|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مفردات أدبية الثروة ـــ حنا عبود الانتقال من العمل إلى الثروة قديماً كانت ثروة الإنسان عمله. مرت مراحل لم يكن يفكر في الثروة. كان يعمل لتأمين حياته بجمع الثمار وأعشاب الأرض. قبل الرعي لم يكن يفكر في الثروة. وبما أن عمله محدود، فقد مال إلى تزجية الوقت بالتأمل واللعب والرقص والغناء، والفنون البدائية كلها التي رافقت مسيرته حتى اليوم. وقد ترافق الرعي مع الصيد، فشكل الصيد نفسه ثروة. وعندما يصطاد أبطال اليونان الخنزير الكاليدوني يختلفون في قسمته، وتحدث مأساة بعد أن فرض مليغر حصة كل واحد. والعمل لا يصنع ثروة. العمل يصنع متعة ويولع الفرح في النفوس. الثروة اقتناص، سيطرة، سرقة، استيلاء... لا يمكن لعمل يعمله المرء من أجل نفسه أن يؤدي به إلى الثروة الطائلة. حتى في مرحلة الرعي، لم تظهر الثروة سريعاً. ظهرت بعد اقتسام القطيع. قبل ذلك كان القطيع من أي نوع كان ملكية مشتركة بين جميع أبناء القبيلة أو العشيرة. وكانت المنتوجات تقسم بالتساوي على كل الأعضاء. ولم يكن أحد يفكر في أن يمتلك شيئاً، فما له ولهذا الشيء؟ إنه إن زاد عن حاجته أرهقه. وقد لعب الكلب دوراً كبيراً في حماية القطيع، والإنسان أيضاً، كما كانت له أهمية كبيرة في الصيد. قد يقال إن الخوف على وجوده هو الذي دفعه إلى عدم التفكير في الثروة. ربما، ولكن من باب آخر إن الثروة نفسها، كما دخل في روعه تدريجياً، من جملة الوسائل التي يعتمد عليها حفاظاً على وجوده. مرحلة الرعي كانت بداية تشكيل الملكية الفردية المحدودة, ملكية الكفاية. وهي التي، بعد انصرامها، صارت نموذجاً مثالياً، في الفكر الأدبي. إنها نوستالجيا الأدب، وقد مرت على أوروبا فترة عادت فيها إلى الأدب الرعوي، ويقال له الأركادي أيضاً، وبخاصة بعد انتشار النار والبارود في القرن الرابع عشر، كرد فعل على الظروف القلقة. صارت الرعوية صورة للحياة الهادئة، وللانسجام مع الطبيعة. هذا العصر الأركادي ينظر إليه الأدب باعتباره العصر الذهبي، مقابل العصر الذهبي الميثولوجي، الذي أقامه ساتورن في إيطاليا. في المرحلة الزراعية اعتمد الناس على الملكية العقارية، وليس على النقد. لم يكن النقد شائعاً، كان الرأسمال الأساسي للملكية هو العقارات الضخمة والكبيرة. ومنتوجها، فيما بعد، هو الذي يطعم الإقطاعي ويجهز جيوشه، ويحمي قلاعه. كان لا بد من انتظار التشكيلة الرأسمالية حتى يكون الثقل الأكبر للمال، بعد التراكم الأولي الذي حدث في أوروبا على أثر الاكتشافات الجغرافية. وكان الذهب الذي تدفق من أمريكا يكفي وحده لأن يجعل عقارات الإقطاعي لا قيمة لها. صار العمل الصناعي يعطي مردوداً أكثر من العمل الزراعي، حتى أن مساحات واسعة من الأراضي المزروعة في إنكلترا تحوّلت إلى حظائر لتربية المواشي تلبية لصناعة الصوف والجلود المتزايدة. وحدثت هجرة عظيمة من الريف إلى المدينة، وتشكلَ جيشٌ احتياطي للعمل، فخف ثمنه، وصار الفرد المعدوم بالكاد يعيل نفسه من عمله في المصنع. صرنا أمام عمل ضخم وهائل، ولكنه لا يعود على صاحبه بما يكفيه، مقابل كمية ضخمة وهائلة من الثروة، لها قدرة على تحويل أي شيء إلى ما تريد. وهنا توطدت أسس النظام الرأسمالي، حيث تقلص مردود العمل الجسدي، وتعاظم مردود الرأسمال بصورة لم يسبق لها مثيل. في هذه المرحلة لم تحدث ثورة