جريدة الاسبوع الادبي العدد 1102 تاريخ 10/5/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قاطرة شهداء لم تتوقّف.! ـــ عدنان كنفاني

لا تستطيع أمّة "سوانا" من الأمم على وجه الأرض أن تنصب في كل يوم من أيام السنة أعراساً لشهدائها.. وأيّ يوم من أيامنا لم نودّع فيه شهيداً سقط في سبيل حريّة الوطن ورفعته.؟ وهل نستطيع أن نصمّ آذاننا عن سماع زغرودة أمّ تطلقها مدوّية وهي تغرز خطواتها وراء نعش ابنها، تحمله بدموعها المحبوسة وراء براقع القهر والحزن، وتودّعه إلى عالمه الخلودي الجديد..‏

هو عرس لشهداء 6 أيار، وعرس مستمّر لقاطرة من الشهداء لم تتوقّف، يتنكّبون جراحهم، ويضيئون المشعل.. والمسيرة مستمرّة لا ينضب عطاؤها..‏

حقيقة نمسك ونحن نؤكد "وقد تبدو مفارقة غريبة" أن أول مسمار يدقّ في نعوش الاستعمارات، يأتي تماماً مع أول خطوة يدنّسون فيها أراضي الأوطان المغزوّة..‏

كما أن أول مسمار دقّ في نعش الاستعمار الفرنسي، كان تماماً في 24 تمّوز 1920 وهو اليوم الذي دخلت فيه جيوش فرنسا الجرارة إلى دمشق..‏

وهذه ليست أحجية، وليست كلاماً من فراغ، بل حقيقة كرّسها وأصّلها وزير الحربية السورية آنذاك البطل الشهيد الحيّ يوسف العظمة..‏

أختارُ الحديث عنه في هذه المناسبة كأنموذج.. ليس بسبب فرادته فقط، بل في محاولة لفهم قيمة فعل الشهادة وقدسيتها بالعام..‏

أطلق في لحظة استشهاده المقدّسة جذوة النضال، ورفع راية على روابي ميسلون بقيت خفّاقة على مسيرة ربع قرن، تشحذ همم الرجال، وتخلق الرجالات العظماء .. سلطان الأطرش، أحمد مريود، الشيخ صالح العلي، إبراهيم هنانو، محمدالأشمر، حسن الخرّاط.. وغيرهم وغيرهم، مئات وألوف واصلوا رحلات الشهادة، واستطاعوا في يوم 17 نيسان 1946 قطف النصر المؤزّر..‏

من هذه المقدّمة أجد المدخل للتحدث عن مرحلة نضالية مشرقة من تاريخنا في فترة صراعنا الضاري مع أحدث الاستعمارات التي تكالبت على بلادنا، ونحن نعيش اليوم ذكرى 6 أيار "عيد الشهداء".‏

تحرضنا هذه الذكرى للوقوف والتأمّل والسؤال:‏

هل كان من الممكن أن يتحقق الجلاء وإيقاع الهزيمة بالمستعر الفرنسي بغياب رجالاتنا العظماء الذين عمّدوا تراب الوطن الغالي بالدم والعرق، وبالنفس والنفيس.؟‏

ولو عدنا إلى بداية تلك الساعات العصيبة التي عاشها يوسف العظمة ورهطه الأبطال، وحتى لحظة اتخاذهم قرار الصمود والمواجهة، ذلك القرار الذي عجزت أدمغة المتحضّرين عن إيجاد تفسير له، وسط المعطيات الماديّة التي لم تكن تسمح بمجرد تقييم حالة ما من التوازن، بين أقوى جيش مشاة مدرّع في العالم في ذلك الوقت، وبين حفنة من الرجال، سلاحهم بنادق عتيقة، وسكاكين وعصّي..‏

يقول أحد المستشرقين في تحليله ليوم ميسلون:‏

(لم أجد رغم الجهد الذي بذلته أي تفسير لخروج يوسف العظمة إلى ميسلون لقتال جيش فرنسا الجرار، ولا أستطيع أن أسمّي ذلك الخروج إلا أنه عملية انتحار جماعية..)‏

هكذا وجد المستشرق الدارس الأمر، ولم يدرك "لأنه فاقد علم الأسباب" أهم الدوافع النبيلة التي أخرجت يوسف العظمة ورفاقه إلى ذلك النزال المستحيل..‏

نحن نعرف كما كان يعرف يوسف العظمة لماذا يخرج إلى مواجهة غير متكافئة، ونعرف دقائق تلك الساعات العصيبة التي سبقت خروجهم ذاك..‏

كان وزير الحربية السورية أمام أمرين مفروضين.!‏

فقد وجّه الجنرال "غورو" إنذاره الشهير، يتضمّن شروطاً إملائية مهينة واجبة التنفيذ، على الحكومة العربية الفتيّة أن تقبل بها صاغرة، وكان الإنذار فاضحاً لمطامع بيّنة في بلادنا وخيراتنا، وقد ركّزت كلمات الإنذار الخبيثة بشكل لا يمكن قبوله كأرضية معقولة للتفاوض، كما أنه حدّد فترة زمنية قصيرة للتنفيذ، ممّا يفسّر بأن قرار الدولة الفرنسية باجتياح دمشق واحتلالها واقع في كل الأحوال..‏

وفي الوقت نفسه تحرّكت قوات فرنسية كبيرة ومجهّزة بأحدث وسائل القتال في شمال سورية باتّجاه حلب وقضت على مقاومة الرجال القلائل الذين تطوّعوا للمواجهة دون تنظيم، ودخلت حلب في 23 تمّوز 1920، وتحرّكت قوّات أخرى من بلدة شتورا في لبنان باتجاه دمشق بقيادة الجنرال الفرنسي "غوابيه" مما يؤكد أيضاً أن الأمر واقع لا محالة.. ومن هنا بدأ العدّ العكسي لتلك الساعات العصيبة..‏

إمّا أن توافق الحكومة العربية الفتيّة على شروط "غورو" التعجيزية والمذلّة، والذي يضع أمّة بكاملها تحت وصمة عار لا ينمحي.. ويتمّ الاحتلال..‏

وإمّا أن تفتح أبواب الوطن على مصاريعها أمام القوات الغازية ليدخلوا دون مقاومة، وبذلك يلتصق العار والذل بالوطن ومواطنيه، وتسجّل سابقة خطيرة في تاريخنا لم تحدث من قبل، وترفضها شرائعنا وأخلاقنا وقيمنا.. حلاّن أحلاهما شديد المرارة..!‏

تمثّل هذان الحلاّن بمرارتهما ومهانتهما أمام وزير الحربية السورية يوسف العظمة في تلك الساعات المصيرية الحاسمة، وكان لا بد أن تتمخّض عن خيار ثالث لا يقبل التريث أو التأجيل..‏

المواجهة ومهما كانت التضحيات.!‏

أبلغ قراره إلى ساطع الحصري، وتوجّه إلى القصر الملكي وطلب مقابلة الملك فيصل، قال له:‏

- هل يأذن لي صاحب الجلالة أن أموت.؟‏

أطرق الملك لا يملك جواباً، فتابع الوزير مشدّداً ومؤكّداً:‏

- ابنتي الوحيدة ليلى أمانة لدى جلالتكم.!‏

خرج يوسف العظمة مع المئات من المتطوّعين المجاهدين الذين اختاروا ذات المصير، إلى الجبهة التي اختارها يوسف العظمة مكاناً للموقعة.. "ميسلون" وهذه دلالة تحمل رمزية يستطيع القادة العسكريون فهم أبعادها، وتفسير مدلولاتها..‏

استشهد يوسف العظمة، والمئات من رفاقه في ميسلون يوم السبت 24 تمّوز 1920، وهذا أمر له دلالته أيضاً.. أن يستشهد قائد الجيش، ووزير الحربية في ساحة المعركة جنباً إلى جنب مع رفاقه المقاتلين، مسطّراً بذلك سفر ملحمة فريدة ومحيّرة، طاوياً صفحة لا بد منها بدأت احتلال الوطن بمعركة غير متكافئة لكنّها معركة ملحمية كتبت رسالة واضحة للأجيال القادمة بأن الاحتلال جاء غصباً وعبر قتال ومعركة رفعت فوق ذرى ميسلون رسالة تقول: إن حرية الأوطان تستأهل كل التضحيات، رسالة خلقت رعيلاً من الشرفاء المناضلين، حملوا الرسالة وأوصلوها خفّاقة لنقطف ثمارها في 17 نيسان 1946..‏

هؤلاء الرجال حفروا بدمائهم على جدران الزمن قصص بطولة وفداء عجزت عقول المتحضّرين عن فهمها، وتفسيرها، وهؤلاء الرجال هم الذين أنجبوا الرجال الذين حققوا الاستقلال، معمّدة بروح الشهادة، في قلوبهم إيمان خالد بقدسية الحياة، وإيمان خالد بقدسية الشهادة..‏

حقّقوا بتضحياتهم نصرنا، وما زالوا يتناسلون، ويتناسلون..‏

سل عنهم في جنوب لبنان، وفي بطاح فلسطين..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244