جريدة الاسبوع الادبي العدد 1100 تاريخ 19/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أدب الطفل ولغته ـــ د.سمر روحي الفيصل

لا يشكُّ أحد في أن خطط التنمية العربية موضوعة من أجل الإنسان العربيّ. وحين نتحدَّث عن هذا الإنسان، فإننا نبدأ بالطفل لأسباب كثيرة، منها رغبتُنا في أن يعيش طفولته ويبني شخصيّته بناءً سليماً، ومنها أيضاً حرصُنا على أن نُعدَّه الإعداد السليم ليُسهم، في المستقبل القريب، في بناء مجتمعه إسهاماً فعّالاً. والمعروف أن إعداد الطّفل جسديّاً وعقليّاً وروحيّاً يحتاج إلى علم النَّفْس خصوصاً، وعلم التربية عموماً، بغية فهم طبيعة الطفل وإدراك حاجاته النّمائيّة. وهناك اتفاق على أن الأدب، بقدراته التخييلية الجمالية، قادر على تلبية حاجات هذا البناء النمائيّة. وهذا يعني أنّ الأديب الذي يكتب للطفل لا يستطيع الاكتفاء بموهبته الأدبيّة؛ لأن الموهبة وحدها لا تصنع أدباً للأطفال، فهو يحتاج، مع الموهبة، إلى معارف نفسيّة وتربويّة تُمكِّنه من أن يجعل نصَّه ملائماً للطفل، عاملاً على جذبه إليه.‏

لقد قادتنا تجربتنا العربيّة في الأدب الطفليّ إلى أن هناك ثلاثة أمور رئيسة، يجب أن يراعيها العامل في هذا الحقل، هي: الفن والقيم واللغة. وهذه إشارات موجزات إلى هذه الأمور الثلاثة.‏

1- الفنّ:‏

الفنّ شرط أساسيّ من شروط الأدب، سواء أكان هذا الأدب موجَّهاً للكبار أم للأطفال. وهذا الفنُّ، كأيِّ فنٍّ، يعلو فوق المقاييس، ويزهو بالموهبة، ولكنه في النهاية ينصاع للمعايير والقواعد الفنيّة العامّة؛ لأنه ليس مطلقاً من القيود، ولا يمكن له أن يكون كذلك. ولهذا السّبب أقول إنّ الفنَّ في أدب الأطفال، كما عرفته، يحتاج بعد الموهبة إلى أمرين: أمرٍ أسلوبيّ يجب أن يتوافر في أجناس أدب الأطفال كلِّها، هو قدرة النصوص المكتوبة والمنطوقة على الإمتاع والإقناع والتأثير. وأمرٍ خاصٍّ بهذا الجنس الأدبيّ أو ذاك، من نحو الحكاية والخيال والحبكة التأريخية والسرد المباشر والشخصيات الواضحة بالنسبة إلى القصة، والإيقاع أو الوزن والقافية والصورة الشفيفة بالنسبة إلى الشِّعر، والحوار الرشيق والحركة والشخصيات المتباينة والصِّراع الواضح بالنسبة إلى المسرحيّة.‏

ومن شروط الفنّ في أدب الأطفال أيضاً مراعاة اختلاف الطفل في المراحل العمريّة التي يمرُّ فيها. فلكلّ مرحلة حاجات نموّ تختلف كثيراً أو قليلاً عن حاجات النمو في المرحلة الأخرى. فما يناسب المرحلة العليا لا يناسب المرحلة المتوسطة؛ وما يناسب المرحلة الدُّنيا لا يناسب المرحلة العليا، تبعاً لاختلاف النضج اللغويّ والعاطفي والاجتماعيّ في كلّ مرحلة عمريّة. ولهذا السبب حرص النقّاد المدقّقون في الإنتاج الأدبيّ المقدَّم للطفل على الدعوة إلى كتابة ثلاثة أنواع من النصوص للأطفال، يلائم كلُّ نوع منها مرحلة من المراحل العمريّة للطفل. كما حرصوا على تشجيع الكُتَّاب والناشرين على تدوين المرحلة العمريّة على غلاف النصّ المطبوع ليرشدوا المشترين من الكبار، والقارئين من الأطفال، إلى النصوص التي تناسبهم.‏

ومن شروط هذا الفنّ أيضاً الوضوح. وهو قضية نسبيّة تحتاج إلى نقاش علميّ موضوعيّ لا يقتصر على توضيح مفهوم مصطلح الوضوح، بل يشمل تحديد نقيضه المرفوض في أدب الأطفال. أقصد هنا الغموض الذي لا يلائم الطفل ولا يفيده؛ لأنه يؤثّر تأثيراً سلبياً في تلقيه وفهمه وتفاعله مع الأدب المقدَّم له.‏