في وسائل الإنتاج وأدوات الإنتاج فقط، بل حدثت ثورة في العلاقات الاجتماعية، فكانت مرحلة خصبة وضعت الأدب أمام مرحلة جديدة من المعالجة، وإن لم يتغيّر قانونه الملتزم بالحق والخير والجمال. صار أمام الأدب مادة ضخمة جداً في المجتمع انكب على معالجتها، وبخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. الذهب ودوره لعب الذهب دوراً كبيراً في هذه المرحلة وخاصة بعد اكتشاف أمريكا. تغيّرت النظرة إليه كقوة حياتية فاعلة. من قبل كانوا ينظرون إلى الذهب باعتباره باعثاً للحياة. وقد ظهر التهافت عليه في البلدان الشمسية، التي تعبد الشمس، في مصر وحوض المتوسط. كانوا يعتقدون أنه من الشمس. فهو يشبهها في لونه وبريقه. فلا بد أن يفعل فعلها، في المحافظة على الحياة والشفاء من المرض. وكلما زاد الكنز الذهبي عند شخص، ضمن لنفسه حياة سليمة مديدة. وبما أن الحكام كانوا الأقوى فقد كانوا الأغنى، ولذلك تدور قصص كثيرة حول الذهب، والصراع لحيازته. وكانوا يتزينون بالذهب، وبخاصة في الصدر والرأس لصيانة الحياة وديمومتها. ويوم كانت المرأة معبودة كانت تتزين بالذهب لا كملكية، بل كقدرة تمنح الصحة والحياة. الذهب والحية دائماً من الشعارات المشهورة للربات في الحوض المتوسط. والشعوب التي لم تكن لديها هذه العقيدة، لم تول الذهب أي أهمية، كشعوب الأمريكيتين، فقد كانت التعاويذ والزينة من أعضاء الحيوانات والنبات والشجر وأسنان الوحوش والموتى... لذلك عندما اندفع أبناء كريستوف كولومبوس إلى جمع الذهب كان السكان الأصليون يدهشون لهذا الغباء، فماذا يصنعون بهذا المعدن؟ إن الحديد أقوى منه وأفضل بكثير. وكانوا يعملون في استخراج الذهب من غير أن يأخذ واحد منهم ولو غراماً لإيمانهم أنه معدن لا ينفع في شيء. ولهذا السبب كان الأوروبيون يفضلون استخدام السكان الأصليين. فإذا أضفنا الذهب إلى الرأسمال الضخم الذي حقق التراكم الأولي في أوروبا، عرفنا أي أوضاع جديدة قد نشأت وراحت تفعل فعلها. وفي هذه المرحلة تشعبت موضوعات الأدب إلى درجة كبيرة جداً، لم يسبق لها مثيل، من غير أن يتخلى الأدب عن موقفه الأساسي. الموقف الأدبي لم يتغيّر موقف الأدب من الثروة. أما الثروة "الحلال" فلا اعتراض عليها. الثروة المدمرة كانت الموضوع المستمر منذ أن نشأ الأدب. وحرب طروادة نفسها لم تكن بسبب هرب هيلين مع باريس، بمقدار ما كانت سعياً للاستيلاء على ثروة طروادة وكنوزها الذهبية. وقد سمعنا الكثير من شخصيات يونانية تصف هيلين بالزوجة الخائنة والمرأة الشبقة، ولا تستحق أن يحارب المرء من أجلها. فأخيل يحاول التملص من الذهاب إلى الحرب بارتداء ثياب الفتيات، وأوديسيوس يتملص بطريقة أخرى فقد ادعى الجنون. ولكن شهرة الكنوز الطروادية دفعت الجميع إلى السفن اليونانية وحدثت الحرب. والقانون الأدبي المتعلق بالثروة. إنها نتيجة عملٌ مشكوك فيه، فتراكمها غير شرعي، إذ لا يوجد فرد يمكن أن يجمع ثروة ضخمة من عمله، مهما كان هذا العمل، ولا استخدامها شرعي، فلم تستخدم إلا للتدمير والحروب، كما أثبت التاريخ. إن الفقير لا يحارب أصحاب الثروة، وإنما يكتفي بالتمرد، بينما أصحاب الثروة ينخرطون في حروب شرسة مدمرة، فيما بينهم. وعندما يقوم الفقراء بثورة، فإن القيادة تكون بيد أصحاب الثروة والنفوذ، ويكون الهدف أيضاً جمع الثروة, وليس توزيعها. توزيع الثروة تكون بين الأبناء فقط، كما فعل قسطنطين، ومن الصعب أن نعثر على غير تولستوي وزّع أملاكه على الفلاحين. لم يهادن الأدب الثروة طيلة تاريخه، ففي كل العصور كان يدينها، لاعتبارها "حظاً" وليست "عملاً". ولهذا السبب جعل من أركاديا وطن العصر الذهبي. والثروة لا تقتصر على الدول، كطروادة، بل حتى الأفراد يعانون المآسي بسببها. فمنذ بوليدوروس وحتى اليوم، تلعب الثروة دورها التدميري. فقد أرسله أبوه ملك طروادة (كما جاء في الإنياذة) لينقل أطناناً من الثروة إلى صديق أبيه، حتى يحفظها أمانة له ريثما تنتهي الحرب. ولكن عندما شالت كفة طروادة قتل الصديق ابن صديقه واستولى على الكنز، الذي كان وبالاً عليه هو نفسه. وشقيقة بوليدوروس، واسمها كاسندرا، التي كانت من حصة أغاممنون، قالت له، وكانت متنبئة، لا تحمل قاتلك (الغنائم) معك، لأن الموت يترصدنا خلف بوابات قصرك. وبالفعل كان الموت له بالمرصاد، واستولى على الكنز عشيق زوجته ، الذي لقي مصرعه أيضاً على يد ابن أغاممنون، أورست... والثروة لا تعني الكنوز الذهبية فقط، بل أي ملكية خاصة private property (وليس ملكية فردية أي شخصية) مهما كانت، إذا توافرت فيها شروط الرأسمال، أي يمكن استخدامها لتحقيق المآرب والأغراض الإنسانية الشريرة. ولم يعرف الأدب إلا نادراً ثروة فعلت الخير إلا ثروة العمل، أي عندما يريد بطل من الأبطال أن يقدم المساعدة الإنسانية النبيلة فإنه يقدمها بعمله الشخصي، وليس بثروته الخاصة. ومن هنا كانت كل ثروة مدانة في الأدب. والثروة حظ وليست ميزة إنسانية. وعندما نقول إن هذا الإنسان محظوظ فإننا نعني أنه صاحب ثروة، وليس صاحب عمل. هذه الإدانة نجدها في كل آداب العالم تقريباً. وقد وحّد الأدب بين الثروة والحظ، ولم يوحّد بين الثروة والعمل. وفي اللغات الأوروبية يطلق على الثروة والحظ كلمة واحدة fortune بل حتى في الشرق نجد الكلمتين تحملان المعنى ذاته، فدائماً يقولون عن صاحب الثروة إنه صاحب حظ، لإيمانهم أن العمل لا يمكن أن يعود عليه بهذه الثروة الضخمة. وقد لخص دانتي في الكوميديا الإلهية [الجحيم: النشيد السابع] قانون الحظ، أو الثروة، وهو القانون الذي ينظر من خلاله الأدب إلى الحظ، أو الثروة، فقال: 73 الملك الذي فاقت حكمته كل شيء خلق السموات وجعل الملائكة حرّاساً للنور الأبدي، الذي يشع 76 بالتساوي على هذا النصف وذاك. وبالقانون ذاته خلق متاع الدنيا وجعل الحظّ وزيراً متصرفاً فيه، 79 إنه وزير التبدلات. فرغم مقاومة البشر تنتقل الثروة من أمة إلى أمة، ومن بيت إلى بيت في حركة تبادلية لا تبديل لها. 82 للحظ عجلة تدور أبداً. لذا ترى شعباً يعلو وآخر يسقط وفقاً لقانونها المختبئ اختباء الأفعوان في العشب. 85 والإنسان الفاني لا يستطيع بعلمه أن يسيطر على الحظ. إنه يحكم في مملكته، كما تحكم الآلهة في ممالكها. 88 تبدلاته لا تعرف هدنة ولا توقفاً. الضرورة تعيره سرعتها، لذلك تأتي شهرة الرجال سريعاً وسريعاً تزول. 91 لكن انتبه فاللعنات تصب على اسمه حتى من أفواه الذين يجب أن يمدحوه. إن الناس تشتم الحظ وتلومه بلا وعي. هذا هو القانون الأدبي الذي يحكم على الثروة بالإدانة. فالثروة مادة هوجاء، تحمل عدوانيتها من العلاقات التي تخلقها، سواء بين الشعوب أو بين الأفراد. وفي مسرحيات شكسبير كلام كثير عن الثروة ودورها المشين. ففي مسرحية "سيمبلين" يرى أن الثروة "تفتح كل الأبواب" ويكفي رشوة بكف امرأة حتى يصل المرء إلى هدفه. ودائماً تكون مثل هذه الأهداف آثمة. بالفعل الثروة تفتح الأبواب، ولكنها أبواب الجحيم. والمقياس الأدبي للثروة هو المقياس الأركادي. دائماً ينظر الأدباء إلى الثروة بمقارنتها بالعصر الأركادي. في قصة تولستوي "ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض" تتحاور أختان: إحداهما تزوجت تاجراً غنياً في المدينة، وأخرى تزوجت فلاحاً. فتقول الأخيرة: "لا أبادل مصيري بمصيرك. إن حياتنا باهتة، في الحقيقة، لكنها لم تسمم بالخوف. حياتكم أكثر إمتاعاً؛ لكن إذا وقع لكم أن ربحتم كثيراً من المال فقد يقع لكم أن تخسروا كل شيء. وكما يقول المثل: الخسارة أخت الربح الكبرى. فإذا كنتم اليوم أغنياء تعرضتم غداً للاستجداء. أما حياتنا، نحن الفلاحين، فهي مضمونة أكثر. إن بطن الفلاح رقيق لكنه طويل؛ وإذا كنا لا نثري أبداً ظل عندنا ما نقتات به". إن هذه الأخت تنظر إلى ثروة أختها من المنظور الأركادي (الرعوي). لكن هذا الفلاح نفسه، أي زوجها، طمح، أو طمع، أن يكون له الكثير من الأرض، ويسمع أنه في بلاد البشكير أرض واسعة، عشرات الهكتارات بألف روبل، ويذهب ويتفق مع البشكير، فيقول له زعيمهم: تبدأ من نقطة نقف فيها وتنطلق أنت منها من الصباح إلى المساء، وتدور وتعود إلى هذه النقطة، ويرافقك الفرسان ويدقون الأوتاد حيث تريد، وبمقدار ما تركض يكون لك من الأرض مقابل ألف روبل. وركض الرجل وكلما تعب وهمّ أن يتوقف، شجع نفسه وقال إنها فرصة يجب أن أغتنمها. وكانت النتيجة أنه عندما حلّ المساء، انحلت قواه وسقط ميتاً فوق الأرض التي أراد شراءها، فحفروا له حفرة بمقدار ذراعين ودفنوه في الأرض نفسها. وربما كانت رواية أونوريه دي بلزاك "أوجيني غرانديه" من أهم رواياته دلالة على ذلك، ففيها يصور كيف تغيّر الثروة كل شيء حتى العواطف، فيتخلى البطل بعد الثروة التي جناها عن ابنة عمه التي أنفقت كل ما لديها لمساعدته. وهناك رواية فريدة من نوعها هي رواية دستويفسكي "الأبله" يجعل المؤلف بطل الرواية الأمير ميشكين، وهو الذي يظنه الناس أبله، وليس كذلك، فهو حكيم حكمة لا يفهمها أصدقاؤه، يقدم على إلقاء رزم الروبلات في النار أمام من يحب، بكل برودة أعصاب، كأنه يلقي أوراق صحيفة فات وقتها، دون أن يؤمن أنها تفيده. إنه يريد الحياة السعيدة، وكأنه أدرك أن هذه الحياة لا يمكن أن تكون مع هذه الثروة، التي جعلت الناس يعاملونه معاملة خاصة أفقدته توازنه. أراد من الناس أن يروا فيه إنساناً لا ثرياً... كان لا بد من أن يتصرف تصرفاً حاسماً ليستعيد الحياة الأركادية. وفي قصة جون شتاينبك "اللؤلؤة" موقف أدبي صريح، فصياد يغنم من صيده البحري لؤلؤة، فتأتيه بكل ما ينغص حياته، بل تعرض حياته لكثير من الأخطار، ولا يعود إلى حياته إلا عندما يلقيها بعيداً في المياه الصاخبة. إن موقفه يشبه موقف "أبله" دستويفسكي تماماً. وبعد كل المغامرات التي عاناها يقرر العودة إلى الحياة الأركادية، ويلقى باللؤلؤة في أعماق المياه التي اصطادها منها. موقف الأدب من الثروة لم يتغيّر منذ آلاف السنين، ولا نظن أنه سيتغيّر. ومع ذلك دائماً نجد الإبداع عندما يعالج الأدب هذه المادة. فهي مادة غنية جداً، وقادرة أن تتخذ أشكالاً كثيرة في العمل الأدبي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |