جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

السادس من ‏أيار‏‏ ‏اليوم الأرقى ـــ أ.د.حسين جمعة

يحق للموقف الأبي أن يقف في ساحة الشرف كل عام ليقدم نفسه بحلَّة من المجد والعزة؛ لأنه يحق له ما لايحق لغيره... يحق للحرية أن يكون تاجها وبهاؤها تضحية أولئك الأحرار النبلاء الذين تخطوا عتبات التصنيف بين البشر... فمن منا يمر به السادس من أيار دون أن يحني رأسه إجلالاً للشهداء "أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر"؟.‏

هذا اليوم يعد أحد الأيام الأرقى والأعظم والأجمل في حياة أمة ران عليها العجز والإحباط والجهل والتردد زمناً طويلاً... يوم السادس من أيار ليس كتلك الأيام التي تمر بنا فهو الترنيمة المقدسة التي تتردد على الشفاه بسلاسة وعذوبة وفخار واعتزاز، وقوة وعظمة... إنه السيف الشامي الرقيق والحاد الذي فَصَل بين التقدم والتخلف، بين التحرر والقيد...‏

من هنا يمدّ أبناء الأمة عيونهم إلى هذا اليوم كل عام باعتباره يوم خيار مفكري الأمة في تبني ثقافة المقاومة والاستشهاد، تبني المواجهة الجادة لكل أشكال الجمود والتخلف، والعجز والظلم والقهر، وكسر قيد الأسر للانطلاق إلى رحابة الحياة الحرة الكريمة... فهو الأساس الذي انطلقت منه الأمة إلى الوحدة والتضامن في مواجهة الاستبداد والظلم في سورية ولبنان حين تزامنت أعواد المشانق في ساحتي (دمشق وبيروت) عام (1916م) فالشعب العربي ـ آنذاك ـ لم يحتج إلى مراجعة شاملة، وحسابات توافقية تقوم على المساومة والمناورة من أجل مصلحة دنيوية... وإنما خرج متضامناً جريئاً ليعلن مبدأ التضحية والفداء في سبيل الوطن؛ إنه المبدأ الذي أصّله في روح الحياة، والضمير شهداء السادس من أيار في ضمير الوجدان والتاريخ...‏

فهم الذين قدّموا للناس القدوة الحسنة لمحاربة كل أشكال الاحتلال حين انحازوا إلى الوطن ومبادئ الخير والحق، وفق تعاليم الرسالات السماوية فاستحقوا الخلود الأبدي في الدنيا والآخرة، مصداقاً لقوله تعالى: " ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرْزقون"... فأينما نظرت اليوم في دروب النضال الوطني والقومي من أجل التحرر وجدت شهادة البراءة التي صنعها الشهداء تتجلى مقاومة شرعية لكل أنماط الفتن العرقية والطائفية والمذهبية، والتفتيت المنظم، والتدمير الوحشي والقتل المنهجي الذي يُمارسه الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وجيش الاحتلال الأمريكي في العراق الشقيق.‏

فالشهادة روح إيمانية ميثاقية بين الإنسان والقيم النبيلة السامية، بين المواطن والوطن؛ بين المجد والخلود، ومن الصعب أن يرتقي إليه أحد إلا إذا ارتقى في مصافي الدرجات العُلَى من السمو والرفعة، والنقاء والصدق، والوفاء والإخلاص، والجرأة والشجاعة، والإيثار للآخر على النفس... تلك هي القيم التي يتصف بها الشهيد بعد أن طرد الخوف والقلق والتردد والاضطراب والعجز والأثرة...‏

ومن يردد النظر في مغزى السادس من أيار يدرك أنه قد غدا رمزاً أصيلاً في حياة الأمة لدروس وعِبَرٍ على مختلف الصُّعد والمستويات؛ على الصعيد الوطني والقومي، الموضوعي والذاتي؛ وعلى المستوى الرسمي والشعبي، والسياسي والاجتماعي، والثقافي والأخلاقي، والديني والتربوي...‏

فهو يوم تحديد المصير؛ والانحياز إلى خيارات الوحدة والتحرر والنهوض والارتقاء، واصطفاء الأداء الأرقى في السلوك والفعل، إنه اختيار حُرّ ومسؤول لثقافة المقاومة والفداء... فهل يمكن لأمة تعاني ما تعانيه من صلف الاحتلال الصهيوني، وجبروت الاستكبار الأمريكي للهيمنة على مقدرات أبنائها وأوطانها أن تتنازل عن معاني الشرف والكرامة والحصانة التي قدمها لهم هذا اليوم؟!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244