جريدة الاسبوع الادبي العدد 1101 تاريخ 3/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

موسيقى الحزن الأزرق ـــ طالب همَّاش

أشعلتُ سراجَ السهرةِ في صحنِ الدارْ‏

وعصرتُ على الأقداحِ دمَ العنقودْ‏

فلماذا يصمتُ في العشقِ غناءُ الغيتارْ؟‏

ولماذا يسكتُ في الحزنِ بكاءُ العودْ؟‏

الليلُ سكينةُ قلبٍ (سكرانٍ)‏

يتنزّلُ كمراثٍ بيضاءَ على صدري‏

والخمرةُ رائقةٌ، تترقرقُ نشوتها في الإبريقْ.‏

وأنا أقطرُ صمتي في حوجلةِ الحزنِ الزرقاءِ،‏

وماءَ عيوني في كوزِ الدمعِ الشفّافِ‏

وأنحلُّ بحزني في محبرةِ العتمةِ‏

كالأنبيقْ!‏

وأحدّقٌ من شبّاكِ العزلةِ في أنظارِ الناسِ الدامعةِ التحديقْ!‏

(أسياناً) بالحزنِ وصوتِ الأجراسِ المهموسِ‏

أصبُّ الغصّةَ من صدري في كوبِ يديَّ‏

فتشربها الريحُ..‏

وأبكي في الصمتِ المتعبِ رقّةَ روحي‏

وأكفكفُ كالباكي‏

سيلانَ الدمعةِ عن خدِّ صديقْ!‏

نفسي غارقةٌ في سرِّ الوحشةِ‏

تتألمُ فيها أوجاعُ (مواويلٍ)،‏

وتغطُّ يتامةُ أغنيةٍ في غصّتها،‏

وتطولُ قدودْ!‏

فلماذا يسكتُ في الليلِ بكاءُ العودْ؟‏

الآنَ سأغمضُ عينيَّ وأغفو‏

فوق حفيدِ الشجنِ البغداديِّ‏

وأستعطف ما فيه من البحّةِ‏

والآهةِ والرجفةِ والرعشةِ والأنّةِ...‏

أستعطفُ ترجيعَ الوترِ المُرخى‏

وأشدُّ على آلامِ الوترِ المشدودْ!‏

يا سلطانَ الحزنِ المرفوعِ كقلبِ العاشقِ‏

فوق ذراعيْ قمرٍ مذبوحْ!‏

رُشَّ الخمرَ على الأوتارِ‏

ورتّلْ بجميلِ الصوتِ!‏

لتسحرَ بالأصداءِ‏

سرائرَ هذا الموتِ المفدوحْ!‏

راحتكَ اليمنى عصفورٌ واليسرى كروانٌ‏

وبلابلُ أوتاركَ أجراسٌ سودْ..‏

وأصابعكَ العشرةُ تتدلّى فوق الدمعةِ كالعنقودْ!‏

وأنا المغسولُ بماءِ الصبحِ الأبيضِ‏

قلبي نافورةُ حبرٍ تبكي‏

وعيوني ذوبُ ثريّاتٍ‏

فوق مرايا البلّورِ المجروحْ!‏

فاشرحْ صدرَ شقيقِ مراثيكَ السهرانَ‏

بمعزوفةِ موسيقى!‏

موسيقاكَ غديرٌ يسقي بستانَ دموعي،‏

ويربُّ بماءِ الوردِ الروحْ!‏

موسيقاكَ شروقٌ يتقطّرُ كالعنبِ المخمورِ‏

على شفةِ الظمآنِ‏

وفجرٌ يشرقُ كالتفّاحةِ‏

والإشراقُ يفوحْ..‏

وشموسٌ تتشعشعُ ناعمةً تحت المطرِ العاطرِ‏

والرمّانُ على الأغصانِ جروحْ..‏

ما أصدى صوتكَ حين تغنّي‏

سكرانَ الصوتِ بأسبابِ عذابكَ في أسماعِ حزاناكَ‏

وتوقظُ في الليلِ الطاهرِ فردوساً من سكراتْ!‏

ما أصفاكَ وأنتَ تسوحُ عليلَ الأضداءِ على شطآنِ الغبطةِ‏

فترقّص سكّيراً تحتَ المطرِ الموحشِ‏

أو تحفرُ في جسدِ العودِ ضريحاً لغناءٍ ماتْ!‏

فترقرقْ كيفَ تشاء على موسيقى الحزنِ الأزرقِ‏

واغرقْ في سَكْرَةِ موسيقى‏

تتقطّرُ كالزنبقِ من غصنٍ الأمطارْ!‏

لا تتركْ قلبي يتأرجحُ كالمصباحِ المطفأ في صحنِ الدارْ!‏

فلقد ذابَ الصمتُ‏

وأبحرَ عقلي كشراعٍ أبيضَ في الليلِ‏

وصارتْ كأسي نهداً يتطلّعُ نحو القمرِ المولودْ!‏

فلماذا يسبحُ بالدمعِ غناءُ الغيتارْ؟‏

ولماذا يتجاوبُ مجروحاً صوتُ العودْ؟‏

يا سلطانَ العزلةِ املأْ طاسكَ من سكراتِ القديسينَ‏

وذُبْ ساعةَ حزنٍ في صوفيّةِ هذا الليلِ‏

المتلألئِ تحت جمالِ الله،‏

كمئذنةٍ في الأسحارْ!‏

ذُبْ كالراهبِ في بركةِ ضوءٍ ورديٍّ‏

وادفنْ سرّكَ في بئرِ الأسرارْ!‏

فدروبُ الصبحِ قناديلٌ تتدحرجُ فوق حجابِ الدنيا البيضاءِ‏

