جريدة الاسبوع الادبي العدد 1101 تاريخ 3/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الفنان سعديكن وملحمة الشكل واللون ـــ جمال العباس

.. وأنت قادم لحضور حفل افتتاح معرض الفنان المصور/ سعد يكن في صالة (الآرت هوس) في المزة إلى الشمال من مشفى المواساة، خلف مشفى الأطفال، تسلك ـ بانحدار ـ طريقاً رصف ببلاط البازلت، يصلك إلى مبنى تجانس فيه القديم والحديث بنكهة التعتيق ليحاكي جانباً من تاريخ قد نشتم من خشبه وحجره وحديده رائحة أنبيذ عرف صانعوه كيف يتقنون...‏

في رحاب المبنى نطل من عل على صالة العرض، للوهلة الأولى، تبدو لك الأعمال وكأنك تحلق في سماء أو تقف أمام بحر تستقبلك زرقتها.‏

في تجوالك والتأمل مقصدك تتراءى أمامك صور متداخلة تستنهضك وتدفع بك ـ دون أن تدري ـ إلى تراكمات استقرت في مخزوك الفكري.. تارة أنت أمام بحر حطت على شطآنه النوارس، وتارة أخرى أمام صور لأوراق اللعب وفي الأشخاص تجمعات لمخلوقات جاءت من كوكب آخر وحطت رحالها لتصيغ حدثاً وتقرر موقفاً.. وبين هذا وذاك يخطرك ـ بلمحة خاطفة ـ بيكاسو في بعض وجوهه.. مشاعر عديدة وصور متدفقة تهاجمك وتحاصرك.‏

وفي الحالة ذاتها تجد نفسك وقد اغتسلت من كل ما تراءى لك، وتصالحت مع الذات والمُواجهْ لها في حوار راحت فيه اللوحة تفرض وجودها وترسل أنفاسها وطروحاتها بالدفع الذاتي وحقائق الحضور ومبرراته في الشكل وحراكه البصري والمضمون ومؤثراته.‏

ونحن الآن أمام لوحات جدارية ملأت مكانها بأريحية وفرتها فضاءات القاعة بالسعة والتاريخ، فالمشهد بانورامي بامتياز، فيه اللوحة وجبة كاملة ودسمة بمفرداتها المتعددة سواء بالهيئات الحية ومفارقات وجوهها أو بالمسطحات الزخرفية، بل حتى بتوشيحات الأبيض وانعكاساته على شفافية وعفوية المساحة والكتلة والمحصلة إشراقات ضوئية تعلن عن نفسها في عالم نعيشه أو نتخيله.‏

وقد نذهب مع البعض في قراءة مدهشة بتأثير سماوية الأزرق وتمدداته، ورقة اللون أو كثافته الذي يكسو الهيئات الحية على اختلاف تشبيهاتها وعلاقتها بالمكان، بالتفرد أو التشابك... مباشرة أو إيحاءً إلى الإقرار بعالم انفلت من جاذبية الأرض.. يدور حول نفسه ويسبح في فضاء الحلم والأسطورة... إن هذه القراءة لا تنفي أساساً مكونات استمدت نواتها من مزاولات حياتية كالجنس وحالات الغواية والشهوة بالخفاء أو التلميح، بمعنى أن الفنان تناول الموجود بحسه الواقعي وثقافته بالسير الشعبية التي تجنح إلى الخيال الحالم تحرراً من حصار الكبت والحرمان.‏

.. إنه الحوار التصادمي الذي يفرض نفسه بين ذات وذات أخرى أو بين ذات وداخلها مولداً حراكاً يبحث عما يمكن أن يبوح به.‏

على أي حال المشهد الذي يواجهنا يشعرنا ـ مباشرة ـ بجمالية الاصطفاء اللوني تدرجاً وإضافة، على الرغم من زحام تشكيلات العناصر وتعدد أنساق ظهورها، وما يلحق بها من منمنمات وهندسيات، وكذلك يشعرنا بقدرة ومهارة الفنان في استيعاب أحداثه واستنطاقها داخل وخارج أبعادها على الرغم من ضخامة العمل ومتطلبات منظور الرؤية إليه.‏