2- القيم:‏

الشَّرط الثّاني في أدب الأطفال هو توافر القيمة. ومسوِّغ هذا الشَّرط معروف، هو أنّ الفنَّ في أدب الأطفال لا ينفصل عن التربية؛ أي أنّ الفنَّ هنا مقيَّد بالأهداف التربويّة السّاعية إلى بناء شخصيّة الطّفل بناءً سليماً. والقيم، في رأي عدد كبير من الباحثين، أساس هذا البناء مادامت القيمة هي المحرِّك الأساسيّ لسلوك الطفل. فإذا غرسنا في الطفل قيمة إيجابيّة توقّعنا منه سلوكاً إيجابياً، وإذا غرسنا فيه قيمة سلبيّة توقّعنا منه سلوكاً سلبيّاً. لأن هناك قيماً سلبيّة وأخرى إيجابيّة، ولا علاقة لهذين النوعين من القيم بذكاء الطفل؛ لأنهما معاً دوافع محرِّكة للسّلوك. ومن ثَمَّ نستطيع أن نربي طفلاً ذكياً على أن يتخرج في المدرسة لصاً إذا غرسنا فيه قيماً سلبيّة، من نحو السَّرقة والكذب والاحتيال والطمع والأنانية والحسد. كما نستطيع أن نربي طفلاً ذكياً على أن يتخرّج في المدرسة عالماً مفيداً لنفسه ووطنه وأمته والإنسانيّة جمعاء إذا غرسنا فيه قيماً إيجابيّة، من نحو البذل والعطاء والإيثار والنُّبل والكرم والشجاعة وحب الوطن والأمة والاعتزاز بالدين واللغة والحريّة والكرامة، فضلاً عن الحرص على العمل النافع الدّقيق المفيد.‏

ولا يسمح المقام هنا بتفصيل الحديث عن منظومة القيم التي قدَّمها (وايت)، وعن تطويرها الذي سعينا إليه، كما سعت إليه جامعة الدّول العربية في الخطّة الشاملة للثقافة العربيّة، لنُقدِّم منظومة قيم مستمدّةً من الثقافة العربية، قادرةً على بناء الطفل العربيّ. ولكنني أحتاح إلى التذكير بأن هناك طريقتين في غرس القيم في أدب الأطفال؛ طريقةً مباشرة وطريقةً غير مباشرة. ونحن نُشجِّع دائماً الطريقة غير المباشرة، أو الضمنيّة؛ لأنها تغرس القيمة في النصِّ المقدَّم للطفل دون أن يشعر الطفل بأن هناك كبيراً يعظه ويرشده ويربِّيه. أما الأسلوب المباشر في غرس القيم فنحن نُشجِّع على تجنُّبه؛ لأنه أسلوب وعظيّ إرشاديّ، يعافه الطفل وينفر منه ولا يقبله.‏

3- اللّغة:‏

اللغة هي المحك الأساسيّ لكلِّ ما يُقدَّم للطفل من نصوص مكتوبة أو منطوقة. وباختصار أقول إن الهدف البعيد الذي سعينا إليه من بدايات سبعينيّات القرن العشرين، ومازلنا نسعى إليه، هو تأليف (معجم الطفل العربيّ). ذلك أننا لا نستطيع الحكم على أدب الأطفال حكماً علميّاً موضوعيّاً إذا لم نستند في هذا الحكم إلى اللغة التي يستخدمها الطفل نفسه. ولا يستطيع أدباء الطفل الكتابة للطفل العربي ما لم يستندوا إلى المعجم نفسه، بل إن مؤلِّفي الكتب المدرسيّة لا يستطيعون تأليف كتب اللغة العربية، والتدقيق في المستوى اللغويّ للغة العربية المستعملة في تأليف كتب المواد الأخرى، ما لم يستندوا إلى معجم الطفل العربي. وما نستطيع القيام به في أثناء انتظارنا تأليف هذا المعجم، لا يخرج عن أمرين اثنين:‏

= أولهما الإفادة من الرصيد اللغوي الذي أنجزته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1989. فهذا الرصيد هو العمل العلميّ الذي يمكن الركون إليه؛ لأنه رصد قوائم الألفاظ المستعملة في نطق أطفال ست عشرة دولة عربية، وفي كتاباتهم وأحاديثهم. وفي هذا الرصيد قوائمُ بهذه الألفاظ مصنَّفةٌ بحسب مفاهيم الطفل، انطلاقاً من أن اللفظ خادم للمعنى وليس العكس، فضلاً عن أن المفاهيم، كجسم الإنسان وحياته الاجتماعية والاقتصادية، موزَّعة في الرصيد بحسب صفوف مرحلة التعليم الأساسي. وقد جاوزت الألفاظ في هذا الرصيد مليونين ونصفَ المليون، منها مليونُ لفظة من الألفاظ المكتوبة، ومليونٌ ونصفُ المليون من الألفاظ المنطوقة.‏

= والأمر الثاني الذي نستطيع الاستناد إليه في غياب معجم الطفل العربي، هو تجربتنا الفردية مع الأطفال. وهي تجربة لا يُستهان بها، شريطة الحذر من الإفراط في استعمال ألفاظٍ لا يحتاج الطفل إليها، وعدم اللجوء إلى تراكيب ذات أنماط واسعة لا يستخدمها الطفل عادة، فضلاً عن عدم الإيغال في الصور والتراكيب المجازية. ولعلَّ تجربتنا تخدمنا في قضيّة ليس هناك اتفاق حولها، هي قضية ضبط النصوص المقدَّمة للطفل بالشَّكل، وخصوصاً الاختلاف حول الضبط المتدرِّج أو الضّبط الكامل، وعلاقة ذلك كلّه بصحّة القراءة، واستخدام الطفل مخزونه اللّغويّ.‏

أرى من المفيد أن أقول في خواتيم هذه الإشارات السريعة إلى الفن والقيم واللغة إن هناك أموراً تخدم الطفل وتشدّه إلى الأدب المكتوب له، منها حجم الكتاب، واللّوحات المدْرجة فيه، ومقاس حروف الطباعة، وما إلى ذلك من أمور غير ثانويّة ولكنها لا ترقى إلى مستوى الفن والقيم واللغة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244