جريدة الاسبوع الادبي العدد 1101 تاريخ 3/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سالي ـــ أدهم وهيب مطر

توقف الباص العتيق الذي عايش الحرب العالمية الثانية ـ والتي ماتزال آثارها واضحة على هيكله الصدئ ـ بصعوبة بعد رحلة طويلة استمرت أكثر من ساعتين صعوداً ونزولاً عبر الطرق الجبلية الوعرة.‏

كانت القرية هادئة، والشوارع شبه خالية، وكان ثمة آثار رومانية تناثرت هنا وهناك وتلاحمت بعض البيوت الإسمنتية الحديثة البناء.‏

ترجّلتُ من الباص حاملاً كُتبي وأشيائي الخاصة في كيس بحّارةٍ قديم كان لوالدي، أهل القرية البسطاء يميزون بوضوح كل غريب يطأ قريتهم، لكن وجوههم المكتنزة والفيّاضة بالبراءة تبعث على الودِّ فلا يشعر الغريب بالوحدة، سألت فلاحاً مرَّ بقربي ممتطياً حماره عن المدرسة، فأشار بعصاه إلى بيت حجري كبير مؤلف من طابقين، ولم ينسَ أن يدعوني بكرمٍ فطريٍ للاستراحة في منزله على الرغم من أنها كانت المرة الأولى التي يراني فيها.‏

رحَّب بي مدير المدرسة الكهل، وهيئة التدريس القليلة العدد، قال لي أستاذ مادة الرياضيات مازحاً:‏

ـ أهلاً بك في منفانا السيبيري يا زميل!‏

لكنني لم أفهم ماذا يقصد آنذاك، رددت التحية بخجل طالبٍ ثانوي، فكم أنا صغير أمام خبرات أولئك الأساتذة القدامى.‏

كانت المدرسة «الحجرية» كنيسة رومانية قديمة في مملكة «سالي»، هذا ما قاله لي أستاذ مادة التاريخ المهووس بالآثار الرومانية، «فقد ترك زوجته وأولاده وجاء إلى هذه القرية البعيدة الجليدية ليتابع دراساته حول هذه المملكة التي ماتزال القرية تحمل اسمها (سالي) ويصرّ ذلك المعلم على أنه يسمع في كل ليلة خميس وقع الدواليب الحديدية وحوافر الخيل وصليل السيوف على البلاط الحجري المحيط بالمدرسة والنبع الروماني القريب، والذي مايزال أهل القرية يشربون منه حتى اليوم، بل إنه يتمادى في حديثه لدرجة أنه يعتقد أن ملكة سالي تزوره في ليلة كل يوم خميس وتأمره بالبقاء معها، لذلك كان يمضي جُلَّ يومه بين أنقاض ديوان القصر الملكي الذي ما تزال أطلاله واضحة، ويعتقد أن سالي الملكة ستعود لتكرر المذبحة، وكان ينتفض مشدوهاً حين نجتمع لتناول الشاي، صارخاً:‏

ـ ستعود، لابد أن تعود، لقد قالت لي ذلك!!‏

وحين سألته عن هذه الملكة، أجابني بشيءٍ من الخشوع:‏

ـ إن هذه الملكة قد خلّصت شعبها من الفقر والفساد الذي كان سائداً، فعلى الرغم من أنها مملكة غنية إلا أن البعض احتكر غذاء الكل، واستفحل خطرهم، ولما لم تستطع أن تُعيد العدالة والحرية، دعت كبار قادتها وتُجار مملكتها إلى وليمةٍ كبيرةٍ، وذبحتهم هناك، ثم انتحرت فكانت كبش فداء لشعبها المقهور الجائع.‏

وفوجئت أكثر حين علمت من مدير المدرسة أن أستاذ التاريخ هذا قد حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون في باريس، وكانت «سالي» أطروحته، لكنه حين عاد وجد خطاب تعيينه هنا بدلاً من التدريس في الجامعة، فانفصمت شخصيته.‏

