جريدة الاسبوع الادبي العدد 1100 تاريخ 19/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

يوم الجلاء ـــ زهير هدلة

السابع عشر من نيسان يوم مثل بقية الأيام ربيعي تشرق شمسهُ مع إطلالة اليوم ويسحبها للغياب كأي يومٍ آخر. ولكنه في سورية ليس كذلك فهو يمثلُ لها عيداً كبيراً، عيداً ليس كأي عيد!!‏

قبل أكثر من ثمانية عقودٍ بعد أن وزَّعت الدول الاستعمارية تركة «الرجل المريض» حطَّتَ على ساحل سورية القوات الفرنسية وزحفت باتجاه الداخل المطمئن غازيةً. تقتلُ وتحرقُ كل ما يعترض طريقها ويكون عثرة أمام تحقيق أطماعها في السيطرة على هذا الجزء الحبيب من الأرض العربية. واستنجدت الديار وهبَّ الرجال يلبّونَ النداءَ وكثر المتطوعون وتعددت الطرقُ التي أنجبتهم ووحَّدتهم طريقٌ واحدةٌ يوصل إلى ساحة المعركة وأية معركة. كانوا يعلمون أنَّ أسلحتهم المتواضعة، لن تفعل شيئاً أمام آلةِ الحربِ القادمةِ وهذه القوات المدججة بالسلاحِ والأطماعِ ولكنهم آثروا أن يكونوا أول الشعلةِ التي ستحررُ البلاد وأن يقولوا لفرنسا: لن تدخلي إلا على أجسادنا وإذا دخلت لن يطول بك المقامُ. وكتبوا ذلك بدمائهم الزكيةِ الطاهرةِ على ترابِ ميسلون.‏

ودخلت فرنسا وسارع غورو إلى الجامع الأمويِّ ودقَّ برجله ـ التي قطعها له الثوار في أحد الكمائن فيما بعد ـ على عتبته وقالَ: ها قد عدنا يا صلاح الدين.. هي أحقاد قديمةٌ إذاً، وليست أطماعاً فقط؟!!‏

واشتعلت الثورة وامتدتْ إلى بقاعِ سورية. في الجولان ثارَ أحمد مريود وأدهم خنجر ورفاقهما وخاضوا مع القوات الغازية أشرسَ المعاركِ حتى إن المحتلَّ عندما استطاعَ النيلَ من البطل أحمد مريود عرضَ جثمانَهُ الطاهرَ في ساحات دمشق مزهواً بما حققَ. وفي دمشق وريفها ثارَ الشهيد حسن الخراط وثلةٌ من الأبطال. وفي الجبال الساحلية كان الشيخُ صالح العلي لفرنسا بالمرصادِ، وفي جبل الزاوية كان البطل إبراهيم هنانو. وعلى الفرات كان رمضان شلاش. وفي الجبلِ الأشمِّ ثارَ الشيخ سلطان باشا الأطرش الذي جمع أسنةَ الثورة السورية في قيادةٍ واحدةٍ وقالَ قوله المشهور: الدين لله والوطن للجميع. فكانت ثورةً سوريةً كبرى. وأمام هذا المدّ الكبيرِ للأبطال لم توفر فرنسا وسيلةً من وسائل الغزوِ، من تدميرٍ وقتلٍ وتشريدٍ ومحاولةِ تقطيعِ البلدِ إلى دويلاتٍ صغيرةٍ، وملاحقة للثوار أينما وجدوا وكثرَ الشهداءُ وامتدت أنهارُ الدماءِ تعمّدُ الوطنَ بالطهرِ، ولم يسلمْ من همجية الغزاةِ حيٌّ أو بيتٌ أو ساحةٌ، حتى دمشق انهالَ عليها القصفُ من كل الجهات وأكلتِ النيرانُ أجزاءً كبيرةً من عمرانها. وحين أعيت فرنسا الوسيلة لجأتْ إلى المماطلة والتحايل ومحاولة استمالةِ قياداتِ الثورةِ. لكنَّ الشعبَ العربيَّ في سورية كررَ رفضهُ لأي نوعٍ من أنواع الوصايةِ مهما تعددتِ الأشكالُ والأسماءُ ورفضَ بشدةٍ تقسيم سورية مهما كانت المغريات.‏

وأمامَ هذا الصمودِ، وهذه المقاومةِ العنيفة لم يجدْ المستعمرُ الفرنسيُ إلا الخروجَ من سوريةَ خاسراً يجرَّ أثوابَ خيبتهِ، وفي السادس عشر من نيسان عام ستة وأربعين خرَج آخرُ جنديٍّ فرنسيٍّ عن أرضِ سورية واعتبرُ اليومُ التالي عيداً للجلاء.‏

هو ذا يوم السابع عشر من نيسان، عيدُ الجلاءِ، يومٌ صنعهُ شعبُ سورية الأبيُّ بتضحياتهِ وبطولاتهِ، صنَعُه بتكاتُفِهِ واتحادِه بجميع فئاتهِ وطوائفهِ ومذاهبهِ، في وجهِ المحتلِّ الغاصبِ. صنعتهُ قوافلُ الشهداءِ التي مضتْ متكاتفةً متراصَّةً مهراً لحرية سورية وصوناً لكرامتها. إنه السابع عشر من نيسان، عيدٌ زُفَّ إلى سورية بالأرواحِ، لتبقى عزيزةً شامخةً، حُرَّةً أبيةً، حاملةً رسالةَ الأمةِ العربيةِ بعزمٍ واقتدارٍ مدى الزمان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244