|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الوصية ـــ غادة الأحمد «احتفظوا بالبارودة القديمة معلقة على حائط الغرفة، لا تبيعوها أبداً وورثوها لأبنائكم». هذه هي وصية أبي قبل وفاته... كان أبي صياداً يمتلك عدداً كبيراً من البواريد، ولكن تلك البارودة ذاتها كانت الأقرب إلى نفسه، أراه يعاملها كما يعاملنا من حيث الرعاية والانتباه والحب. يمسكها باعتزاز وفخر ويشدها إلى صدره، ويحكي لنا عنها، كأنه يحكي عن حبيبته. ـ هذه البارودة يا أولاد، امتلكتها عام 1936 وكان عمري حينها سبعة عشر عاماً، اشتريتها من مخلفات الجيش العثماني بليرة ذهبية يوم قررت أن أشارك بعض أبناء العشائر في قتال الفرنسيين الذين احتلوا سورية عام 1920 بعد عام من ولادتي. كنّا نكمن لهم في الطريق بين دير الزور والرقة، ونَبيْت ليالي في البادية بانتظار مرورهم، لنستولي على ما يحملونه؛ فنخلصهم الأسلحة التي بين أيديهم، والمؤونة التي يريدون إيصالها إلى مقر القيادة الفرنسية في دير الزور. كنا مجموعة تملؤها الحماسة، والشجاعة، والتضحية، وكان عمكم «أبو فهد» خبيراً في تصنيع الديناميت وتفجيره، ولكنه استشهد عندما فجر مرة دورية للفرنسيين كانت متجهة إلى الميادين، لم نعرف كيف نخبر أمه حينها؛ فقد كان وحيدها. وتدمع عينا أبي كلما تذكر «أبو فهد»، ولكنه سرعان ما يتماسك ويتابع بالقول: ولكننا أخرجناهم من دير الزور، بل أخرجناهم من سورية بعزيمة الرجال، وقوة إيمانهم كنا نذهب إلى المحافظات الأخرى لأخذ التعليمات من قيادة الثورة، ونشارك في أكثر من جبهة مع الأمير هنانو والشيخ صالح العلي، حسب ما تقتضيه الحاجة، أمضينا أياماً، وليالٍ «ترفع الراس» في قتال المحتل وفي إجباره على الجلاء عن كل شبر من سورية، ولتعلموا أن محافظة دير الزور أول محافظة استقلت عن الاستعمار الفرنسي. هذه البارودة أثمن شيءٍ امتلكته في حياتي، وبعد كل هذه السنين أقف أمامها كما ترونني دائماً، أتذكر رفاق السلاح الذين مضوا، وبقينا نحن ننعم بمعنى الحرية والاستقلال. مضت سنوات على رحيل أبي، ما تزال البارودة معلقة على حائط الغرفة بجانب صورته، يتشاجر الأحفاد على أخذها، ولا أدري من سيرثها لمتابعة مسيرة جده...!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |