جريدة الاسبوع الادبي العدد 1100 تاريخ 19/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الأديبة الراحلة إلفة الإدلبي ونهايات الحب الأول المفجعة ـــ سامر أنور الشمالي

(وداعاً يا دمشق) عنوان مؤثر حمله الكتاب الذي صدر بمناسبة وفاة الأديبة الرائدة (إلفة الإدلبي) التي قالت للمرة الأخيرة (وداعاً يا دمشق) بتاريخ 21\3\2007عن عمرٍ يناهز الخامسة والتسعين عاماً.‏

وقد صدر الكتاب عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ووزع مجاناً مع مجلة (الموقف الأدبي- عدد آذار) ضمن السلسلة الشهرية (الثقافة للجميع) وهو يتضمن مجموعة من القصص القصيرة التي اختارها الشاعر (عبد القادر الحصني).‏

كتب الأديب الدكتور (حسين جمعة) رئيس اتحاد الكتاب العرب مقدمة شاملة تناول فيها سيرة حياة الأديبة الراحلة، ومنها: (كانت المرحومة إلفة الإدلبي شغوفة بوصف البيئة الشامية وبيوتها وحاراتها وياسمينها ونارنجها وزنبقها وغوطتها، تطل عليها بعبق الصور الاجتماعية وحياة الناس البسطاء وتقدمها في أطر فنية تنحاز إلى الحداثة من دون أن تفقد الشرط التاريخي الواقعي؛ وبهذا جمعت، بقدرة عالية، بين التجريب والتقليد، سواء أكان ذلك في قصصها القصيرة التي انحازت إليها أم في رواياتها، وعلى الرغم من ذلك فأسلوبها القصصي ظل هادئاً على عنايتها بالسرد أكثر من ذلك الحوار، على حين غلب على بنية الحدث الشكل التقليدي: بداية- وسط- نهاية).‏

وتعد الأديبة الكبيرة (إلفة الإدلبي) من أهم رواد القصة القصيرة السورية، وقد ساعدها على ذلك ثقافتها الواسعة التي اكتسبتها باكراً، فهي تنحدر من عائلة مثقفة، فمن مكتبة والدها قرأت الكتب التراثية، كما كان خالها يزودها بالكتب الجديدة، وهذا ما مكنها من تلقي التعليم في مدرسة تجهيز البنات حيث حصلت على الشهادة الابتدائية عام 1927 في زمن ندرت فيه العائلات الدمشقية التي تسمح لبناتها بدخول المدارس.‏

وتزوجت (الإدلبي) باكراً في السابعة عشر من عمرها، فقد كان الزواج المبكر للفتيات شائعاً آنذاك، ولكن زواجها لم يمنعها من مزاولة نشاطها الثقافي والأدبي، فقد ساهمت في تأسيس جمعيات نسائية عدة لنشر الوعي بين بنات جنسها، كما بدأت بكتابة الخواطر منذ عام 1930 دون أن يخطر لها أن تحاول نشرها. ولكن بعد مشاركتها في مسابقة أدبية لإذاعة لندن عام 1947 وحصولها على الجائزة الثانية بدأت تفكر بجدية في نشر نتاجها الأدبي. وقد بدأت مسيرتها الأدبية الطويلة بنشر قصصها القصيرة في مجلة (الرسالة) المصرية.‏

