|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
التعويذة ـــ أمية العبيد دخلتُ غرفتي الباردة أحثّ خطواتي الثقيلة، متكئاً على كتف ولدي الشاب، ومن ورائه كانت تقف أختاه، تسارعوا جميعاً لمساعدة أبيهم المحزون، كانوا بصمتٍ يمسحون عن وجوههم دموعاً غزت حياتهم باكراً، حاولوا كثيراً بتفانيهم ودعواتهم الله أن يمنعوها من اقتحام حياتهم، ولكنها بإصرار سكنت فوق الأخاديد، وفي القلوب. تمدّدتُ فوق سريري الذي ازداد صقيعه عن قبل... تأملتُ أولادي بنظرة كسيرة... رششتُ على وجوههم ابتسامة مليئة بالحزن والقهر، وأشياء كثيرة لا يعرفونها. لقد كبروا، ومعهم المؤهلات العلمية التي حازوا عليها... كل شيء في هذا البيت قد كبر، وكذلك الأحزان التي لم ينتبهوا إليها حين تفشّت في جسدين شاخا قبل أوانهما. لقد عانت الفقيدة كثيراً.. كافحت بكل ما أوتيت من قوة كي تحميهم من التشرد الذي اعتقلته من حياتهم، وأسكنتْه في سراديب أعماقها، فحوّلها إلى مشردة في الداخل، وأسكنَها في غربة موحشة حتى آخر لحظة في حياتها... ربما فكرت كثيراً بالرحيل عن هذا البيت، ولكن قطع كبدها تعيدها إلى رشدها، لأنهم كلما خرجت به من هذه الحياة، وحالها الذي هي عليه أفضل بكثير من الفضيحة. حاولتْ كثيراً إسعادهم، وكانت بالكاد تخرج من باب المنزل إلا مرة في الشهر، وكأنها عافت الدنيا من أجلهم، ومن أجلي... كانت تُقسِم أمام نفسها، ولكنني سددتُ أذني عن سماع قسمها المتكرر في كل لحظة جمعتنا، ما رأيته بأم عيني يكذّب كل تبرير، وكل توبة. وما زال جرس النقود يطربني مع كل شربة ماء، والكل يعرف أنه تعويذة من الشيخ الجليل كي تخفف علي سعلة لازمتني منذ طفولتهم. كلما التففنا حول مائدة الطعام لا أحد منهم يعرف ماذا أقصد وأنا أهز كأس الماء، وموسيقا قطعتي النقود الفضيّتين اللتين استقرتا في أعماقه يرن في الآذان. كان الرنين يطربني، ويخفف آلاماً نخرتْ أعماقي وعظامي، وشرخت روحي التي كانت شفيفة، وغارقة في حبي لكل الأشياء الجميلة المحيطة بي، ومن ثم غرقتُ بحب تلك الفتاة التي التقيتها في بيت خالي، حيث كانت صديقة ابنتهم. تيار سرى في كل أوصالي منذ اللحظة التي التقت فيها عينانا.. تحاورنا، وتناقشنا في تفاصيلنا... انسجمنا إلى حد التطابق... قالت لي يومها: ـ أنت الرجل الأول في حياتي، لقد امتلكتَ كل ما كنتُ أمتلكه، لك حبي وسعادتي، والتفاني كله. أمام هذه العبارات التي حولتني إلى قطعة سكر ألقتها في فمها، جثوتُ وأنا أمسح دمعة فرح فرّت على غفلة مني، وأقسمتُ لها: ـ أنتِ آخر امرأة تدخل قلبي وبيتي. وتوالت السنون، وكل يوم يزداد حبي لها، وأعجب بها أكثر... زيّنت حياتي بجمالها وثقافتها، على الرغم من أنها توقفت عن إتمام تعليمها الجامعي بسبب الحمل والولادة الذي تكرر ثلاث مرات... أنجبت فيها ابنتين ثم الصبي، وكنا كل يوم نتجدد معهم بما يلهون، ونأكل مما يأكلون، ونضحك ونفرح، والرزق كثير والحمد لله! هذه حياتي معها ومع أولادي قبل أن تدخل تلك التعويذة بيتي... عشرون عاماً مرت وتعويذتي ترقد في قاع