كان طلاب المدرسة الوحيدة يأتون من قرى عدة كل صباح سيراً على الأقدام، أو على الحمير، أو يتجمهرون فوق أحد الجرارات الزراعية النادرة الوجود، وما أن يبدأ الدرس الأول حتى يغطُّ معظمهم في نومٍ عميقٍ، في البداية كنت أغضب كثيراً لعدم استيعابهم الدروس، لكنني أصبحت أعذرهم فيما بعد وأضطرّ لإعادة شرح الحصة مرات عدة سيما وأنهم يعتقدون أن مدرّس اللغة الإنجليزية لابد وأنه جاء من دولة أجنبية، أو هبط من كوكب آخر، وأغلبهم يظن أن الشهادة الثانوية هي آخر محطة في رحلة العلم.‏

لقد كان هناك الكثير من الأشياء التي لابد أن تفهمها تلك الأجيال المنفية البعيدة عن كل ما يسمى حضارة، على الرغم من أن سالي كانت هناك ، بأوابدها الشامخة، والمسرح الروماني ما يزال يردد أصداء ملاحم «دانتي» و«جلجامش» وأشعار «هوميروس» وأساطير «عشتار».‏

أصرَّ مديرُ المدرسة على دعوتي إلى منزله لتناول «الدهن» قائلاً بعد أن لاحظ دهشتي:‏

ـ إن تناول الدهن في الليالي الثلجية طقسٌ نحرص على تطبيقه، خاصة مع الأطفال خوفاً عليهم من أن يموتوا وهم نيام لشدة الصقيع في الليل والدّهن يا أستاذ هو خليط من لحم الضأن الأحمر والأبيض نسلقه معاً ثم نُبرّده ونقوم بتخزينه في خوابي فخارية لمؤونة الشتاء، إنها مادة غذائية بالغة الأهمية في القُرى الشديدة البرودة.‏

في الصباح التالي، أفقتُ على أصوات بعيدة تناديني بأن أنهض، وحين فتحتُ الباب كانت دهشتي بالغةً حين لم أر شيئاً سوى بياضٍ ناصعٍ يُبهر الأبصار فمنازل القرية مغطاة تماماً بالثلج، وبعض الأهالي يحاولون فتح سرداب صغير بين هذه التلال الثلجية لإنقاذي من الحصار، كان مستوى الثلج أعلى من سطوح المنازل، وقد خشع قلبي وبصري لهذه اللوحة الطبيعية المستحيلة، البيوت والمدرسة ومركز البريد، وأعمدة النور التي أصبحت مجرد أوتاد بعد أن غادرتها الكهرباء منذ زمن بعيد، كل شيء قد اختفى، ابتلعه الثلج، ولم يُنقِذ أهل البلدة سوى حوّامة عسكرية رمت أكياس الخبز والشاي الجاف وبعض المُعلّبات فوق منزل المختار، ثم غاصت في الغيوم الرمادية المنخفضة، ولم تَعُد.‏

في ذلك المساء، وقد اجتمعنا حول موقد الحطب في منزل مدير المدرسة، أعلن أستاذ التاريخ أن سالي الملكة غاضبةٌ جداً، وقد أَمَرتهُ أن يتعمَّد بماء نبع القرية لأن وقت عودتها قد حان لتمنحه شرف الحرية من منفاه؟!..‏

لقد كانت كلماته المرتجفة ممزوجة بإصرار غريب، ونظراته المتراقصة تؤكد اقتناعه بما يقول، لكننا وقد اعتدنا على أفكاره الرومانية تلك لم نُعر الأمر أهمّية بقدر ما أشفقنا عليه.‏

في صباح يوم الجمعة التالي، أيقظني آذن المدرسة باكراً، كان مُنفعلاً، وطلب مني أن أذهب إلى المدرسة فوراً، فالمدير يريدني، وعلى الرغم من أنه يوم عطلة، فقد ارتديت ملابسي وذهبت، كان جميع الأساتذة هناك، وأهل القرية، والمختار، وكانت المفاجأة حين طلب منا مدير المدرسة الذي بدا حزيناً، كئيباً، وكالح الوجه أن نتبعه، ثم سار بنا بين تلال الثلوج باتجاه أنقاض القصر الروماني هناك كان أستاذُ التاريخ طافياً فوق مياه النبع المُتجمِّدة، وكان عارياً....‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244