وكتبت (الإدلبي) المجموعات القصصية التالية:‏

1- قصص شامية 1954‏

2- وداعاً يا دمشق 1963‏

3- ويضحك الشيطان 1970‏

4- عصي الدمع 1976‏

ثم انتقلت إلى كتابة الرواية، فصدر لها روايتان:‏

5- دمشق يا بسمة الحزن 1980‏

6- حكاية جدي 1990‏

وخلال هذه المدة صدر لها مجموعة من الكتب تتضمن مقالاتها ومحاضراتها:‏

7- المنوليا في دمشق 1964‏

8- نظرة إلى أدبنا الشعبي 1974‏

9- وداع الأحبة 1992‏

10- نفحات دمشقية 1990‏

11- ما وراء الأشياء الجميلة 1996‏

12- عادات وتقاليد الحارات الدمشقية 1996‏

وقد ترجمت مجموعة من كتبها إلى سبع عشرة لغة.‏

* * *‏

بالعودة إلى الكتاب، نقرأ في صفحاته الأولى الإهداء المكتوب بتاريخ 1963: (إلى الصبايا الصغيرات حفيداتي: ريمة ومارية وزينب ونادية ورفيقاتهن) إذاً (إلفة الإدلبي) تكتب أولاً: لبنات جنسها من الجيل الجديد، راوية لهن قصص أمهاتهن وجداتهن اللواتي عشن في عصر آخر يختلف عن عصر الحفيدات اللواتي نلن حريتهن، ولكن بعد الكثير من القصص الحزينة التي عاشتها النساء اللواتي عانين بصمت دون أن يتفوهن بكلمة واحدة، لهذا اختارت (الإدلبي) أن تحكي بلسانهن بعض قصصهن لنساء ينتمين إلى عصر آخر، لعلها بذلك تقدم الفائدة والمعرفة، وأيضاً المتعة والسلوى، بحسب رأيها.‏

وطباعة بعض قصص (الإدلبي) بعد سنوات عدة هو استعادة جديدة لقصص النساء القديمة، علماً أن هذا لا يعني أن أحداث هذه القصص أصبحت في ذمة التاريخ، فعلى الرغم من ندرة وقوعها نتيجة تطور المجتمعات، وانتشار التعليم، ودخول المرأة سوق العمل، فمازالت تتكرر مثل هذه الأحداث من وقت لآخر في مجتمعاتنا، ذلك لأن المرأة لم تتخلص تماماً من ظلم المجتمع ولم تنل كامل حقوقها، لهذا مازال هناك الكثير من القصص التي تعالج ما تعانيه النساء نتيجة ظروفها الاجتماعية والتي تمثل واقعاً معاصراً نعيشه حتى اليوم.‏

[أوجه للمقارنة والشبه]‏

القصة التي حملت عنوان (وداعاً يا دمشق) بلسان رجل، ربما لأن الكاتبة تجد الرجل أكثر واقعية من المرأة التي قد تجرفها العاطفة فتقع في المحظور. والواقعية الرصينة هي ما اتصف به بطل هذه القصة الذي أحب (سنية) ابنة الجيران التي كان يكتفي برؤيتها من بعيد. وعلى الرغم من البيئة الاجتماعية شديدة التعصب فان (سنية) كانت أكثر جرأة من الرجل عندما بادرت هي بطلب اللقاء على السطح، فالبيوت متجاورة ومتلاصقة على الرغم من كثرة الحواجز بين الناس. ولكن هذا الحب البريء سرعان ما يقمع باكراً، فقد تقدم رجل لخطبة (سنية) وهي لا تستطيع الرفض، لهذا لا تجد أمامها سوى أن تكتب رسالة إلى فتى أحلامها طالبة منه أن يخطبها سريعاً، ولكن والد (سنية) يرفض طلبه لفقره، ويفضل تزويجها للخاطب الثري. فيهرب البطل من دمشق مودعاً حبه الأول، غير آبه بتوسلات الحبيبة التي طلبت منه البقاء قريباً منها لأنها ستظل تحبه وإن تزوجت سواه، فهو حبها الأول الذي لن تنساه أبداً. ثم يعود البطل بعد عقدين ويلتقي (بسنية) من جديد، فيكتشف أنها لم تنساه، وأن حبها ازداد في قلبه. على الرغم من ذلك يهرب للمرة الثانية، وهذه المرة لأنه لا يريد أن يأخذها من أسرتها.‏

نلاحظ أن قصص الحب تنتهي بالفراق، فلا مجال لزواج المحبين في ذاك الزمن على ما يبدو. فقصة (سلاطين مخفية) يقع بطلها في حب (بسمة) التي نشأ معها منذ كان صغيراً، فقد عوضته حنان أمه الذي فقده باكراً، على الرغم من أن (بسمة) تصغره بعام واحد. ولكن دفء العلاقة لا يستمر بين العاشقين الصغيرين - كشأن القصة السابقة- فثمة رجل ثري يخطب الفتاة من والدها، فلا يجد البطل أمامه من سبيل سوى الهرب -كالقصة السابقة أيضاً- ثم يعود العاشق بعد سنوات، ولكن المختلف في هذه القصة عن سابقتها هو أنه لا يجد فتاته الجميلة كما كانت، بل يجد امرأة قد فقدت جمالها من أثر الحمل والولادة كحال نساء القرية، فيرى فيها قدر والدته التي أنهكها كثرة الإجهاض والولادة فماتت باكراً، لهذا لا يكلم (بسمة) التي لم تعد كما كانت، ويسرع في الرحيل مرة ثانية -كبطل القصة السابقة- وإن اختلفت صورة الحبيبة في القصتين، ولكن دون اختلاف طبيعة الرجل الذي يبدو ميالا إلى الفرار والابتعاد، بعكس المرأة التي سرعان ما يضعها المجتمع في القالب الذي يختاره دون أن يأبه لإرادتها.‏

اختلاف وضع المرأة بمرور الزمن برز بشكل لافت في القصة السابقة (وداعاً يا دمشق) فالفتاة الصغيرة كبرت وصارت تخرج بمفردها أنى شاءت، كما خلعت الحجاب، وذلك بعد زواجها. ومع ذلك نجد الاختلاف الزمني أكثر حضوراً في قصة (نسمة صبا) حيث المقارنة بين زمن الجدة وزمن الحفيدة. وفي هذه القصة تتذكر الجدة كيف أحبت بائع الأحذية منذ رأته للمرة الأولى، فقد أشعرها بأنوثتها الغضة عندما تعمد لمس قدمها وهي تجرب الحذاء، حتى أنها أتلفت حذائها الجديد لتعود مرة أخرى لشراء حذاء آخر كي ترى البائع الشاب ثانية، ولكنها لم تجد الشاب، وزاد الأمر سوءاً‏

أن رجلاً ثرياً (لا تشعر نحوه بأية عاطفة) خطبها من والدها مثل قصتي (وداعاً يا دمشق) و(سلاطين مخفية) بينما الحفيدة نالت حريتها كاملة، فهي تخرج بمفردها، وتجلس مع أصدقائها من الشباب، أي أنها تستطيع أن تختار الرجل الذي تحب بعكس القصتين السابقتين.‏

كما في القصص السابقة نجد في قصة (الصقيع في الربيع) فتاة صغيرة تقع في الحب بعفوية وبساطة، وغالباً ما تختار الكاتبة العاشقات الصغيرات وقصص الحب الأول، ولاشك لأن الحب الأول في بداية المراهقة أكثر تأثيراً في النفس، وتبقى ذكراه عميقة في قلب المرأة. وهذه الفتاة وقعت في حب شابٍ ذي عينين عسليتين ككل الشباب الوسيمين في المجموعة. وهذا الشاب كان يراقبها من بعيد، كمعظم العشاق في القصص، حتى وقعت في حبه، وتمنت أن يكلمها، فالفتاة سرعان ما تقع في حب من يهتم بها. وعندما بادر الشاب بالتقرب إلى العاشقة الصغيرة ودس رسالة في يدها تقع الكارثة، فأخو الفتاة رأى هذا الأمر المريب، لهذا يسجن الفتاة الصغيرة في البيت ويمنعها من الدراسة، وبذلك تقضي حياتها في برودة الوحدة وهي مازالت في ربيع العمر. ونجد هنا أن الأخ أكثر قسوة من الأب، فهو يفضل أن تبقى الأخت عانساً كي يرثها.‏

أما قصة (سراب) فثمة اختلافات في الكثير من الأحداث عن جميع القصص التي تناولت العلاقة بين الرجل والمرأة، فالمكان هو مدينة أوربية ليس لها عادات المجتمع المحافظ، والبطلة امرأة أجنبية سافرة تلتقي مع الرجل الذي أحبته في مكان عام دون أن تخشى أسرتها، كما أننا نرجح أن عمر الحبيبين ليس صغيراً كالقصص الأخرى. وعلى الرغم من ذلك سرعان ما نجد أن (الإدلبي) لا تريد، أو أنها لا تستطيع، أن تبتعد عن أجواء قصصها الأخرى، فثمة تشابه أساسي يتكرر في القصص، فالبطل والبطلة سرعان ما يقعان في الحب كالقصص جميعها، ويلتقيان لمرة واحدة عن قرب كما في قصص (وداعاً يا دمشق- نسمة صبا- صقيع في الربيع)، وسرعان ما يفترقان أيضاً كما في القصص الثلاثة السابقة إضافة إلى قصة (سلاطين مخفية) والرجل هو الذي يقرر الرحيل كما في قصة (وداعاً يا دمشق) و(سلاطين مخفية).‏

تلتقي قصة (ومضة برق) مع القصص الأخرى في نقطة أساسية وهي حرمان المرأة من الرجل الذي تحب، بغض النظر عن ظروف الإبعاد هذه. كما نجد إجبار المرأة على الزواج من رجل لا تكن له أية عاطفة، وغالباً ما يكون ثرياً، وذلك خضوعاً لرغبة والدها كما في قصص (وداعاً يا دمشق- سلاطين مخفية- نسمة صبا). ولكن المختلف أن المرأة في هذه القصة تبوح بهذا السر لزوجها الذي يلحظ نفورها عنه. حيث يسافر الرجل كما في قصتي: (وداعاً يا دمشق- سلاطين مخفية) ولكن يجب الانتباه هنا إلى أن الرحيل حدث عن الزوجة وليس عن الحبيبة المتزوجة. مع الإشارة إلى أن حدوث الطلاق أمر غير وارد في القصص جميعها مهما كانت العلاقة الزوجية سيئة.‏

* * *‏

في القصص الستة السابقة نلحظ نقاط تشابه كثيرة نبينها في الجدول التالي:‏

الحبيبة تنفصل سفر الحبيب زواج الفتاة لقاء العاشقين الزوج الثري‏

عن الحبيب من رجل لا تحبه عن قرب غير‏

مرة واحدة المحبوب‏

وداعاً يا دمشق 1 1 1 1 1‏

سلاطين مخفية 1 1 1 0 1‏

نسمة صبا 1 0 1 1 1‏

الصقيع في الربيع 1 0 0 1 0‏

سراب 1 1 0 1 0‏

ومضة برق 1 1 1 0 1‏

نسبة التشابه من 6 6 4 4 4 4‏

* * *‏

في الختام لابد من الإشارة إلى أن أجواء القصص السابقة لا تنسحب على قصص (إلفة الإدلبي) جميعها، فقد كتبت (الإدلبي) عن المجتمع من زوايا عديدة. كما كتبت عن المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي لسورية، وهي مرحلة عايشتها الكاتبة.‏

ولكننا آثرنا الحديث عن علاقة الرجل بالمرأة من وجهة نظر كاتبة عاصرت أجيال عدة، فقدمت قصصاً تحكي عن أحوال المرأة وظروفها، لاسيما في المرحلة المظلمة التي عاشتها المرأة وهي أسيرة البيت والجهل. وبذلك قدمت (الإدلبي) قصصاً واقعية مستوفية لشروطها الفنية، كما نستطيع اعتبار مثل هذه القصص شهادة تاريخية أتت من عالم الأدب.‏

العنوان: وداعاً يا دمشق‏

التأليف: إلفة الإدلبي‏

اختيار: عبد القادر الحصني‏

تقديم: د. حسين جمعة‏

سلسلة: الكتاب الشهري (كتاب الجيب) /17/‏

الناشر: اتحاد الكتاب العرب 2008‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244