الكأس المستقرة فوق منضدة الطعام، وكلما التففنا حولها تفاجئني السعلة التي لازمتني أيضاً منذ ذلك اليوم، ولا تنفك عني إلا بعد أن أهز الماء في تلك الكأس، فيملأ رنين قطع النقود أرجاء البيت... آخذ منه شربة فتستقر نظراتي من خلال الماء في الكأس فوق وجه التي أحببتها، وعاهدتها... ثم تهدأ السعلة، ويعود كل ما في البيت إلى حاله. توالت الأيام بعد أن دخلت تلك التعويذة بيتي، وكبرت بسببها الفجوة بيني وبين زوجتي حبيبتي، إذ أصبحت تنام مع أولادها، وكسا الصقيع غرفة نومي، وأحاسيسي ترقب وردتي التي ذبلت، وبريق عينيها قد انطفأ، وبسمتها قد غابت، والنحول بدأ يتزايد يوماً بعد يوم، ولم تخالجني لحظة عطف عليها، بل كنتُ في كل لحظة أسترجع ذكرى لحظات حفرت وعششت في أعماقي... كادت تقتلني منذ اللحظة الأولى لولا تلك التعويذة التي لازمتني وخففت وطأة الثقل الذي أطبق على روحي. كنا نتحاور في مسؤوليات البيت، والأولاد، ونستقبل الضيوف، ونرد لهم الزيارات... نضحك، ونمزح، وأحضر لها الهدايا في المناسبات، وأقيم لها حفلاً في عيد ميلادها، ونحتفل في عيد زواجنا، وكأن شيئاً لم يكن... كريماً ظللتُ عليها وعلى أولادي بحبي ومالي... أحببتهم بكل جوارحي، ولكن صوت أعماقي كان دائم الصراخ... يقتلني بنظراته الصامتة وهو يشير إلي: «أنتَ رجل غبي ومغفل»، فأشهر سلاحي بوجهه «تعويذتي»، وفي كل يوم أقتله من جديد لأنه أيضاً في كل مرة كان يقتلني. حاولت اليوم كثيراً أن أفسر أحاسيسي التي اختلطت عليّ وأنا أقف بين المشيّعين منكسر الجناح، خافض الرأس، أنتظر مواراة جثة رفيقة عمري لزمن يزيد على الثلاثين عاماً، وأم أولادي. خارت قواي، فجلستُ أمام القبر أنظر إليهم وهم يجرفون التراب كي يملؤوا حفرة احتضنت جسدها الذي هجرتُه وعافته نفسي سنوات طويلة.. وضعتُ رأسي بين يدي، ورحت في نوبة بكاء... لقد أحببتها بكل تفاصيلها لولا تلك التعويذة التي دخلت على غفلة من سعادتنا. حاول الملتفّون حولي إسكاتي، وفجأة مددتُ يدي في جيبي، وأخرجتُ قطعتي النقد الفضيتين اللتين أتعبتاني كثيراً في الماضي، فبعد هذه اللحظة لم أعد أحتاجهما... ألقيت بهما فوق القبر، وبدأت أرقبهما وهما تتواريان في التراب. الكل من حولي يطلب مني أن أكف عن البكاء، وأدعو لها بالرحمة، ويذكرونني بأن ما قدمته لها ليس بالقليل. تكلموا عن تفانيّ في خدمتها... وعلاجها عند أفضل الأطباء... سنة كاملة مرت على رقدتها، وعجز الأطباء عن علاجها... كنتُ أجلس إلى جانبها... أطعمها بيدي، وأجهّز لها عصير الفواكه... أساهرها كي أخفف عنها آلام المرض، أسقيها الدواء، أضع الغطاء فوق جسدها خوفاً من تسلل البرد إليه، ولكن دون تفكير، ودون إرادة مني تمتد يدي إلى كأس التعويذة كلما جلستُ أمام منضدة الطعام، وتتحرك السعلة التي لازمتني فتضج موسيقا قطعتي النقود الفضيتين المستقرتين في قاع تلك الكأس، ولم توقفني عن فعلتي نظراتها التي كانت تستجديني وهي تصرخ بصمت: ـ ألا يكفي؟! ألا تصفح عني؟! ولا أحد يسمع صوتها غيري بعد أن أصبحت عاجزة عن الكلام والحركة، ومن يراها يشك أنها فارقت الحياة لولا أنفاس كانت ترتفع وتهبط في جسدها الممدد... تتبعها سعلة خفيفة، ولا أعرف كيف امتدت يدي إلى كأس التعويذة في لحظة حرجة اشتدت فيها سعلتها التي أنهكت قواها المتعبة، وجعلت الدموع تطفر من عينيها اللتين فتحتهما على غفلة لتتأملني. قرّبت الكأس من شفتيها، وفي داخلها قطعتا النقود تزغردان بالموسيقا، وحين سمعَت الأصوات التي كانت تبدو لها جنائزية، حركت يدها بقوة على الرغم من أنها لم تحرّكها منذ فترة طويلة... ضربت الكأس بكل قوتها، وغضبها، وآلامها التي تراكمت على مدى عشرين عاماً... فارتمى الكأس من يدي، وتناثرت أجزاؤه على الأرض... انشغل أولادي بجمع أجزاء الكأس التي حزنوا عليها لأنها تعويذتي، بينما كنتُ أرقب أمهم التي فارقت الحياة بعد أن رسمت ابتسامة على شفتيها لتكون تعويذة جديدة أحتضنها في قلبي... تحرقني في كل لحظة أتذكر فيها ذلك اليوم الذي عدت فيه على غير عادتي، ولا أعرف يومها لِمَ!! هل تحرك وسواس في أعماقي؟ أم حان قَدَرُ فجيعتي؟! كان وقت الضحى، والأولاد في مدارسهم، صُعقتُ من شَعر رأسي وحتى أخمص قدمي... هل أكذّب عيني؟ هل أستغفر ربي وألعن الشيطان، وأنسى شيطاناً تصدّر بيتي؟ ارتعشتُ يومها حين دخلتُ بيتي ووجدتُ (سالم) ابن خالي، وأخا صديقتها التي كانت سبباً في تعارفنا. لقد عاد من مغتربه منذ أيام، ولكن بسبب تراكم أعمالي تأخرت في الذهاب إليهم لملاقاته.. توقفت عن التنفس لحظات، ولكنني بكل أسف شممتُ رائحة الخيانة، كانت معالمها واضحة في كل أرجاء بيتي، وعلى وجه وجسد من أحببتها، وأقسمتْ لي يوماً بطريقة حوّلتني إلى رجل مغفل. جلستُ قبالته، ورحبت به بطريقة لا تنم عن احترام، ثم سألته: ـ متى تعارفتما؟! مدَّ سبّابته نحوها، وبكل ثقة قال: ـ اسألها..! وببرود وتحدٍّ أكمل بعد أن تأكد من عدم معارضتها له: ـ لقد ملكتَ كل شيء فيها... إلا حبها، فهو سيظل لي... على الرغم من ذهولي، ومحاولتي إغماض عينيّ عما رأيته، وسد أذني عما سمعته... ظلت هي مطبقةً على صمتها... لم تكذّبه... ولم تصرخ به وتقول إنه اقتحم قدسية بيتنا دون إذنٍ منها، ومن ثم مزّق براءة جسدها، وعفّتها... سكوتها هذا كسّر أسلحتي، وقلّم أظافري.. لا لم أسمع صراخ أعماقها وهو يعاتبني لأنني لم أدخلْه ولو مرة كي أعرف تفاصيله، بل ظللتُ واقفاً عند عتبته، فظل هذا الأعماق مسبوتاً خائفاً أمامي... بروديَ معه تركه فاتحاً ذراعيه لمن استطاع اقتحامه، وامتلاك مفاتيحه من قبلي. أمام هذا المشهد، نهض غريمي متحدّياً، وقبل أن يغادر منزلي الذي خيّم عليه سواد الخيانة أمسكته من كتفيه... هززته بقوة، وخرجت مني كلمات سافلة لا أعرف وقتها كيف تجمعت حروفها: ـ هات الثمن! ـ أي ثمن؟! ـ ثمن ما نلتَه من جسدها، ثمن خيانتكما. قهقه بسخرية وهو يمد يده في جيب بنطاله الأنيق المعطر... أخرج قطعتين من النقود الفضية، رمى بها على أرض الدار، وركض بخطواته نحو شوارع المدينة الواسعة، والتي هجرها منذ ذلك الحين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |