|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الريّس ـــ مي محمود محمد وحدة، نفس سريالي، يغيب ويعود، وذاكرة ملح أغبر. البحر العميق الامتداد يطمس خط النهاية، ويرتفع. القارب المتصدع المخمور يتهادى، وفي جوفه جلس عجوزاً، ترابي العينين والذاكرة. شمس الظهيرة تلهب نفسه، فينحني كورقة في عصر يوم تموزي. الشاطئ يبتعد، أو ربما العكس لن يستطيع التخمين وسط الزرقة. لن يستطيع تحديد موقعه، لن يستطيع النظر حوله، لن يجرؤ على النظر حوله. إذاً هو تائه؟!.. لا، ليس تائهاً، ولن يكون. ريس المينا شيخ الصيادين ويتوه!! كم سيقهقه الآخرون لو سمعوا ذلك. إنه فقط في عرض البحر، دون اتجاه ودون مؤونة لكنه ليس تائهاً يمضي الوقت بليداً ثقيلاً، الثواني تنخر الذاكرة الفوضى. اللون الطليق الامتداد يرهق بصره فيغمض عينيه ويغيب بين رموز رؤاه الترابية. الشاطئ وخط الأفق المرسوم حافة العالم ((فيروز)) وقهوة المينا ترتفعان معاً والبحر مستسلم كجسد امرأة. لا شيء يدفعه للتراجع، فلذة الخوض في ذلك الجسد تغويه. ((يلا يا ريس)) //يلا// ترتفع الصرخات يختلط الغناء بالقهقهة بجلبة القوارب ورجال الريس دوامة من التناقضات تبتلع المكان إلى أن يبتعد الحشد. يعود الهدوء ويعرش صوت فيروز من جديد. الريس يحب رجاله لا بل يعشقهم. لكنه في لحظات كهذه يحب أن يكون وحده يكتشف معالم بحره الصباحية، ويتحسس تقلباته ويمعن الحديث بأسراب الأفكار التي انتابته مذ تركه مساءً. البحر يحب الريس لم يخذله، وسيرد الريس الجميل، وسيكون يوماً وحيداً، يشق للبحر شرنقة النهار (لن يعتلي قوامك غيري. اليوم سأكون ضيفك وتكون عكاز دربي). هجس الريس للبحر، وصباح آخر للتمني يقترب هو اليوم إذاً وهو الآن في عرض البحر، تائهاً لا يهم، فجميع الأفكار نحو التفاؤل لن ينفعه، وادعائه معرفة الدرب ولو بعد أمد لن يطفئ غيظة. تمر الساعات على عربات هشة التكوين، تهرس تأملات العجوز فيتداعى صبر البحار فيه. هو ولا شك، في عرض البحر بلا اتجاه بلا مؤونة هو لا شك تائه. ـ 2 ـ مضى يومان نجوم الليل الطويلة لم ترسم دربه، ولم تزده إلا تخبطاً وأرقاً. الإنهاك يتسرب رويداً رويداً إلى مفاصله، إلى كل ذكرى وأمنية. يومان سحباه وقاربه إلى زرقة ومعالم نهاية جديدتين. هو بلا مؤونة، صحيح، ولكنَّ مستودعاً أبدياً يرزح تحت قدميه. فكر في اصطياد شيء، جهز الصنارة والخطاف وبيدين راعشتين جهز ((الطعم))، صرخ وكبحه الصوت المتآكل، حتى صوته لم يعد صوت الريس. تتشابك الإيقاعات، أفكار بيضاء تمشي بين هواجسه، وتنفلت بلا معنى رائحة اعتذار. هي النهاية إذاً لاشك. انتفض الخيط اضطرب سطح الماء ضمن دائرة صغيرة فهجس التبعثر بالقادم، صحبها بخفة الخبير وأدناها من حافة القارب التمع غلافها المصقول، وهي تتلوى وتتمطى بين راحتيه كانت كافية لجعله يصمد ليوم آخر. ربما. رعشة تقاسمتها شفتاه مررها رأسه ِإلى أقصى الجسد، وغارت العينان الترابيتان. ليس إلا تلك السكين الملقاة بقربه ما لدغه؟ ليس إلا نصلها الفائر في الدم ما عصف به.؟ تأمل ساعده وحملق بتلك الفجوة العارية العبثية التوضع. خيط من الدم ما زال ينحت ذكرى المكان. ودوار مجهول الهدف حمله واحتضنه من بعد ما تهدج تعب فضفاض وعلت فوق خطواته تمتمات صرخات، صدى. لمح درباً يتوضح شيئاً فشيئاً وكومة حكايات تحولت حشد بحارة. ((يلا يا ريس يلا)). وعلت الظلال وصوت فيروز والجسد الندي ينتظر يديه وأنفاسه عبرته تلك الأفكار. وانطفأت. . نظر حوله ووحده فعل ((كنت الطعم لنفسي)) هجس وقذف بصيده إلى عمق البحر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |