|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أبجدية الفعل الخلاَّق ـــ أ.د.حسين جمعة أبصرت أبجدية الأفكار القوميةِ النورَ للمرة الأولى حين تم لها نظام الكتابة العربية الأول كما دلت عليه الحروف المكتشفة في رأس شمرا... ثم أخذت المكتشفات تظهر هنا وهناك ـ ومنها المكتبة التي عثر عليها في (إيبلا) ـ لتؤكد هذا الفعل الخَلاَّق. وراحت اللغة والكتابة والثقافة ترتقي بالفعل الإنساني لتعلن حضور العرب التاريخي والحضاري... ولاسيما حين انتقلت تلك الأبجدية في الزمان والمكان لتصبح أداة الخطاب والحوار بين الثقافات البشرية شرقاً وغرباً... وقد تضمنت المنجزات الثقافية لتلك الأبجدية سمات الشخصية العربية ذاتياً وموضوعياً؛ ثقافياً واجتماعياً، فنياً وأدبياً، و... ولا تزال تبرز الخصائص الموضوعية لمجموعة من السكان الذين ولدوا ونشؤوا أجيالاً بعد أجيال في محيط جغرافي طبيعي متشابه... إنها الخصائص التي تأصلت في النفس العربية على مدى العصور والدهور حتى شكلت أمزجة وطبائع وعادات وتطلعات ولغة مشتركة، وهو ما عرف بمفهوم الهوية الواحدة المُعَبَّر عنه بالعروبة. ولعل الدارس المدقق في هذه الهوية منذ نضجها في القرن العشرين حتى اليوم يجد أنها تعرضت لأزمات شتى، ولكن أعظم أزمة هي ما تعانيه هذه الأيام إذ أخذ التآكل يدب في أوصالها نتيجة الممارسات المشوهة لبعض أبنائها؛ ولاسيما أولئك الذين يتسنمون شؤون الأمة من الساسة والقادة والمفكرين... ولعل التآكل الفكري السياسي يعد أعظم تحدٍ لها تاريخاً ووجوداً؛ وهو تآكل ناتج عن ضعف أبنائها في مسيرة النتاج الإنساني المعاصرة، فضلاً عن المخططات الاستعمارية التي وضعت لاستئصالها منذ الاستشراق الاستعماري ومعاهدة سايكس بيكو (16/ 5/ 1916م) ووعد بلفور (17/ 2/ 1917م) حتى إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة إثر نكبة (1948م) وما جرى بعدها... لهذا كله تعرض كل ما يمت للهوية العربية وللعمل العربي المشترك لتهديدات حقيقية، وتحديات جمّة أوصلت العرب إلى ما هم عليه اليوم... فإذا كانت الشروط الموضوعية قد هيأت للعروبة البقاء والاستمرار في الدولة القطرية فإن واجب الحفاظ عليها والارتقاء بها لا يتحققان بالتمني والكلام وإنما يتحققان بالتفاعل المشروع مع هذه الهوية وإثراء أبعادها على الرغم من الواقع المشبع بالهموم والمآسي، والمثقل بالحروب حتى النخاع؛ وبالتمزق حتى الثمالة باعتبارها رداً على أي نمط من التشرذم والمصائب... فإذا كان تشخيص الواقع العربي ضرورة ملحة فإن العثور على الحل الناجع ضرورة وجود ونهوض... ولعل إدارة المعرفة والوعي بالانتماء العربي، ومن ثم إدارة المعرفة السياسية خاصة تعدُّ الرسالة الأولى لكل عربي ولاسيما أولئك الذين حصلوا على ثقة الشعب العربي من الأنظمة والحكام... عليهم أن يتصفوا بالمسؤولية والروح القومية الجامعة تضامناً واتحاداً، وأن يسعوا إلى حل أي خلاف ينشأ بينهم حتى لا نتحول إلى أشباح وهياكل في آلة الصناعة الغربية الأمريكية التي أخذت تسيطر على موارد العالم ومقدراته. فالواقع التشاؤمي الذي نعيش فيه لكثرة المشاهد المأساوية من قضية فلسطين إلى العراق والسودان والصومال ولبنان يفرض علينا أن نقف محللين له متجاوزين أي خلاف بيننا على كل مستوى وصعيد، مهما صغر أو كبر... وعلينا أن نتحلى بالإرادة والتفاؤل لإنجاز هذا الطموح، مستفيدين من مناخ الشفافية العالية الذي حدث بين الزعماء العرب في قمة دمشق (قمة العمل العربي المشترك) في (29 ـ 30/ 3/ 2008م) والذي تجلى في مؤتمر المفكرين العرب بدمشق في (15 ـ 20/ 4/ 2008م) بعنوان (تجديد الفكر القومي والمصير العربي). فكل منهما جهد في أن يسمو فوق الجراح النازفة ويسعى إلى توحيد المفاهيم والمصطلحات والجهود ورصّ الصفوف لإعادة الاستحقاقات السياسية والفكرية والاجتماعية عربياً ودولياً... لذا ينبغي على الأنظمة العربية ألا تجر الأمة إلى معارك جزئية وصغيرة، وألا تقع في مناورات عبثية تضيع ما صنعته الأبجدية الأولى من الفعل العربي الخَلاَّق، فالإبداع الأصيل تجريب مستمر لتجاوز الخطأ العرضي، على الرغم من أن بعض الأنظمة لا ترى نفسها إلا في خانة الخوف من الآخر الذي سلبها الإرادة والفعل الدقيق، علماً أن الآخر الممثل بالقوى الدولية الكبرى يجر العالم اليوم إلى مواقع تعزز مصالحه الأساسية وليس مصالح العرب وشعوب العالم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |