|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ما يصلنا متأخراً ـــ زهير جبور لم أجد وسيلة تخلصني من (مخطتي) وهي تنسال لا إرادياً من أنفي، سواء كنت بحالتي الطبيعية أو المرضية، على هذه الحالة بقيت عدة سنوات أتلقى صفعات أمي، تنهرني، تغضب، وبسبب جهلها – رحمها الله- كانت لا تعرف إرشادي للحل، ذكرني بهذا طفلة لم تتجاوز من العمر خمس سنوات، رأيتها في أحد المطاعم إلى جانب والدتها تأكل، أثارت انتباهي بطريقة تناولها الطعام، بيدها شوكة، بالأخرى سكين، تمضغ بهدوء، تنظف فمها بين برهة وأخرى بمناديل الورق، غير مكترثة بمن حولها، تتصرف بثقة، شدتني لباقة حركتها، أعادت تفكيري للوراء، لو تعلمون كم أعشق هذا الوراء بما فيه (المخطة) التي أزلتها -ليس بفضل أمي- بل بخبرة الحياة وهي تجرني من عامل في خان، إلى بائع لأوراق اليانصيب، ومن ثم (البوظة) أحمل الصندوق الصغير الذي يحافظ على برودتها، أمضي بالأحياء صارخاً (آسكا.. آسكا) هكذا كانوا يطلقون عليها، وقد يكون الاسم مشتقاً من صقيعها، فتحت عيناي على خبرة ما كنت حصلت عليها لولا مرارة الفقر- الذي أعتز به الآن بكبرياء- وكنا في ذاك الوراء نشتري أوقية لحمة مفرومة (رأس عصفور) ونطبخ مرق البطاطا بمعدل خمسة كيلو غرام للوجبة الواحدة، إلى جانبها أكبر مقاس لطنجرة البرغل والعدس - هي اليوم أكلة برجوازية كلفتها مع السلطات والمقبلات الأخرى تصل إلى حد الألفين ليرة سورية في بيوت السادة المدعومين الذين يشتهونها في السنة مرة على أساس أنهم حافظوا على الجذر القديم- حافظوا كثيراً جنبهم الله شر العين الحاسدة- وفي أيام الوراء كانت هذه الأكلة لا تتجاوز قيمتها ليرة سورية واحدة حسب التفصيل الآتي ( 30 ق ثمن اللحمة- 60 ق للبطاطا- والباقي للمواد الأخرى) كنا ننقض أولاً على قطع اللحمة فتزول بثوان، تليها البطاطا ليظل أمامنا المرق، ولا داعي بعدها لغسيل الأدوات فكلها ممسوحة، وكان أسلوبنا بحد ذاته يبعث على الشهية، رؤوس متقاربة، ملاعق صاعدة هابطة كأن (الديزل) يدفع أيدينا بحركة سريعة، نشطة، الكل يلتهم، يملأ بطنه، مع كميات من خبز الصاج تحضرها الوالدة صباحاً، فتختفي مساء لا أثر لها، وأذكر من الوراء أيضاً أنني أكلت (الفلافل) في الخامسة عشر، (الكباب) بالسادسة عشر، حصل ذلك بالمصادفة، ودهشت كيف لهذا اللحم أن يتحول إلى ما يشبه القضبان. نسيت الأصدقاء الذين يثرثرون، وأنا غارق بتأمل الفتاة تساءلت هل تعرف هذه الصغيرة (المخطة) والدودوة الوحيدة التي سكنت أمعائي سنوات طوال؟ ما هي الألعاب التي تقتنيها؟ دون شك هي تتقن تشغيل (الكمبيوتر) تلعب به أو معه، وأهم ألعابي في الوراء كانت علب السردين الفارغة، أربطها ببعضها وأملؤها بالتراب لأجرها خلفي، يا إلهي ما المتعة التي كانت تحققها تلك اللعبة، حين كبرت قليلاً لعبت ب(الدحل) وبعد جولتي مع الحياة بقسوتها غدوت لاعباً فيها، ولم يمنحني العمر فرصة أن أمسح فمي بمناديل الورق إلا في وقت متأخر، فيما ولدي اليوم ينفق كمية لا بأس بها، ليس لفمه أو يديه، بل للحمام، يا إلهي ما معنى أننا أمضينا طفولة القصبة نضعها بين قد مينا على أنها الحصان، وهؤلاء يخلقون ومقود (الليكزس) بين يديهم. تغير الزمان، اختلفت المعايير، ومن يقول أننا لم نتطور! وما دمنا هكذا فلماذا لم يترافق تطورنا مع ثقافتنا؟ أم أن الثقافة الاجتماعية مقتصرة على أولاد الأثرياء، وما هم هكذا، استيقظت من تأملي حين برزت الصور المتلاحقة لأطفال حاويات القمامة وشارات المرور حين يهرعون لمسح بلور السيارات، المحرومين من الحليب، البطاطا، الفراريج، تحسست جسدي كأنني أفتش عن شيء ما افتقدته بين خلاياي، وكان للوراء نكهة وخصوصية، وكنت قد تنبهت لما استقطعه الزمن من طفولتي وصباي، ورنت في أذني صفعات والدي وتوبيخه ( يا قليل الأدب) وبسبب ذلك اتجهت صوب الأدب، هل تراني الآن كثيره؟ ما معنى ذلك إذا ما رأيت الدنيا من حولنا مقلوبة، وكيف أفسر لك إن نظرياتكم البالية قد أتلفت جميعها، ومناديلكم القماشية البيضاء قد حل مكانها ما يسمونه الآن صناعات تحويلية، وأن بيضة أيامكم البلدية كان ثمنها نصف فرنك، أصبحت مصنعة بعشر ليرات، سأخبرك أن الفرنك. نصفه. المائة. الخمسمائة. الألف. كلها مجتمعة لن تكفيك لوجبة واحدة، ابق في قبرك وأدع أن توفق الحكومة بضبط الأسعار، فالمازوت يا والدي أصبح بالبطاقات، والعيش بالحقن. الصغيرة تأكل بهدوء، ما حولها لا يعنيها، أتأملها، وقد بدأت تسخر مني، مرددة بداخلها: كل يا غبي فمن راقب الناس مات هماً، كل يا .... ولا تضيع وقتك بالوراء السخيف الذي تسترجعه الآن، كان من الأجدر لو بقيت (المخطة) على وجهك لأنك ستكون غير مؤهل للدخول إلى مثل هذا المطعم أيها المثقف، المتطفل على حياة الآخرين، أنت. مؤلفاتك. نظرياتك. لا تثير انتباهي، ولن أعيرك أي اهتمام، لأنك الوهم، وأنا الحقيقة، عرفت بطفولتك الجوع والحرمان، وبفضل والدي ها أنا أدخل الحياة من أوسع أبوابها، لأقذفك من أضيقها، حيث منفذ (الصرصار) المنهزم، متأثراً بالفتاك العجيب (بف باف) ليموت في الشارع محاذياً للفوهة المطرية. كنت أهز رأسي مبتسماً لغبائي المزمن، شعرت أن (المخطة) بقيت محافظة على مكانها القديم. ملاحظة: ليس المقصود دعاية ل (بف باف) فقد صنع ما يشبهه خاص بالبشر، لإنهائهم، نفساً وليس جسداً، وثمة من يبخه كل يوم دون أن نراه، نحس به، لكنه يصلنا متأخراً جداً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |