون حقيقيّ للحريّة، وتضع البلاد ومقدراتها تحت احتلال جديد، يوفّر على المحتلّ عناء حشد جيوشه، ومحاولة فرض الاحتلال العسكريّ المباشر!‏

إنّ الشّعوب هي التي تنجز الاستقلال، لكنّ السّلطات هي المولجة بالمحافظة عليه، ولا سيّما في الوطن العربيّ؛ لأنّ الحكّام العرب يختزلون شعبهم، ودولهم، في أشخاصهم! وقد أصبح الاستقلال في عرف بعضهم، استقلالاً بالسّلطة، وانفراداً بالقرار، وحريّةً في انتهاك حقوق مواطنيهم.‏

لقد خسر العراق استقلاله نتيجة الحسابات السّياسيّة الخاطئة لسلطة مطلقة، وتعاون قوى عراقيّة مع المحتلّين؛ ويبدو لبنان مرشّحاً محتملاً لهذه الخسارة، في ظلّ سيطرة طبقةٍ سياسيّة، تعمل على تحقيق مصالحها الضيّقة، من خلال الاستئثار بالسّلطة، والاستقواء بأعداء لبنان ضدّ الّلبنانيين، وتشكيل حالة اختراق تمكّن الأميركيّين، والإسرائيليّين، من تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالحديد والنّار، وتحوّل لبنان إلى ساحةٍ للتآمر على سورية, لأنّ سورية تصرّ على استقلالها، بكلّ ما تحمله كلمة الاستقلال من مضامين، وبكلّ ما تعنيه الحريّة من تعبير الموقف السّياسيّ عن المصالح الوطنيّة، وبكلّ ما تمليه مسؤوليّتها القوميّة، من دعمٍ ومساندة لقوى المقاومة، ضدّ مشاريع السّيطرة، والاحتلال الجديد.‏

إنّ الحريّة أوسع من مساحة قصور الحكّام، والاستقلال بالسّلطة لا يحمي حاكماّ مستقلاًّ بسلطته! فهل يتنبّه العرب، الغافلون منهم والمتغافلون، إلى أنّ الاستقلال ركام دمٍ ونزيف أرواحٍ؛ فلينظر المفرّطون فيما فرّطوا، أو فليكفّوا عن الإمعان تمزيقاً في خاصرة المتمسكين باستقلالهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244