جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في الذكرى السنوية لرحيله ـــ عبد الوهاب زيتون

القائد الخالد حافظ الأسد.. وقفات عزٍّ وكرامة!‏

كثيرة هي تلك المواقف التي يُسجِّلُها التاريخ بشموخ وكبرياء للقائد الخالد حافظ الأسد، في زمنٍ كثر فيه المتخاذلون والمستسلمون.. من تلك المواقف نذكر:‏

1ـ رفضه القاطع للهزيمة والاستسلام، مهما قست الظروف وجارت الأيام وضاقت ظروف العرب، وقد أعلنها في مناسبات كثيرة بقوله: [إنّ معركة نخسرها أو نكسة أو نكسات نُصَابُ بها لا تُقَرِّرُ نهاية الصراع، ولا تُقَرِّرُ هزيمةَ الحقِّ بل يمكن أن تكون الحافز الذي تنبثق منه الجولة الحاسمة التي تقرر انتصار الحق..].‏

لا يجوز لأيٍّ كان، مهما كان موقعه أن يُوِّرثَ الأجيال القادمة هزيمةً ممهورة بصكوك الاستسلام إذا كنَّا لا نستطيع تحقيق النصر والتحرير اليوم؟ فلا يجوز بأي شكل من الأشكال أن نصنع هزيمتنا بأنفسنا.. لماذا قِصَرُ النفس؟ لماذا هذه السرعة في فرض الهزيمة على أنفسنا؟ لسنا في عجلةٍ من أمرنا، فلنترك، وليتركوا الأمر للمستقبل، وللأجيال القادمة..‏

لن نورث أجيالنا القادمة ذلاً ومهانة، بل سنورثهم عزة وكبرياء وكرامة].‏

2 ـ اعتماده نهج المقاومة طريقاً أكيداً لاستعادة الحقوق وحفظ الكرامة.. لقد خاطب قوافل المناضلين المقاومين بقوله: [هذا هو الطريق الحق، فأكملوا طريقكم ولا تصغوا إلى كلام يائس أو وشوشة مهزومٍ، أو صرير مستسلم.. لا يخدعنكم أيها الشباب في أرض فلسطين ما تسمعونه عن السلام؛ وعملية السلام.. فأمريكا وإسرائيل ليستا من دعاته ولا من بُناته، وما تريده أمريكا من كل تحرك ـ باسم السلام ـ هو فرض إرادتها على العالم، وفرض الموافقة العربية على مسخ حقوقكم، وشطب دوركم من الخارطة التاريخية والنضالية العربية، وهذا لن يحصل أبداً.. لأننا معكم، مع أنفسنا، مع تاريخنا وجغرافيتنا.. إن القمع الوحشي لا يؤيد واقعاً يقوم على باطل، وتكسير العظام لا يهدم معنويات الشعب المصمم على نيل حقوقه؛ فالحق هو الأقوى، والحق الذي يدافع عنه أصحابه هو المنتصر]..‏

وكان القائد الخالد حافظ الأسد قارئاً حكيماً للتاريخ، عالماً خبيراً في صناعة أبجدية التاريخ، مذكراً بدروس التاريخ، وعلى العرب اليوم قياس واقعهم بواقع أجدادهم وأسلافهم.‏

وقد واجهت أمتنا مثل ذلك في حملات المغول والتتار والفرنجة، وأقسى مما تواجه مثله اليوم في حملات مغول جدد، وفرنجة جدد:‏

[هذه شواهد التاريخ حية أمامنا، منها القريب ومنها البعيد، تصرخ أمامنا وتنادينا قائلةً: إنها براهين ساطعة فاقتدوا بها.. بلادنا حاصرتها جيوش الصليبية الأوروبية بقيادة كافة ملوك وزعماء أوروبة آنذاك.. فأين الصعوبة اليوم من مواجهة إسرائيل، من الصعوبة في مواجهة أوروبة بكاملها آنذاك؟‏

