جريدة الاسبوع الادبي العدد 1101 تاريخ 3/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

النصّ الكاتب والنصّ المكتوب!! ـــ عصام خليل

متى يستقيل الكاتب من الكتابة؟ باغتني السؤال! فكّرتُ في بواعثه ودواعيه، مستغرباً كيف تكون الكتابة مهنةً، أو وظيفةً رسميّةً، يستقيل العاملون فيها؟! لكنني وجدتُ في الواقع الثقافي ما يستدعيه!‏

فهناك نوعان من الكتّاب. الأول: مستقيلٌ وهو على رأس كتابته! على الرغم من أنه يمطر القرّاء العزّل بإبداعاته المتواصلة، لأن الكتابة ـ بالنسبة إليه ـ عملٌ آليٌّ، مؤسس على شيء من الموهبة ـ لا شك ـ لكنه يتواصل بفعل المران والدربة، وتحت وطأة الإحساس بوجوب الكتابة، بصرف النظر عن قدرة ما يكتبه على التأثير في نفوس وأحاسيس الآخرين؛ فالكتابة عمل ينبغي أن ينجز! وكمية من الإنتاج تضخّ في السّوق، لتجاور غيرها من السّلع الكاسدة، والمخصّصة للغبار، والتي ستؤول إلى الموت مهما كان زخرفها جذّاباً، وأسلوب عرضها باعثاً على الشراء، وهي ستموت ـ حتماًـ بمجرّد توقف كاتبها عن استهلاك الأكسجين.‏

والثاني: لا يستقيل، وليس بوسعه الاستقالة، لأن الكتابة بالنسبة إليه جرح متواصل، يتدفّق بمقدار ما يعانيه، ويشتعل في روحه من غضب، وفرح، وحزن، وحنان؛ وقد يكون الجمر أقسى من قدرته على الاحتراق، فيصمت حتى يرمّم خلايا عمره، ويعيد سكب الموج في هدوء البحار.‏

الكاتب الذي يستخدم مفردات الروح، وحبر الأعصاب لا يستقيل، ولا يكفُّ عن الكتابة إلاّ عندما يكفُّ عن الموت! فحياته القصيرة موت طويل متواصل، لكنه لا يطلق إلا الصراخ العالق في أسماع الأفق، وصرخته لا تنتهي عندما يردُّ على أكتافه شراشف العشب. الكاتب الحقيقي تبقى كتاباته ملتزمةً دوامها الرسميّ، فلا تُحال على التقاعد، وتظل كالحديقة العامة مفتوحةً لكل راغب في الخضرة، وكالسّماء المخاتلة، يمدُّ الأطفال أصابعهم لإمساكها، ولكنهم يقرّرون إبقائها في مكانها، عندما تعجز أصابعهم العابثة عن قطف نجومها.‏

الاستقالة أو عدم الاستقالة من الكتابة يقررها الإيمان! عندما يؤمن الكاتب بنفسه، وبموهبته، وبأن موته لا يعني موت كتابته، فإنه يقسو على نصوصهِ، ويعمل على تربيتها كما يربّي أولاده، لتكون ذريّةً صالحة، تحوّله من جسدٍ ذابلٍ إلى ذاكرة متفتّحة؛ وعندما يفتقد الإيمان، فإنه يحوّل كتاباته إلى ثرثرة يكرّر فيها أقاويله وحكاياته، ولا يكترث بأولاده إذا تسرّبت إلى وجوههم ملامح رجالٍ آخرين!!‏

الكاتب الحقيقيّ يكتبه النصّ ولا يكتب النصّ؛ ترجُّه المفردات، تجتاحه الأفكار مثل الرّيح الغاضبة، وفي كل عصفٍ، تقتطع من روحه سهوباً جديدةً لخيولها البريّة السّائبة.‏

عندما يكون النصّ كاتباً فهو لا يستقيل، وعندما يكون النصّ مكتوباً، فإنه يمارس ـ في اللغة ـ نوعاً من البطالة المقنّعة!!‏

النصّ الكاتب يضيف إلى الحياة، والنص المكتوب عبءٌ عليها!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244