جريدة الاسبوع الادبي العدد 1100 تاريخ 19/4/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحرية من الاحتلال .. هي الدنيا ـــ جمانة طه

مثل من ينتظر العيد، أنتظر السابع عشر من نيسان. وتوقعي لمجيئه، لا يقلل من قدسيته ولا من بهائه ولا من حضوره في نفسي. فالاحتفالات والعروض العسكرية التي كانت تقام احتفاء به، هي جزء من طفولتي وشبابي. حين كنا نخرج من المدارس مثل الفراشات، نلوح بالأعلام ونطير الحمائم البيضاء وننشد حماة الديار وفي سبيل المجد وأنت سورية بلادي.‏

في هذا اليوم من كل عام يستعيد الوطن ذكرى استقلاله، ويعيدها إلى واجهة المقاومة والشهادة. ويعيد إلى الذاكرة صوت الجنرال غورو، متحدياً الناصر صلاح الدين: ها قد عدنا يا صلاح الدين. وحقده الذي جاء به إلى دمشق، شاهراً عليها سيفه وإنذاره. فدمّر ميسلون، وقتل يوسف العظمة.‏

ولا عجب في أن يحاول غورو وأمثاله احتلال سورية، فهي أرض مطموع فيها منذ الأزل. غزتها جيوش الفرس واليونان والرومان والمغول والأتراك والفرنسيين، وفي كل مرة تنهض كالعنقاء مكللة بغار النصر.‏

لقد عاشت الأرض السورية في زمن الاحتلال الفرنسي مراحل الزخم الثوري، والتضامن الوطني الشعبي الكبير، الذي ساعد في استمرار المقاومة وفي تحقيق الاستقلال. ومع أنَّ القتال ضد الفرنسيين كان غاية في الصعوبة، وينتج ما لا يحصى من أعمال التنكيل، ظلّ الشرف الوطني أعلى. إذ لم يخطر في بال أحد أن يتراجع، أو يتخاذل. فالتمسك بوحدة الوطن واستقلال ترابه، كان هو الهدف الأسمى الذي يسعى الشعب إليه.‏

وقيل إن الجنود الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي وهم في أصولهم من الهند الصينية ولاوس وكمبوديا، اتخذوا من جهاد السوريين مثلاً طيباً. إذ كانوا عندما يعودون إلى بلادهم يقصون على مواطنيهم كيف استطاع الثوار في سورية أن يقابلوا الحاميات الفرنسية بالبواريد العتيقة والأسلحة الفردية البسيطة، ويرعبوا بها جيشاً يُعد في ذلك الوقت من أقوى الجيوش البرية في العالم.‏

ومن أجل التحرير الذي عملت جموع الشعب على تحقيقه من مختلف فئاتهم وطوائفهم وانتماءاتهم الحزبية، استيقظت فرنسا عام 1925 على ثورة كبرى انطلقت من جنوب سورية، ثم شملت سورية كلها. ثورة منحت الأرض الاستقلال، وأضافت إلى سفر الجهاد العربي وثيقة لن يقوى الزمان على طمس حروفها. فأبطال الجلاء جعلوا الجهاد من الرصاصة إلى الاستشهاد، وجبتهم المفضلة. فأرعبوا العدو بشجاعتهم، وأذهلوه بصمودهم، وهزموه بإيمانهم بقضيتهم.‏

تداعيات الجلاء تأخذني إلى عدد من المناضلات، أذكر منهن: (نازك العابد)، الملقبة بجان دارك العربية. فعلى الرغم من نفيها بعيداً عن دمشق ثلاث مرات، لم تتوقف عن مساعدة الثوار ومحاربة الفرنسيين. وعندما أصيب القائد يوسف العظمة في معركة مبسلون بالرصاصة القاتلة، كانت نازك إلى جانبه. و(زينب الغزاوي) التي وجهت السلاح إلى صدر أخويها عندما حاولا منعها من الخروج إلى الجهاد، وقالت لهما: "أقسم بتراب أبي إذا منعتماني فسأقتلكما بهذا الجفت". وعندما سمحا لها تنكرت بثياب زوجها وتسمت بأبي محمد، وانطلقت معهما من الغوطة إلى ميسلون وشاركت في المعركة. ومن غوطة دمشق أيضاً (زهرية سليم شكير)، التي أسرها الفرنسيون أكثر من مرة بسبب مساعدتها في نقل السلاح والطعام إلى الثوار، إلى أن قتلوها تخلصاً من نشاطها. ومن جبل العرب، ترفة مصطفى المعاز وزوجة رشيد بلان وابنتها، اللواتي حاربن في معارك السويداء .‏

وبالتأكيد غير بعيدين عن البال والتقدير الثوار الأبطال الذين كتبوا قصيدة الجلاء بالبندقية، أو بالسياسة والحوار. ومع أن الماضي لا يعني الأبناء كثيراً، لأن ما يشغلهم هو المستقبل. إلا أني أدعوهم للتمسك بذاكرة تسمو بتاريخها، والحفاظ على تراب روّته دماء أبطال كانوا في ذلك الحين شباباً مثلهم.‏

وإذا كنا في سورية نرتع في مناخ من الحرية والتحرر، فهذا لا يعني أننا لا نذكر أخوتنا في فلسطين والعراق، ولا نعيش مأساتهم. ولا نرى كيف تهدر كرامتهم، قتلاً وسحقاً وتشريداً. فصرخات الموت تخترق آذان الكون، لكنّ العالم الذي فقد إنسانيته يعيدها صدى خافتاً لا يسمعها حتى الأقربون. ولا شك في أن الثقة بصمودهم في وجه المحتل وأعوانه، يمنحنا الأمل بأنه لا شيء مستحيل عندما توجد الإرادة ويتحقق التضامن ويزهر الجهاد.‏

إن سورية المعطرة بندى الجلاء، تدرك بأن الاستقلال كان ثمرة شجاعة وتضحية. وهي اليوم تقف على أرض صلبة، تنطلق منها وفق إيمان راسخ بعروبتها وبقضايا أمتها، وبحقها في أرضها المغتصبة. فالجهاد الذي كان قدراً، صار للسوريين شرفاً. والحرية التي كانت شعاراً، صارت لهم هي الدنيا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244