إنك تحتاج ـ في هذه الحالة ـ إلى رؤية عامة وأخرى مفصلة ومدققة، وبالرؤيتين تخال أن الأشكال قد خرجت عن ثباتها وتحولت إلى جملة من الانشطارات المتمورة، تحلق في مدارات أخرى، وبمعطيات مغايرة تذكر بالكوميديا الإلهية لدانتي أو رسالة الغفران للمعري والتذكر هنا ليس من خلال تراكمات شكلية استدعتها واجهة العمل في لونه وشكله وإنما في الحامل الوظيفي الذي تتكشف معالمه كلما حصل الاختراق وصار العمق المجال الحيوي لقراءة العمل.‏

سلسلة من الحوارات والمواجهات والرغبات والأحلام والتطلعات بين مخلوقات آدمية وغرائبية... بين حكايات تنشد الواقع وأخرى تنغمس في حضن الأسطورة.‏

واقع رسم تجليات الحقائق دون إسفاف، وأسطورة مفعمة بالعجائب المتزاحمة.. وبين الواقع والأسطورة راحت مؤثرات الحلم تبني عالماً قد نستشعره في أي مكان، لكن الشرق يبقى موطنه وقلب تواجده، ومسرح تفاعله حيث الليلة فيه بألف ليلة وليلة.‏

نجح سعد يكن بامتياز حينما جاء بألوانه المميزة بمهارة التركيب وتقانة التوظيف وخاصية الشحنة فيها ضمن تجربة لونية طويلة لا تقل بأهميتها عن شخوصه التي عُرف بها على مدار عقود عديدة، وصارت نهجاً راسخاً في رسم الشكل وأنفاسه التعبيرية، بتجربة لا تشبه إلا نفسها، نجح في استيعاب الهاجس الفكري الذي يشغله والرسالة التي يود إيصالها منطلقاً من ثقافة معرفية وبصرية بالمكان وخصائصه التاريخية والجغرافية والنفسية، وكذلك إنتاجاته الفكرية من مؤلفات وحكايات حمل نوازع النفس بوقائع معاشة أو بتصورات لعب الخيال بنسجها بألسنة آدمية أو حيوانية.. لذا جاءت لوحته ممهورة بأريج الشرق وعطوره وبخوره فأحسن في توزيع عناصره بالشكل واللون، وخلق توافقاً متحركاً بتعدد الخامة اللونية وانعكاساتها البصرية على الهيئة العامة للوحة، تأسرنا بترتيب أنساقها بالقرب والبعد وبتفاصيلها ومنمنماتها وقوة مؤثراتها التعبيرية، وفجرها المتجدد دوماً بشروقه..‏

تجربة غنية بزخم اللون ودسامته، وقوة الموضوع وغوايته.. بالاستيعاب والطرح وقوة التاثير.‏

إنك تغادر المكان ولا تغادرك مؤثرات ما رأيت حقاً المشهد مثير، تلاحقك صوره أينما حللت سعد يكن الفنان المصور ـ الحلبي ـ المعروف بشدة الانتماء للعائلات اللونية الخاصة، والشخصيات التي تحمل أختامها، مسكون بالأرض والإنسان، اندفع بهويته اللونية والشكلية ليصيغ إحدى الملاحم الشعبية متفرداً ببنائية مدروسة وتعشيق لوني فيه الأزرق ورمادياته والأحمر وبنفسجياته، والأبيض وتوشيحاته بتقارب الأشخاص وابتعادها، بملحقاتها وتعبيراتها.. بنحتها وتصويرها.. هادئة.. مستسلمة، ثائرة، شبقة، متوثبة، طائرة... الخ.‏

في الأرض لها فجرها وفي السماء لها فضاؤها ورحلاتها.‏

إننا أمام ملحمة الشكل واللون بتعبيرية لماحة بعفويتها، ونقاوة موسيقاها في تقديم الحدث ومشوقاته..‏

أعماله حكاية موثقة أبدع فيها وجعلنا جزءاً منها لا شاهداً عليها...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244