وجد بيننا مستسلمون في ذلك الوقت، وكانوا في مواقع حساسة وفي أقطارٍ هامة، ولكن الأمة ككل رفضت الهزيمة ورفضت الاستسلام، وصممت على صنع النصر.. كُسِرنا على الأرض، ولكن إرادة النصر ضد هذه القوى العظمى لم تكسر مرة واحدة. إنها أمثلة صارخة من التاريخ، أضخم بكثير مما نحن فيه اليوم.. المهم أن تبقى الحرب مستمرة، نمارسها مرة بالبندقية، ومرة بالحجارة، ومرة بصراع عسكري شامل].‏

3 ـ اعتزاز القائد الخالد حافظ الأسد بالإنسان العربي، ومهارته في مخاطبته، وبنائه، الإنسان العربي الذي حقق ملاحم المجد والفخار في حطين وعين جالوت..، وما تزال تسري فيه دماء أجداده العظام، قادر اليوم على مثلها: [انطلقت الحركة التصحيحية لتعزز إنسانية الإنسان بوصفه قيمة حضارية كبرى تتعزز بالعلم والمعرفة والإدراك..] وفي حرب تشرين المجيدة عرف كيف يستثير حمية الإنسان العربي بقوله: [يا أحفادَ خالد وأبي عبيدة وعمرو وسعد، وصلاح الدين.. إن ضمير أمتنا ينادينا، وأرواح شهدائنا تستحثنا أن نتمثل معاني اليرموك والقادسية وحطين، وعين جالوت، وإن جماهير أمتنا العربية العظيمة من المحيط إلى الخليج تشخص بعيونها وأفئدتها إلى صمودنا العظيم، وكلها أمل وثقة بأننا إلى النصر سائرون.. نحن نعشق الحرية، ونريدها لنا ولغيرنا، وندافع كي ينعم اليوم شعبنا بحريته].‏

[إن الأمة التي قاتلت في حرب تشرين، تعرف طريقها إلى تشرين آخر]؛ وقد خاطب قواتنا الباسلة أثناء مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان يوم 3 آب 1983م بقوله:‏

[إن عروبة بيروت أمانة بين أيديكم، فاحفظوا هذه الأمانة، وادفعوا عن نسائها وشيوخها وأطفالها همجية أعداء الإنسانية، واجعلوا معركة بيروت معركة مجدٍ دفاعاً عن كرامة الأمة العربية، ودرساً للمتخاذلين الجبناء. إننا شعب واحد، ومن أمة واحدة، هكذا خلقنا الله، هكذا هو التاريخ، وهكذا هي الجغرافيا، ولن يستطيع أحدٌ أن يطمس هذه الحقيقة الأزلية الخالدة]؛ [لا تراجع إلى الوراء؟ إمَّا الشهادة وإمَّا النصر].‏

4 ـ ومما يُسجَّل للقائد الخالد حافظ الأسد وقفاته الشامخة في رفضه لكافة التهديدات مهما كانت، ومن أيٍّ كانت، ومواجهته التحدي بالتحدي، وقد واجه بإرادة صلبة أقسى تحديات عصره، واجه غطرسة الهيمنة الأمريكية من موقع الكرامة الوطنية، وتعامل مع كافة زعماء وقادة عصره من موقع الندِّ للندِّ... لم ترهبه الأساطيل ولم يخضع يوماً للابتزاز، ورفع صوته جريئاً: [الولايات المتحدة الأمريكية تتحدث اليوم عن الإرهاب، وهي أكبر دولة إرهابية عرفها التاريخ... وهي التي مارست وتمارس الإرهاب بأشكال لم يعرفها تاريخ الإرهاب من قبل.. سورية لا يمكن إخضاعها أو تخويفها بتهمة الإرهاب..]، وقد رد القائد حافظ الأسد على الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان بمهاجمة سورية عام 1984م بقوله أمام مجلس الشعب: [ريغان أرسل لي رسالة تهديد، ونحن جاوبنا بالتهديد؛ وأن أمريكا ستضرب سورية؛ وكل من يهدد الشرعية ـ حسب زعمه ريغان ـ في لبنان... وكان جوابي:‏

أنتم في أمريكا الذين تغزون وتُهددون الشرعية في لبنان؛ نحن في لبنان ندافع عن سيادة لبنان ضد الغزو الإسرائيلي، و ضد الغزو الأمريكي... إذا ضربتم فسنضربكم في البر والبحر والجو، ولدينا الوسائط الكفيلة بالرد عليكم].‏

5 ـ الأرض عند القائد الخالد حافظ الأسد هي العرض، هي الشرف، هي الأغلى، هي الكرامة، لا تُباع، ولا تُؤَجَّر، لا مساومة عليها، ولا تفريط فيها، ولا تنازل عنها مهما بلغت التضحيات؛ إنها هي الوطن؛ هي المقدسات ودونها لا توجد أية مقدّسات؛ ففي قمة جنيف يوم الأحد في 26 آذار لعام 2000م، مع الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون رفض القائد حافظ الأسد رفضاً قاطعاً التنازل أو الاحتفاظ بأي جزء من تراب الوطن تحت الاحتلال، مهما كان صغيراً ببضعة أمتار من شاطئ بحيرة طبريا أو هضبة الجولان، وأنه لن يتخلّى عن أي حقٍ مهما طال عليه زمن الاحتلال؛ مما دفع بالرئيس الأمريكي السابق كلينتون للقول: [إنني أحترم وطنية ومواقف الرئيس حافظ الأسد، وضميره في حماية حقوق ومصالح وقضايا شعبه وأمته؛ وثباته على مواقفه].‏

6 ـ وبقي القائد الخالد حافظ الأسد متفائلاً في أقسى وأحلك الظروف التي عصفت بالوطن والأمة، بقي مطمئناً إلى حتمية الانتصار والتحرير... ولو بعد حين؛ المهم، بل الأهم لديه المحافظة على سلامة الرؤيا، وعدم الخلط بين المسمّيات؛ بين المقاومة والإرهاب؛ بين السلام والاستسلام، بين الثبات على المواقف، والتفريط والتخاذل... وبقي كذلك طيلة سيرته الكفاحية الزاخرة: [إنهم يريدوننا أن نستسلم، والمسافة بيننا وبين الاستسلام هي أكبر بكثير من المسافة التي تفصل بينهم وبين أبعد النجوم التي لم تصلها مراكبهم الفضائية بعد، ولن تصلها هذا الذي يحيط بالوطن العربي اليوم هو أمرٌ عارض بمنظار الزمن لن يدوم ولن يطول، وإن الأمة العربية ستنهض وتواجه كافة المخاطر والتحديات، كما كان ذلك شأنها في كافة مراحل تاريخها الكفاحي... إننا واثقون أننا سنستعيد أرضنا المحتلة في الجولان مهما طال الزمن أو قَصُر، ومهما بلغت قوة المعتدين، ومهما ضاقت ظروف العرب].‏

وسيبقى حافظ الأسد منبراً وقاداً، وقامة شامخة في ذاكرة الوطن والأمة والوجدان العربي والإنساني، وستبقى أفعاله، وأقواله، ونهجه، وأفكاره، ومآثره التي نشمخ بها، وتشمخ بها أجيالنا القادمة عزّة وكرامة... ستبقى عتبات الدخول إلى كل عصر؛ وإلى مواجهة كافة تحديات العصر؛ وما كان منها، وما سيكون... وهو ما دعا إليه سيد الوطن الرئيس بشار الأسد بقوله:‏

[ما طالب به الرئيس حافظ الأسد أطالب به، لم أنقص، ولم أزد عليه شيئاً... الرئيس حافظ الأسد لم يتنازل، ونحن اليوم وفي المستقبل لم، ولن نتنازل].‏

المراجع: في توثيق كلمات القائد الخالد حافظ الأسد يرجى العودة إلى كتابنا: [الرئيس حافظ الأسد القائد والمفكر] لمؤلفه عبد الوهاب زيتون ـ دار المنارة ـ 1998م بيروت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244