وبعد قليلٍ تصبحُ روحكَ قبّرةً‏

تقرعُ بابَ الجنّةِ‏

وتدوزنُ بالزقزةِ الأنهارْ.‏

فاسرحْ بخيالكَ في هدأةِ موسيقى..‏

كم صمتكَ في الصمتِ جميلٌ،‏

ورقيقُ الآسِ..‏

أأنتَ من الروحِ بحيث تشفُّ حزيناً‏

كسراجِ البلّورِ‏

فتسكرُ مما فيكَ شفاهُ الكاسْ؟‏

أم أنتَ من الرقّةِ والعطفِ‏

بحيث تذوبُ بعينيكَ دموعُ الناسْ؟‏

نامَ الكونُ وغابتْ في الغيبوبةِ روحُ المرأةِ‏

والنشوةُ تتغلغلُ في الجسدِ العاشقِ كالأمواسْ..‏

لكنّي مازلتُ أراكَ بعيداً،‏

منحنياً فوقَ أنينِ المعزفِ‏

كملاكٍ يبكي فوقَ النعشِ،‏

كمحتضرٍ يشربُ ماءَ مغيبِ الشمسِ‏

وينثرُ فوق أغانيهِ الميتةِ‏

إكليلَ ورودْ.‏

إصح قليلاً‏

ليرفرفَ طيرُ النشوةِ‏

بين قلوبِ السهرانينَ،‏

وينشقَّ عن الغسقِ النورانيّ‏

صياحُ ديوكِ الفجر على الأسوارْ!‏

ويصير إلى أجنحةٍ وفراشاتٍ هذا الجسدُ الدودْ.‏

هطلتْ غيمةُ صيفٍ في باصرتي‏

فانسابَ شرابُ اللوزِ رضيعاً من صدري‏

وتلامعَ قزحٌ أخضرُ في صحنِ الدارْ!‏

فلماذا يسكتُ عن هذا السحرِ صداحُ العودْ؟‏

ويغمُّ جريحاً ترجيعُ الغيتارْ؟‏

فالليلُ رقيقُ المرآى‏

والخمرةُ رائقةٌ في الإبريقْ!‏

مسَّ شغافي السكرُ‏

فأقمرَ قلبي كهلالٍ في الليلِ‏

وشقّتْ عينايَ إلى فردوسِ الفجرِ طريقْ!‏

لكنَّ المرأةَ لم تأتِ بكاملِ شهوتها‏

لتصفّرَ في القدحِ الصامتِ‏

أنغامَ أنوثتها،‏

ونباشرَ بالشربِ التحليقْ.‏

فالليلُ مليءٌ بالبحرِ وريحِ النشوةِ‏

والأفقُ المفتوحُ على الغامضِ‏

يغري بالإبحارْ.‏

إشتعلَ الليلُ ضياءَ قزحيّاً‏

وروائحُ أزهارِ الليمونِ الريّا‏

تتلألأُ كالأثداءِ‏

وتوقظُ كوناً من أسرارْ.‏

ما أبهجَ أن يخضوضرَ هذا الصمتُ الربّانيُّ رنيناً‏

ويصيرَ هواءُ الأشجار رحيقاً،‏

وأنا ينبوعاً يتشهّى العنبَ الأحمرَ في النهدينِ‏

ويرضعُ تحتَ الأشجارْ!‏

ما أبهجَ أن يغدو الإبريقُ كناريّاً بين غصونِ اللوزِ يُدارْ!‏

فلماذا تثلجُ دمعاً أوتارُ الغيتارْ؟‏

يا صاحبةَ الصوتِ الأندلسيِّ‏

على شباكي تتناثرُ كفراشاتِ الوردِ‏

أصابيعُ الثلجِ‏

فتبيضُّ جدائلُ داليةٍ‏

ويشيخُ الزيتون!‏

من أي سماءٍ يتحلّبُ هذا الماءُ الماطرُ،‏

من أيّ فضاءٍ أزرقَ ينحلُّ على الروحِ سكونُ؟‏

يا خمسَ سنابلَ من خصلٍ شقراءَ‏

ترشُّ الضوءَ على وجهي المكسورْ!‏

يا سربَ حساسينَ ينقّرُ صدري‏

فتدورُ مع اللحنِ رحى الحزنِ الإيقاعيِّ‏

وتطحنُ ذراتِ البلورْ‏

عيناكِ قطاتانِ تغطّانِ على غصنِ دموعٍ‏

ويداكِ كماناتٌ وسنونو...‏

فدعيها توقظُ رجعَ النهوندِ المعجونِ بحزنِ العشّاقِ‏

لترقصَ روحانا كجناحينِ على المعزفِ‏

فشحاريرُ الليلِ سهارى‏

والأرواحُ سكارى‏

تتمشّى تحت شجيراتِ الفردوسِ‏

وقد ذابَ العاشقُ في رؤيا المحبوبْ!‏

والسحرُ بهذا الليلِ جمالٌ مصلوبْ!‏

فأريحي الروحَ بأغنيةٍ‏

تجعلُ أوجاعَ العاشقِ‏

تتدفقُ كالوردِ الأحمرِ من جرحِ كمانْ...‏

تجعلُ راهبةَ الصفصافِ الثكلى‏

تتباكى لذبولِ أخيها الرمّانْ!‏

تجعلُ من صرخةِ حبٍّ يائسةٍ‏

كرواناً يتزوّجُ في الصبحِ الباكرِ كلَّ حماماتِ البستانْ.‏

* * * ‏

رحلَ الصاحبُ والمرأةُ ذابتْ كالشمعةِ‏

في الكأسِ‏

وظلّتْ تتجاوبُ أصداءُ الغيتارْ‏

كنوافيرٍ سكرى في صحنِ الدارْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244