|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
بقايا الألوان ـــ عوض سعود عوض ماذا يمنحه الليل؟ وماذا يمنحها؟ الألوان لا تبدو صافية، العتمة تمتص بهجتها. الجرح امتد عميقاً، نزف أوجاعاً، الحزن موت بطيئ يصيب الجسد ويفتته، لم تتوقع أن تفقد الاثنين معاً. تخبئ دموعها، تطول لياليها، تنحر كلماتها بصمتها، تلوم ذاتها، بدت عليها السكينة، كسيرة الجناح، ترد الذلّ عن روحها وطلتها. الذكريات تتحول إلى ركام، إلى غبار ورماد. أحست بوهن، أشعلت الضوء، ونظرت إلى صورته، ثم إلى أشيائها السرية، الرسائل وبقايا الورد... انهمرت الدموع، بللت أوراقها. حصاد عمرها كحصادها للريح، أيضيع كلُّ شيء في غمضة عين، وهي المرأة الفريدة التي يطلب ودها كلّ من يراها؟! هي متأكدة من صدق عواطفها، لا تطلب قصراً ولا مالاً، تتلقى خبرين في آن واحد، الخبر الأول تحصيل حاصل لن تهتم به، فليتزوج عليها، فقد فعلها مرة وليفعلها ثانية، مشاعرها ليست باتجاهه. لكن أن يأتي الخبر الثاني الصاعق بعد الأول بساعات هنا كانت الضربة القاتلة. لم تتمالك نفسها حين قالوا لها: رحل الحبيب. رحلت أفراحها، لا فرح ينتظرها بعد اليوم. الضوء يحتضر في عينيها، العتمة اقتلعت حشيش قلبها، روحها، شاخت الكلمات، وشاخ شجرها وصار حطباً يابساً. لم تكن تعرف أن تدللها وتمنعها يقتل كلَّ جميل في حياته، هي التي وهبته أيامها وروحها، أما جسدها فقد تخيله كما يتخيل الشواطئ والهضاب والبحار، هالة من الحسن غير موجودة لا في الشاطئ ولا في البحر ولا في تعرجات الطبيعة. لم تعلم أن الأحلام الرائعة تتحول بفعل العناد إلى كوابيس وأفاع تقتات الحبَّ، لم تضع اللوم على أهلها أو على زوجها بل على نفسها. ظنت أنها متصالحة مع نفسها، وهذا ماكان يظنه في البداية، إلا أن الحبَّ عندما تغلغل وصار جزءاً منها. بدأت تعاقب الحبيب، وهي تعتقد أنها تعاقب ذاتها، تعتقد أن ماتفعله حراماً، تمارس الخيانة، تفعل ذلك وتعاقب حبيبها كما لم تفعل امرأة مع حبيب. مثل نهار افترعوا ضياءه، فغادر مع آخر قطراته فوق ذرا الأفق، أو كصحراء ترفع يديها. الغيم يخبئ الماء ويرتحل به بعيداً، كان حوارهما أشبه بحوار الرمال مع المزن. صهل الرحيل وصمت الفرح، ذاكرتها تمطرها بالحزن، ذاكرة مثقوبة يتسلل الفرح منها، يهرب إلى جهات أخرى. ذاكرتها خريف يمنح التساقط لكلِّ جميل، حيث تهرُّ الأوراق التي كانت في يوم ما خضراء. يهرب الجمال والربيع فلا تغدو محتفظة إلا بالطفولة المشبعة بالألم، تسمح للماضي بالتوارد إلى فكرها. تستحضر الأمكنة التي صارت جزءاً من خرافتها. في المتحف الوطني تجولا بين آثاره وفي حديقته، التقطت عدداً من الصور، ضم خصرها، بحركة رشيقة خلصت ذاتها من يده المشاغبة، في المطعم تلقمه وتفتح فمها ليطعمها، في الشارع تعانقت كفاهما، في الميكرو وفي الحديقة جلسا متلاصقين أحست بالنيران تكويها. أمكنة أخرى شمت عبقها وكبرياءها وأنوثتها، وما زالت محتفظة برائحتها، المقاعد، الأرصفة، دكان العصير، محل الكنافة النابلسية، والكشك الذي اشترى منه علبة بسكويت. تداخلت الألوان في الأفق، ازدادت كمية الغبار والسواد، حتى كادت السماء تختنق. ظلَّ ماضيها قابعاً داخلها، شعر زوجها أنها تغيرت، وما مرضها في العيد إلا منبه نبهه إلى تغيرات في عواطفها، لم تعد روحها ملكه، روحها وقلبها مع شخص آخر. بدأت تشعر أن مضايقاته تقل، وأن المصروف الذي يمنحها إياه يتناقص يوماً بعد يوم. هي وهبته جسدها وذهبها الذي يقدر بالملايين. بنت منه رجلاً يوم ترك دراسته الجامعية والتحق بالعمل خارج القطر، الشرع يسمح له ما لا يسمح لها، فلِمَ لا يستغل ذلك؟ ظنت أن القصر الذي يبنيه في القرية لها، ظنت أنها سيدته، لكنه خذلها وقال لها: كلُّ تضحياتك لا تساوي شيئاً. بعيداً عن زوجها، عن أهلها، عن قريتها وبيتها جاءته، عندما رآها أول مرة، اعتقد أن الضياء سكب أمامه امرأة، عيناها الصافيتان تمنحانها جاذبية، يتوه الشعر في أهدابها، وفي غابات جسدها، الحبُّ ربيع لا يحيا في الصحراء ولا في الوعر بل في القلوب والأرواح، امرأة فريدة في صفاتها، في عشقها، لحن قصب شفتيها الحبَّ. زقزق صدره متناغماً مع عزفهما، قال في سره، إنها الجنون، الحبُّ، المرأة التي يبحث عنها منذ ثلاثين عاماً، هي قصيدته التي سيكتبها ويلحنها ويغنيها ويقتنيها. ابتسمت فظلت ابتسامتها عالقة في ذاكرته، وجهها، طلتها، شعرها ملفوف بمنديل دال على غزارته. حاولت أن تخفي ملامح أنوثتها في صدرها العامر بالتمرد، شدّت قميصها لتعيد كلَّ شيء إلى مكانه الأليف. كانت مصادفة رائعة، فكرت بذاتها، بوصفها إنسانة من حقها أن تحبَّ، لا يردها قيد مدني. حطمت في خيالها السرير الذي ضم قيدها وخانتها. لم تعرف أن مقدمات البوح ستجرها إلى لقاءات، وستعترف ويعترف أن هذه المصادفة هي قدرهما، وأنها الأنثى التي ينتظرها. رشفت خمرة عينيها رسمه، نما الزرع وسما إلى الأعلى، إلى أفق تتماوج فيه الألوان مابين الأخضر والأزرق والأصفر والرمادي والأحمر. تطير كلماتها مزهوة بفصاحة الغزل، تطير زغاريدها إلى السماء لعلها تسمع دعاءها وتمنياتها. فتأخذ ميلاداً غير ميلادها، ومعنى يدخل كروية القلب والشرايين. الانعتاق منحها ومنح كلماتها الحرية في الغناء والرقص. وهبها اسمه وعنوانه وشيئاً من الغزل، فتحركت فيها رغبة للطيران، قال: ـ اسمى حبيب، ما اسمك؟ص ـ وردة. فيض من المشاعر يهبها للورق، لعينيها، ويديها، تدخل الكلمات إلى قلبها. تحييه بتحية مثل تحيته أو أحسن منها. صارا يترقبان اللقاء، يلتمع الضوء في عينيها وهي قادمة إليه، فيرى اشتعالهما با لحبِّ. كان كلَّ شيء من حياتها، صارت كلَّ شيء في حياته. لملما بقايا أفراحهما ووهباها للأمكنة، للريح التي كلما مرت على عاشقين عطرتهما من أنفاس حبيب ووردة. وردة من المشاعر يهبها للورق، لعينيها، ويديها، تدخل الكلمات إلى قلبها. تحييه بتحية مثل تحيته أو أحسن منها. صارا يترقبان اللقاء، يلتمع الضوء في عينيها وهي قادمة إليه، فيرى اشتعالهما بالحبِّ، كان كلَّ شيء في حياتها، صارت كلَّ شيء في حياته، لملما بقايا أفراحهما ووهباها للأمكنة، للريح التي كلما مرت على عاشقين عطرتهما من أنفاس حبيب ووردة. وردة تمنحه بوحها وعطرها، دقات قلبها الرهيفة تتحول إلى رعود، قالت له: أنا متزوجة إن عرفك زوجي سيقتلك، مرة ثانية قالت أهلك لن يوافقوا أن تتزوج من امرأة مطلقة، ثم قالت: أنا لكلِّ الناس، لأهل ضيعتي الذين تعودوا رؤيتي، فالقرية دوني لا تسوى شيئاً، أ هلي لن يوافقوا، أخيراً، قالت بنوع من مكر ودهاء الأنثى أنا غير موافقة. جرح الحبيبة كجرح التاريخ لا يندمل، يداها فارغتان، واحدة كانت تضم أنفاس تبغ زوجها، وأخرى تضم أنفاس الياسمين، هي مليئة بالعواصف ورياح السموم. امرأة فريدة في قتل حبها. هطل المطر ليس فقط من السماء، بل من عينيها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |